بينما تتواصل الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران، أعاد التهديد الإيراني باستهداف مركز ديمونا النووي طرح أسئلة قديمة عن هذا الموقع شديد الحساسية، ودوره في معادلة الردع بالمنطقة، ومدى تحصينه أمام هجوم صاروخي محتمل.
فبعد خمسة أيام على بدء الحرب، نقلت وكالة “إيسنا” الإيرانية شبه الرسمية عن مسؤول عسكري كبير لم تسمه أن إيران ستستهدف الموقع النووي في ديمونا إذا سعت “إسرائيل” والولايات المتحدة إلى “تغيير النظام” في طهران.
ما مفاعل ديمونا؟
الاسم الرسمي للموقع هو “مركز شمعون بيريز للأبحاث النووية في النقب”، يقع في صحراء النقب جنوب الأراضي الفلسطينية المحتلة، على بُعد نحو 90 كيلومترًا جنوب القدس وحوالي 13 كيلو مترًا من مدينة ديمونا.
المفاعل بُني بمساعدة فرنسية في أواخر خمسينيات القرن العشرين، وبدأ تشغيله عام 1963 بطاقة حرارية تقدر بنحو 26 ميغاواط حسب وكالة الطاقة الذرية الدولية، إلا أن خبراء مستقلين يعتقدون أنه رُقي لاحقًا إلى 70–150 ميغاواط.
وتعد هذه المنشأة الركيزة الأهم في البرنامج النووي الإسرائيلي، وقد أعادت “إسرائيل” تسميتها بهذا الاسم عام 2018 تكريمًا لرئيس الوزراء الأسبق شمعون بيريز، الذي يُنسب إليه الفضل على نطاق واسع داخل دولة الاحتلال في إسهاماتٍ جوهرية في تطوير البرنامج النووي.
يؤكد تصميم الموقع على طبيعته شديدة الحراسة، إذ يضم المركز عشرة مبانٍ على مساحة 36 كيلومترًا مربعًا، وتحرسه سياجات مكهربة وطرق دوريات وبطاريات صواريخ مضادة للطيران.
كما يضم ثمانية مختبرات تحت الأرض يعود تاريخها إلى عقود مضت، ويُعتقد أن نحو 2700 عالم وفني يعملون فيها.
رسميا تقول هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية إن الغاية هي البحث العلمي، لكن “إسرائيل” تنتهج سياسة “الغموض النووي”؛ إذ لم تعترف بامتلاك أسلحة نووية ولم تنفِ الأمر وترفض الانضمام إلى معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية.
وتشير جمعية الحد من التسلح (أمريكية مستقلة)، إلى أنه ليس “مفاعلًا لتوليد الكهرباء” بل مركز أبحاث يضم مفاعلًا يعمل بالماء الثقيل ووحدة لإعادة معالجة الوقود المستنفد، يسمح بإنتاج البلوتونيوم والتريتيوم المستخدمين في الأسلحة النووية.
وبحسب منظمة مراقبة التسلح (FAS)، أنتجت “إسرائيل” كمية من البلوتونيوم والتريتيوم تكفي لتصنيع قرابة 200 سلاح نووي، مع نحو 90 رأسًا حربيًا جاهزًا توزع عبر صواريخ جيريكو وطائرات.
ومع تقدم عمر المفاعل، كشفت صور الأقمار الاصطناعية عام 2021 عن ورشة بناء ضخمة بالقرب من المفاعل ومنشأة إعادة المعالجة.

يرى بعض الخبراء أنها تشير إلى بناء مفاعل جديد أو تمديد عمر المفاعل القديم بهدف إنتاج التريتيوم، بينما يعتقد آخرون أنها قد تكون منشأة لتجميع الرؤوس النووية؛ لكن السرية تحجب حقيقة المشروع.
في عام 2025، أظهرت صور أخرى حفرة بطول 150 مترًا وعرض 60 مترًا قرب الموقع؛ رأى ثلاثة من سبعة خبراء أنها منصة لمفاعل ماء ثقيل جديد، فيما رجح آخرون أنها ورشة تجميع رؤوس. تزامن ذلك مع تقديرات بأن المفاعل القديم يحتاج إلى تجديد أو استبدال في السنوات المقبلة.
لماذا ديمونا؟
يحمل الموقع قيمة رمزية وسياسية وعسكرية، فهو ركيزة البرنامج النووي الإسرائيلي ومنبع البلوتونيوم لصواريخ جيريكو (القادرة على حمل رؤوس نووية)، ما يجعله رمزًا للتفوق الردعي. لذلك، كل تهديد بضربه يلامس نقطة الحساسية القصوى لدى “إسرائيل”.
كما أن الموقع يقع في عمق الصحراء بعيدًا عن المراكز السكانية الكبرى، ما يجعل أي إصابة مباشرة له ذات أثر نفسي أكبر من الخسائر البشرية؛ أي إن الضربة ستكون رمزية بدرجة كبيرة، تهدف إلى كسر هيبة الردع وليس إلى قتل الآلاف.
تهديد إيران بضرب ديمونا يستخدم هذا الرمز لربط أي هجوم على أراضيها بمقابل يتجاوز حدود أرض المعركة. أما بالنسبة لـ”إسرائيل”، فإن المساس بديمونا يُعد خطًا أحمر استراتيجيًا، وبالتالي تصبح أي إشارة إليه سببًا لتصعيد كبير.
هل تستطيع إيران استهدافه؟
1- المدى والقدرات العامة
تمتلك إيران أكبر ترسانة صاروخية في الشرق الأوسط، بسقف لا يتجاوز 2000 كيلومتر، ويضم المخزون الصواريخ التالية.

يشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن بعض هذه الصواريخ تستخدم أنظمة توجيه بدائية تمنحها خطأً دائريًا محتملاً يبلغ نحو 2500 متر مثل النسخ الأولى من شهاب‑3، وإن كانت النسخ الأحدث تدمج تقنيات صينية لتحسين الدقة.
صاروخ سجّيل، ذي المرحلتين والوقود الصلب، يتمتع بمدى 2000 كلم وحمولة 700 كغ، غير أن صعوبات التوجيه تقلل دقته.
أما خرمشهر فهو مشتق من الصاروخ الكوري الشمالي موسودان وقد يحمل رأسًا يزن 1800 كغ، ويُعتقد أن بعض نسخه قد تصل إلى 3000 كلم، لكن إيران تقلل المدى المعلن لعدم إثارة أوروبا.
أرقام المدى تشير بوضوح إلى أن معظم هذه الصواريخ يمكن أن تصل إلى ديمونا من عمق الأراضي الإيرانية.
2- الدقة والرؤوس الحربية
الوصول لا يعني الإصابة الدقيقة، فتوجيه الصواريخ القديمة يعتمد على الملاحة، ما يجعل دائرة الخطأ كبيرة؛ بالتالي تستهدف المدن أو المواقع الكبيرة وليس مبنى محددًا.
وتستخدم النسخ المحسّنة مثل قدر وعماد رؤوسًا إعادة دخول محسنة وأنظمة تحكم لتقليل الخطأ، وقد تتيح انفجارًا جويًا يعزز التأثير ضد منشآت واسعة.
أما خرمشهر فيحمل رأسًا ثقيلًا وقد يحمل رؤوسًا متعددة، لكن دقته محل جدل. بالتالي، قدرة الصواريخ الإيرانية على بلوغ مجال ديمونا شبه مؤكدة.
لكن إصابة منشأة محددة بدقة مليمترية ما زالت محل شك، خاصة في ظل استعداد “إسرائيل” لتشويش أنظمة التوجيه.
3- المسارات البديلة
إلى جانب الصواريخ البالستية، تمتلك إيران صواريخ كروز مثل هويزة بمدى 1350 كلم، وطائرات مسيرة قادرة على الطيران لمسافات طويلة.
كما توفر طهران قدرات صاروخية لحلفائها في لبنان واليمن، ما يعني أن الهجمات قد تُنفذ عبر أطراف ثالثة أو بشكل مركب.
لكن صواريخ الحلفاء عادة قصيرة المدى ولا تصل إلى ديمونا من جنوب لبنان أو حتى غزة، فيما يمكن للصواريخ من اليمن اجتياز 2000 كلم إذا كانت النسخ بعيدة المدى.
مع ذلك لا يوجد ما يثبت امتلاك الحوثيين لصواريخ بدقة أو مدى يسمح بإصابة هدف محدد في النقب.
4- دفاعات جيش الاحتلال
تتمتع “إسرائيل” بمظلة دفاع جوي متعددة الطبقات، تشمل آرو‑2 و آرو‑3 لاعتراض الصواريخ البالستية البعيدة خارج الغلاف الجوي، ونظام مقلاع داود لاعتراض الصواريخ متوسطة المدى وصواريخ كروز، و القبة الحديدية لرشقات الصواريخ القصيرة.
وزود الجيش الأمريكي “تل أبيب” عام 2025 بنظام ثاد لتعزيز الدفاع أثناء حرب الـ 12 يوما مع إيران. ويقول مسؤولون عسكريون إن هذه المنظومة تصد نحو 80‑90% من الصواريخ، لكنها ليست منيعة.
كما أعلنت “إسرائيل” في أوقات سابقة عن تعزيز الدفاع حول ديمونا بعد ارتفاع التوترات. لذا فإن إصابة الصواريخ الإيرانية لموقع محمي جيدًا ليست مضمونة، خصوصًا إذا أُطلقت أعداد محدودة؛ أما رشقات كبيرة فقد تفرض ضغوطًا على المنظومة.
سجل الحوادث السابقة
تاريخ الموقع يشمل تهديدات متعددة، لكن أيا منها لم يسفر عن إصابة:
- حرب الخليج 1991: أطلق الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين عدة صواريخ سكود‑بي على ديمونا، لكنها لم تصب المنشأة.
- غزة 2014: أعلنت كتائب القسام إطلاق ثلاثة صواريخ من طراز M‑75 باتجاه ديمونا؛ اعترضت القبة الحديدية أحدها وسقط اثنان في مناطق مفتوحة دون إصابات. قالت مصادر أخرى إن الصواريخ كانت تهدف لإصابة “محيط ديمونا” وليس المفاعل نفسه.
- سوريا 2021: صاروخ سوري مضاد للطائرات من طراز إس‑200 (SA‑5) أطلق تجاه طائرة إسرائيلية، فخالف مساره وسقط على بعد نحو 30 كلم من ديمونا. حاولت الدفاعات اعتراضه دون نجاح، ما دفع “إسرائيل” لتعزيز الدفاعات في جنوب الأراضي المحتلة.
- مناورات الحرس الثوري 2021: خلال تدريبات عسكرية، أطلق الحرس الثوري 16 صاروخًا بالستيًا و5 طائرات مسيرة على نموذج هدف يحمل لافتة “مركز إنتاج أسلحة الدمار الشامل” يحاكي ديمونا، في رسالة تحذير. أعلن قائد الحرس أن الفرق بين المناورة والهجوم الحقيقي هو زاوية الإطلاق فقط.
في المحصلة، لا تبرز خطورة ديمونا من كونه منشأة نووية فحسب، بل من كونه نقطة التقاء بين الغموض النووي والردع العسكري والرمزية السياسية في “إسرائيل”.
لذلك، فإن إدخاله صراحة إلى خطاب التهديد الإيراني لا يعني مجرد توسيع بنك الأهداف، بل يعكس انزياح المواجهة إلى مستوى أكثر حساسية، تُختبر فيه الخطوط الحمراء مباشرة.
وبين قدرة إيران على بلوغ الموقع من حيث المدى، وصعوبة إصابته بدقة وحسم، وكثافة الحماية المحيطة به، يبقى ديمونا عنوانًا لصراع إرادات بقدر ما هو هدف عسكري محتمل.