منذ اليوم الأول للحرب، لم تعتمد الضربات الأمريكية‑الإسرائيلية على إيران على طيارين وخطط ميدانية تقليدية فقط، بل على بنية خوارزمية كثيفة تُحوّل الصور والاتصالات والبيانات الضخمة إلى بنك أهداف متحرك.
فكيف تتحول المعلومات المجردة، من صورة واتصال وإشارة، إلى هدف مُصنَّف ثم إلى ضربة فعلية؟ وكيف تدمج “إسرائيل” وأمريكا أدوات الذكاء الاصطناعي في عمليات الاستهداف والتحليل والتقييم في الحرب.
أولًا: الرصد الخوارزمي وتحليل الأقمار الصناعية
أولى وظائف الذكاء الاصطناعي في الحرب الحالية هي التعامل مع الكم الهائل من الصور والبيانات الجغرافية المكانية الآتية من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والرادارات. ومن أبرز الأمثلة الأمريكية عليها:
1- نظام “ميفن الذكي”
منظومة تعمل على جمع وتحليل كميات هائلة من بيانات المراقبة من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة والاتصالات اللاسلكية وشبكة الإنترنت، ثم تصهرها في واجهة تشغيلية واحدة تتيح لغرف القيادة الأمريكية البحث السريع وفرز الأهداف، وتسريع قرار الضرب.
طورت المنظومة من مشروع ميفن الأصلي التابع لشركة بالانتير، وقد كشفت صحيفة واشنطن بوست عن استخدامها بالحرب على إيران.

2- نظام كلود
طورته شركة أنثروبيك بالتعاون مع وزارة الحرب الأمريكية، بهدف تسريع التخطيط العسكري و”تحسين تحليل الاستخبارات، وتمكين المسؤولين في عمليات اتخاذ القرار” الخاص بالاستهداف.
يعتمد النظام على التعلّم الآلي لتحديد الأهداف، وترتيب أولوياتها، وترجيح وسيلة الضرب الأنسب، مع مراعاة المخزونات السابقة، وأداء الأسلحة ضد أهداف مماثلة، كما يستخدم “استدلالاً آلياً” لإسناد غطاء قانوني مسبق للضربة.
وكشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أنه جرى استخدامه خلال الحرب على إيران في إطار ما يُعرف بـ”تقليص سلسلة القتل” (kill chain)، أي تسريع المسار الكامل من تحديد الهدف، وصولاً إلى تنفيذ الضربة.
وبعيدًا عن “ميفن” و”كلود”، لم تؤكد التقارير استخدام “إسرائيل” للذكاء الاصطناعي من عدمه في ضرب إيران، لكن هذه أبرز أدواتها وأنظمتها:
1- نظام “لاڤندر”
نظام طوّرته وحدة الاستخبارات الإسرائيلية 8200 كان القلب النابض لعملية الاستهداف البشري في العدوان الأخير على قطاع غزة.
تعتمد الخوارزمية على التعلم الآلي؛ فهي تُدرب على بيانات “أشخاص معروفين” ثم تبحث عن أنماط مشابهة في سكان غزة لاستهدافهم.
2- نظام “مصنع النار”
نظام إسرائيلي يعمل على تحليل بيانات التاريخ العملياتي ويقترح كمية الذخيرة والزمن الأمثل لكل ضربة، ما يربط بين مرحلتي تطوير الهدف وتحليل القدرات.
وتعمل منظومة “مصنع النار” على استهداف تجمعات لا تقل عن 5 أشخاص، وترجح وسائل إعلام عبرية أنها تمكنت من اكتشاف 50 هدفاً سنوياً خلال السنوات الماضية.
3- نظام “أين أبي؟”
نظام يحدد متى وأين يتم قتل الشخص المستهدف، وهو يمثل قمة التوحش التكنولوجي في إنهاء الحياة. ففي العقيدة العسكرية التقليدية، يتم استهداف المقاتلين أثناء انخراطهم بعمل عسكري أو تواجدهم في منشأة عسكرية.
لكن جيش الاحتلال واجه صعوبة في تحديد مواقع مقاتلي حماس داخل الأنفاق، وكان الحل الذي قدمته الاستخبارات بسيطًا ومرعبًا: “انتظارهم حتى يعودوا إلى منازلهم”.
4- نظام “الهبسورة”
بينما يستهدف “لافندر” و”أين أبي؟” البشر، يركز نظام “الهبسورة” على الجماد، فهو يستخدم الذكاء الاصطناعي لتحليل صور الأقمار الصناعية والمعلومات الهيكلية لتوليد أهداف مبانٍ بوتيرة صناعية.
وسع “الهبسورة” مفهوم الهدف العسكري ليشمل ما يسمى “أهداف القوة”، وهي ليست مخازن سلاح أو مراكز قيادة، بل أبراج سكنية عالية، جامعات، بنوك، ومباني عامة، ويجري استهدافها لخلق ضغط شعبي مدني هائل على الخصم عبر تدمير البنية التحتية.
ثانيًا: دمج البيانات وبناء بنك الأهداف
النظام المفصلي في هذه الحرب هو “نظام ميفن الذكي”، الذي يجمع بيانات من 179 مصدرًا – من الأقمار الصناعية والطائرات المسيّرة إلى التقارير الاستخبارية – ويحولها إلى لوحة واحدة يستطيع المخططون العمل عليها.
وكشفت صحيفة واشنطن بوست أن النظام، المدمج مع نموذج لغوي كبير يدعى “كلود”، ولد مئات الأهداف وحدد إحداثياتها ورتبها بحسب الأولوية خلال التخطيط للهجوم على إيران.
وأكد أشخاص مطلعون أن المنصة تُستخدم يوميًا في معظم وحدات الجيش الأمريكي، وأن دمج “كلود” معها خفّض زمن التخطيط من أسابيع إلى “وقت قريب من الزمن الحقيقي”.
وأوضحت الصحيفة أن النظام قدّم هذه الأهداف مصنَّفة بحسب أولوية الضرب وقيمتها العملياتية في نظر المخططين وساهم في تقييم نتائج الضربات لاحقًا، ما يدل على أنه يتحكم في دورة الاستهداف كاملة من التحديد حتى التقييم.
بحسب واشنطن بوست، نشأ النظام في البداية كمشروع لاكتشاف الأجسام في الفيديوهات ولكنه توسع ليصبح منصة دمج بيانات، وارتفع الطلب عليه لدرجة أن وزارة الحرب الأمريكية رفعت سقف عقد “بالانتير” لتوسيع النظام.
ومع هذا، يظل استخدام “كلود” مثيرًا للجدل؛ فقد صنّفت وزارة الحرب الأمريكية الشركة المطوِّرة “أنثروبيك” على أنها “خطر على سلسلة الإمداد” بسبب قيودها على الاستخدامات العسكرية، لكن الجيش واصل الاعتماد على النموذج لأنه يراه أفضل من البدائل.
وبالرغم من أوامر من الرئيس دونالد ترامب بحظر استخدام أدوات أنثروبيك في وكالات الحكومة خلال ستة أشهر، فإن النظام ما يزال يعمل داخل منصات الجيش الأمريكي.
ثالثًا: تحليل الاتصالات واللغة والإشارات
تشكِّل الاتصالات الملتقطة وبيانات الحركة اليومية وأنماط الحياة والتنقل هدفًا أساسيًا آخر للذكاء الاصطناعي.
إذ يذكر تقرير لموقع Lawfare أن قيادة “السايبر” الأمريكية نفذت عمليات للتشويش على الشبكات الإيرانية خلال الهجوم، واعتمدت على اختراق كاميرات المرور في طهران وشبكات الهواتف المحمولة لتحديد موعد اجتماع للقيادة الإيرانية واستهدافه.
وأوضحت مصادر لصحيفة فايننشال تايمز أن غالبية كاميرات المرور في طهران كانت مراقبة من “إسرائيل” وأن اختراق الشبكات جرى قبل العملية.
هذا الكم الهائل من الاتصالات والصور لا يمكن للبشر وحدهم تحليله؛ وهنا تستخدم منصات التحليل الآلي تقنيات تعلم الآلة لاستخراج الأنماط (مثل مواقع تجمع الحرس الثوري أو عادات التنقل) وتبني ملفات تعريف للأهداف.
ولا توجد معلومات مؤكدة عن اسم النظام المستخدم في هذا المجال خلال الحرب الحالية، لكن تجارب سابقة في غزة تشير إلى أن وحدات الاستخبارات الإسرائيلية تستخدم برامج مثل “أين أبي؟” لتحليل أنماط الحياة وتحديد اللحظة المناسبة لتنفيذ الضربة.

هناك تعقيد لغوي كذلك، فالحرب على إيران تستلزم فهم رسائل بالفارسية والعربية؛ لذلك تتحدث تقارير تقنية عن استخدام نماذج لغوية لترجمة الاتصالات وتصنيفها، مع دمجها في لوحة المعلومات.
وتسود ترجيحات أن برامج الترجمة المبنية على الذكاء الاصطناعي داخل وزارة الحرب الأمريكية – مثل نماذج ترجمة آلية للغات غير اللاتينية – قد تكون وفرت ترجمة سريعة للأوامر والرسائل الملتقطة.
واعترف مسؤولون في القيادة المركزية الأمريكية باستخدامهم للذكاء الاصطناعي في نطاق “غربلة البيانات”.
رابعا: فرز الأهداف وترتيب الأولويات
بعد جمع البيانات، تتمثل الخطوة التالية في ترتيب الأهداف واختيار ما يجب ضربه أولًا، وهنا يؤدي “ميفن” و”كلود” هذا الدور.
وأوردت واشنطن بوست أن النظام يعمل على إسناد درجة لكل هدف بناءً على أهميته، ويقدم اقتراحات بشأن تسلسل الضربات، مع إمكان التنبؤ بالردود المتوقعة عبر محاكاة السيناريوهات.
وأكدت أن المنصة أعطت الأولوية لأهداف مختلفة وقدّمت توصيات أُخذت بها أثناء مرحلة التخطيط.
هذه القدرة على ترتيب الأهداف وتحليل السيناريوهات هي ما جعل المراقبين يصفون الحرب الحالية بأنها تقترب من نموذج “القتل الخوارزمي”.
إذ يتحول القائد العسكري إلى من يعتمد على خوارزمية تقترح له التسلسل الزمني للضربات.
خامسًا: قياس أثر الضربات وحجم الدمار
يتحدث مسؤولون أمريكيون عن أن الذكاء الاصطناعي لا يقتصر على اختيار الأهداف بل يشمل تقييم الضرر بعد الضربة.
وتذكر واشنطن بوست أن النظام الذكي يجري تحليلًا لنتائج الضربات ويساعد في تحديد مدى نجاح العملية. ويتطلب هذا التقييم دمج صور جديدة من الأقمار الصناعية مع معلومات استخبارية أخرى.
مع ذلك، تبقى هذه العملية حساسة، إذ رفضت شركات تجارية مثل Planet Labs نشر صور فورية لمنطقة الخليج بعد الضربات لئلا تُستخدم في تقييم الأضرار من قبل الخصوم.
ويبرز هذا التقييد كيف يمكن للحرب المعلوماتية أن تتقاطع مع مصالح تجارية وسياسية، ويؤكد أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في التقييم لا يعني انتهاء الحاجة إلى مصادر بشرية وتقنية أخرى.
وفي المحصلة، فإن الحرب على إيران لا تبدو، حتى الآن، مجرد مواجهة تُستخدم فيها أدوات ذكاء اصطناعي على الهامش، بل حربًا تتسلل فيها الخوارزميات إلى قلب سلسلة القتل نفسها: من التقاط الصورة واعتراض الإشارة، إلى فرز الاسم، وترتيب أولوية الضربة، ثم قياس ما خلّفته القنابل.
وما تكشفه هذه الحرب هو أن واشنطن و”إسرائيل” لا تستخدمان الذكاء الاصطناعي فقط لتسريع القرار العسكري، بل لتقليص المسافة بين المعلومة والقتل إلى حدّ غير مسبوق.