Also available in English
ربما يكون آخر سؤال يشغل بال أية إدارة أمريكية ذهبت لحربٍ هو سؤال التكلفة وإعادة الإعمار، وفي جولة الحرب الجارية بين الولايات المتحدة -إسرائيل وإيران، ظهر حل ألمعيّ، حيث تكشف التقارير عن نية أمريكية تتمثل في دفع تكلفة الحرب وإعادة الإعمار من خلال الأموال الإيرانية المجمدة لدى الولايات المتحدة.
تُطالب إيران باسترداد 24 مليار دولار أمريكي، ويشكل ذلك المطلب “تابو” بالنسبة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، حتى منذ مناظرات السباق الرئاسي لعام 2016، لذلك، يؤكد مسؤول أمريكي لم يبح باسمه لمجلة فورتشن الأمريكية أن تلك القضية، سبب تعثر جولة المفاوضات في الوقت الحالي.
في نفس الوقت، وجه وزير الخزانة الأمريكي بتشكيل فريق لتقييم الأوضاع بشأن الأضرار التي تسببت فيها إيران لحلفاء الولايات المتحدة الأمريكية في المنطقة -دول الخليج بالتحديد- وإصلاح ذاك الضرر، بتلك الثروة الإيرانيّة.
بالنسبة لإيران التي ترى أن أموالها المجمدة ليست صندوق دفع لحلفاء واشنطن، كان الرد تصعيديًا، حيث طالب نائب وزير الخارجية الإيراني الدول التي أتاحت أراضيها للضربات الأمريكية-الإسرائيلية بتعويض إيران عن أضرار تُقدر بأكثر من 270 مليار دولار أمريكي.
مشهدٌ متشابك وسيريالي، في صراع متأزم منذ عام 1979 بين الولايات المتحدة الأمريكية وإيران، جرت العادة فيه على أن تمد دولة يدها للأخرى بمقترح للتسوية، فلا تجد سوى قبضة مغلقة. ولكن أهم ما في ذاك المشهد، أنه يفتح نقاشًا سياسيًا وتاريخيًا وقانونيًا، إذا شئت أن تسأل: هل يجوز قانونًا تحويل أصول دولة ذات سيادة لتعويض خصومها؟ وهل يفضي ذلك إلى حل أم مزيد من التصعيد؟ وما هي تلك الأموال الإيرانيّة أساسًا؟ ومن هذا السؤال، نبدأ.
اليوم الأخير لجيمي كارتر
الأصول الإيرانية التي تخضع لسيّطرة واشنطن وتُعد وسيلة للابتزاز السياسي تنقسم إلى أشكال عادة، بين أموال مجمدة، وإيرادات نفطية متراكمة بسبب تطبيق العقوبات وصفقات سلاح منذ عهد إيران البهلويّة، ما يجعل تلك القضية فضفاضة في التقديرات بين 6 مليارات دولار إلى أكثر من 100 مليار دولار. لكن الشيء اليقيني المتعلق بهذه القضية هو لحظة ميلادها في عهد الرئيس كارتر.
عادة لا يقضي الرئيس الأمريكي يومه الأخير في البيت الأبيض منهمكًا في فعل شيء أكثر من حزم حقائبه، ولكن الأمور لم تسر بتلك الطريقة مع الرئيس جيمي كارتر (1977-1980) الذي قضى يومه الأخير في التغلب على عائقٍ قد خلقه.
نتحدث هنا عن الأموال والأصول الإيرانية، وأزمتها التي نشأت وعُرفت باسم “تجميد كارتر” حين لجأ الرئيس الأمريكي إلى ما يُعرف بقانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية IEEPA الذي تستخدمه الحكومة الأمريكية لخنق وحصار الدول “المارقة” أو التي تمثل تهديدًا للأمن القومي الأمريكي، وهو الصورة النهائية من قانون التجارة مع العدو الذي بدأ الرئيس ويلسون في استخدامه منذ العام 1917 لمقاضاة الأمريكيين المتاجرين مع ألمانيا خلال الحرب العالمية الأولى، واستخدمته الحكومات الأمريكية المتعاقبة مع كوبا والصين وكوريا الشمالية وفيتنام.
فبعد 11 يومًا من اقتحام السفارة، اتصل وزير الخزانة بيل ميلر بالرئيس كارتر ليبلغه بأن إيران أمرت بسحب جميع أصولها في الولايات المتحدة التي تُقدر بنحو 6 مليارات دولار، وكان على كارتر أن يقرر ما إذا كان سيصدر تعليمات للبنوك الأمريكية برفض التسليم، وهو ما حدث. بجرة قلم، شل كارتر حركة الأصول الإيرانية ليضيف مظلمة جديدة إلى عريضة الإيرانيين ضد “الشيطان الأكبر“.
كان مختطفو الرهائن الأمريكيين يطالبون بتسليم الشاه وثرواته التي تُقدر في الولايات المتحدة بـ 20 مليار دولار أمريكي أيضًا، وحين صرع سرطان الدم الليمفاوي المزمن شاه إيران في منفاه المصري بعد معاناة لم تطل، كان جوهر أزمة الرهائن في منتصف عام 1980، قضية عبثية. لم يعد هناك سوى الجثة إن كانت تفيد، فالحكومة الأمريكية لا تنوي إعادة الأموال الإيرانية.
لا بد من مخرج، هكذا فكرت إدارة كارتر بعد فشل حلول عدة منذ العملية العسكرية مخلب النسر التي انتهت إلى كارثة وفضيحة أعادت إلى الأذهان حادثة ماياغز 1975، حيث فشلت الولايات المتحدة مرة أخرى في إنقاذ رهائنها، حيث هذه المرة أمام إيران بعد الفشل أمام الخمير الحمر في كمبوديا، ولم يكن هناك ما يمكن للأمريكيين إعطاؤه في ظل الضغط الشعبي على إدارة كارتر، سوى الشرعية والأموال.
أراد الإيرانيون استعادة أصول بلادهم المجمدة، وكذلك الأصول المالية لعائلة الشاه الموجودة في الولايات المتحدة، وأرادوا أيضًا الحصول على إمدادات السلاح التي دفعت إيران مستحقاتها تحت نظام الشاه، وهو ما مثل حاجة ملحة بينما تخوض إيران حربًا مُرّة مع جارتها العراق. وكذلك، أرادوا الحصول على ضمانات وثيقة من أن الولايات المتحدة لن تحاول، بأي طريقة، تقويض النظام الثوري الإيراني، كما يذكر الكاتب ديفيد فاربر في كتابه “رهائن طهران 1979: أزمة الرهائن الإيرانية ولقاء أمريكا الأول مع الإسلام الراديكالي“.
أما البنوك الأمريكية، فقد أرادت من الحكومة الإيرانية الجديدة أن تدفع الديون التي عقدها نظام الشاه. ولأن البنوك الأمريكية قد حازت على حجم هائل من الأصول المالية الإيرانية تحت تصرفها، فقد تمتعت بقوة تفاوضية كبيرة، لذا شرح الجانب الأمريكي أنه ليس بمقدوره أن يمنح ميراث الشاه إلى أي أحد، بمن في ذلك الحكومة الجديدة. وبات التعامل مع ممتلكات الشاه وقضايا مالية أخرى، مسألة قانونية تبت المحاكم في أمرها – منذ العام 1981 أُصدر أكثر من 600 حكمًا وسُويت أكثر من 4700 مطالبة في القضايا المالية بين البلدين- في لاهاي.
بعد لأيٍ ومكالمات تليفونية لا تنقطع للرئيس كارتر في يومه الأخير بين رؤساء البنوك ووفده المفاوض، قَبِل الإيرانيون ألا تؤول ممتلكات الشاه إليهم، واستجابت الحكومة الأمريكية للإفراج عن قدر من أموال إيران المجمدة بفوائدها يصل إلى 8 مليار دولار، على أن تسدد إيران 3.6 مليار دولار فورًا من ديونها لمصارف أمريكية وأوروبية، وتعهدت الولايات المتحدة بألا تحاول أن تُطيح بالحكومة الإيرانية الثورية وألا تتدخل في شؤون إيران الداخلية، وقد ظلت مبادئ اتفاقية الجزائر تلك حاكمة العلاقة بين البلدين إلى فترة الرئيس ترامب الثانية، وظلت أيضًا قضايا مالية لم تُسوّ بشكل كامل، ستُشكل تكأة العلاقة بين البلدين على مر نصف قرن.
النوايا الحسنة.. وانتخابات العام 2016
لم تُسوّ قضية الأموال الإيرانية مرة واحدة وللأبد، فلم تُسوّ مسألة اختطاف الرهائن كذلك، حيث ظل ذلك نهجًا إيرانيًا متبعًا ووجد ذروته في خضم الحرب الأهلية في لبنان (1975-1990) من وكلاء إيران كحزب الله، فلم ينته العداء بين البلدين، ولم تتوقف مبادرات التقارب كذلك وسمتها الرئيسية أنها تخلو من النوايا الجادة.
لكن، كان للرئيس بوش الأب (1989-1992) عرضٌ صيغ في عبارة “حُسن النيّة يولّد حُسن النيّة” كما يذكر الكاتب ديفيد كريست في كتابه “حرب الشفق: خفايا ثلاثين عامًا من الصراع الأمريكي-الإيراني“، حيث أكد على استعداده لمعاملة إيران بالحُسنى في حال تمكن رفسنجاني، الرئيس الإيراني، من الإفراج عن الرهائن الأمريكيين المُختطفين في لبنان، وهي الأزمة، التي كان يحلو للإيرانيين التنصل منها دائمًا بإنكار أي صلة تجمعهم بحزب الله.
أراد رفسنجاني في ذلك الوقت من بوش أفعالًا لا أقوالًا، ولذلك، اتخذ الرئيس بوش في نوفمبر 1989 مزيدًا من الإجراءات لإثبات مصداقيته، حيث تخلص من الحساب المجمد في مصرف إنكلترا منذ اتفاقيات الجزائر عام 1981 بغية تسوية المطالب الناتجة عن أزمة الرهائن، ما أسهم في استعادة إيران مبلغًا قيمته 567 مليون دولار مرة أخرى من أموالها. وتلك بادرة لم يعتبرها الإيرانيّون أمرًا ذا بال، وانتهت أي مبادرة تقارب ممكنة.
لم يحدث ما يستحق الذكر حتى مجيء الرئيس أوباما (2009-2016)، فمنذ رسائله الأولى الشهيرة إلى الحكومة الإيرانية سعيًا للحوار، كانت إيران دائمًا ما ترد بالمطالبة بشيء جاد، حتى إن المرشد الأعلى الراحل علي خامنئي طالب بالأموال بشكل مباشر.
في العام 2015 وافق مجلس الأمن الدولي على الاتفاقية النووية الموقعة بين الولايات المتحدة وإيران، وكان ذلك يعني رفع العقوبات المتصلة بالملف النووي. لقد أنجز الاتفاق! أو هكذا ظهر على الأقل، حيث كانت هناك مسائل فضفاضة كالعادة، فالولايات المتحدة لم تُعد الأموال التي دفعها الشاه سنة 1979 للطائرات الحربية التي لم يتم تسليمها.
علمت إدارة أوباما كما يذكر الكاتب ريز إرليخ في كتابه “أجندة إيران اليوم: الرواية الحقيقية من داخل إيران والخطأ الذي حصل في السياسة الأمريكية” أنها ستخسر تلك القضية العالقة أمام المحكمين في محكمة العدل الدولية في لاهاي، لذلك فاوضت على إعادة مبلغ 1.7 مليار دولار متضمنًا الفوائد المستحقة منذ سنة 1979، وتصدر الاتفاق العناوين الدولية لأنه جرى نقل 400 مليون دولار نقدًا منها عبر طائرة شحن، حيث سددت الولايات المتحدة المبلغ نقدًا -اعتبر الكثيرون داخل الولايات المتحدة أن تلك فديّة- لأن العقوبات المصرفية الأمريكية النافذة في ذلك الوقت جعلت التحويل المالي مستحيلًا. وأفرجت إيران في المقابل عن مراسل الواشنطن بوست، جيسون رازيان وزوجته، رغم اتهامهما بالتجسس.
وكان لدراما الأموال تلك انعكاسات في السباق الرئاسي الأمريكي عام 2016، حيث رأى دونالد ترامب وعدد من المحافظين أن الاتفاقية النووية ستعطي إيران 150 مليار دولار حتى لو لم توقع الولايات المتحدة على الاتفاقية، وادعى أن إيران ستستخدم ذلك للقيام بأنشطة إرهابية، وكان ترامب يكذب بالطبع. ولكن الرمزية هنا هي الأهم، حيث رفض ترامب منذ ولايته الأولى الحديث بادئ ذي بدء في أي أمر يتعلق بالأموال والأصول الإيرانية، وهو ما يُعيدنا إلى اللحظة التاريخية الحالية.
من يمتلك أموال إيران؟
إذا أرادت الولايات المتحدة الأمريكية أن تُوظف الأموال الإيرانية في إعادة الإعمار وتعويض الأضرار، فلا يبدو ذلك صائبًا قانونيًا في ظل أن تلك الأموال تخص دولة ذات سيادة وتُنظر قضاياها العديدة بمسمياتها المختلفة في محكمة العدل الدولية. ولا يمكن للولايات المتحدة أن تستخدم مبدأ الإجراءات المضادة المنصوص عليه في مواد لجنة القانون الدولي حول مسؤولية الدول عن الأفعال غير المشروعة، حيث يتيح المبدأ للدولة المتضررة اتخاذ تدابير استثنائية، لكن بشرط أن تكون مؤقتة وتناسبية بغرض الامتثال لا العقاب، ومن تلك الناحية، تُعد إيران أصلًا هي الطرف المُعتدى عليه وتنتفي قانونية عقابها.
هناك أيضًا روادع أخرى، فالذاكرة التاريخية القريبة تؤكد أن الدول تستطيع أن تُجمّد دون أن تمتلك، حيث نعود إلى سابقة الغزو الروسي لأوكرانيا في مطلع العام 2022، حين جمدت دول مجموعة السبع ما يزيد على 300 مليار دولار من الأصول الروسية، ولكنها لم تستطع أن تحولها لأطراف ثالثة في غياب حكم قضائي دولي أو من أجل استخدامها في تعويضات لأوكرانيا أو مخططات لإعادة الإعمار، رغم وجود مثل تلك النوايا منذ عامين دون الشروع في تحقيقها.
هناك أمور أخرى لا تتعلق بالقانون الدولي، ربما تُراعى بشدة أكبر من مراعاة القانون الدولي في تلك الحالة، فالتحكم في تلك الأموال في الحالة الروسية والإيرانية، يقوض وجودها كوسيلة للابتزاز السياسي والتفاوض أولًا، وثانيًا وهو الأهم، يدفع الدولة مسلوبة الحق إلى خيارات صفرية وأكثر جذرية.
في حالة إيران وروسيا، تبدو الدولتان قادرتان على رفع تكلفة الحرب إلى أثمان تفوق ما يُبتغى استثماره في علاج التكلفة الحالية، فبينما يمكن لروسيا أن تُعيد الغرب إلى سنوات الحرب وتقوّض كل الثمار الاقتصادية عبر حرب أوروبية-عالمية شاملة، يمكن لإيران أيضًا -وقد أثبتت قدرتها على ذلك- أن تخنق الاقتصاد العالمي من خلال تعطيل حركة الملاحة في مضيق هرمز لأجل غير مسمى، كما أن التجربة أثبتت أن عواصم محيطها الجيوسياسي كلها تقع في نطاق قدرة صواريخها الباليستية ومسيّراتها، مما يجعلها قادرة على رفع تكلفة الحرب على دول الجوار، وهم الحلفاء الرئيسيون للولايات المتحدة، لأقصى مدى. لذلك، يُعد رأي تلك الدول هامًا جدًا في تلك القضية، فهي ربما ترتأي سبيلًا آخر غير سبيل واشنطن لتسوية أضرار الحرب بينها وبين إيران.
بينما تدور رحى الحرب في جولة جديدة هذه الأيام، تكتسب قضية الأصول الإيرانية والتعويضات أهمية مضاعفة، فلا شك أن حسم تلك القضية المُعلقة منذ عام 1979 سيكون له تأثيره المباشر على شكل مستقبل العلاقة بين الولايات المتحدة وإيران، فلو كانت النوايا الأمريكية جادة في التصرف في تلك الأموال بشكل أحادي وهو ما سيشكل سابقة في تاريخ تلك المسألة، من خلال توظيف تلك الأموال في تعويضات ما بعد الحرب، سنظل مدفوعين إلى التساؤل: هل يمكن لتلك الحرب أن تنتهي أساسًا؟