كشفت الحرب الدائرة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، عن أن المعركة وجه آخر أكثر خفاءً وتأثيرًا يرتبط بدرجة أساسية بميدان الاستخبارات، فطبيعة الضربات، ودقة بعض الاستهدافات، واتساع نطاقها الجغرافي، تشير إلى أن المواجهة الحالية هي في جوهرها نتاج سنوات من العمل الاستخباراتي المتراكم، الذي سعى خلاله كل طرف إلى بناء بنك أهداف واسع، واختراق منظومة الخصم الأمنية والعسكرية تمهيدًا للحظة الصدام.
وفي هذا السياق، تكشف المعطيات الميدانية وطبيعة الاستهدافات التي شهدتها الحرب عن مؤشرات متزايدة على وجود بنية استخباراتية إيرانية نشطة في المنطقة، عملت على مدى سنوات على جمع المعلومات ورصد القواعد والمنشآت الحيوية وبناء شبكة مصادر متعددة، يبدو أنه نتاج منظومة استخباراتية متعددة المستويات، تجمع بين الرصد التقني والشبكات البشرية والاختراقات السيبرانية.
ومن هذا المنطلق، تحولت الحرب الحالية إلى اختبار لقدرة الأجهزة الاستخباراتية على تحويل المعلومات المتراكمة إلى قوة عملياتية في لحظة المواجهة، وهو ما يطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة البنية الاستخباراتية التي بنتها إيران في محيطها الإقليمي، ومدى قدرتها على دعم عملياتها العسكرية وبناء بنك أهداف فعال في مواجهة خصومها.
بنية استخباراتية متعددة المراكز
لفهم الدور الذي تلعبه الاستخبارات الإيرانية في إدارة الحروب وبناء بنك أهداف لخصومها، لا بد من التوقف عند طبيعة بنيتها المؤسسية، فإيران لا تعتمد على جهاز استخباري مركزي واحد، إنما على منظومة متعددة الأجهزة تعمل بصورة متداخلة، ما يمنحها قدرة واسعة على جمع المعلومات عبر مسارات مختلفة، وإن كان ذلك يخلق في الوقت نفسه قدرًا من التنافس والضبابية داخل المجتمع الاستخباري.
تعود جذور هذه المنظومة إلى مرحلة ما قبل الثورة الإسلامية، حين أنشأ الشاه محمد رضا بهلوي عام 1957 جهاز السافاك لحماية النظام الملكي وملاحقة المعارضة. وبعد سقوط الشاه عام 1979 جرى تفكيك هذا الجهاز، لتنشأ منظمة سافاما التي تحولت لاحقًا عام 1983 إلى وزارة الاستخبارات والأمن الإيرانية، التي أصبحت الجهاز الاستخباري المدني الرئيسي في البلاد والمسؤول عن جمع المعلومات وتحليلها داخل إيران وخارجها.
غير أن موازين القوة داخل المجتمع الاستخباري الإيراني بدأت تميل تدريجيًا لصالح الحرس الثوري الإيراني، خصوصًا بعد أحداث “الثورة الخضراء” عام 2009، حين وسّع النظام الدور الأمني للحرس عبر إعادة هيكلة منظومته الاستخباراتية.
وجرى حينها إنشاء ثلاث مؤسسات رئيسية تشكل اليوم العمود الفقري للنشاط الاستخباري للحرس: منظمة مخابرات الحرس الثوري المسؤولة عن إدارة العمليات الاستخبارية، ومنظمة حماية مخابرات الحرس المكلفة بمكافحة التجسس ومراقبة الاختراقات الأمنية، إضافة إلى منظمة حماية الحرس الثوري التي تتولى مهام أمنية متخصصة تشمل حماية القيادات والمنشآت الحساسة.
وإلى جانب هذه المؤسسات، تضم المنظومة الاستخباراتية الإيرانية أجهزة أخرى تابعة للجيش والشرطة والقضاء، إضافة إلى وحدات متخصصة في الأمن السيبراني، فضلًا عن جهاز استخباراتي مرتبط بمكتب المرشد الأعلى، ويعكس هذا التعدد ما يشبه مجتمعًا استخباريًا واسعًا تتوزع فيه المهام بين عدة مؤسسات تعمل بدرجات متفاوتة من التنسيق والتنافس.
– أعلن الحرس الثوري الإيراني الانتقال إلى استخدام صواريخ باليستية برؤوس حربية لا يقل وزنها عن طن، وذلك في سياق التصعيد العسكري الجاري مع الولايات المتحدة والاحتلال ورفع مستوى القدرة التدميرية للضربات.
– أكد قائد القوة الجوفضائية في الحرس الثوري أن الهجمات الصاروخية ستتواصل دون… pic.twitter.com/99GH0L7omX
— نون بوست (@NoonPost) March 10, 2026
ومن السمات اللافتة في هذه المنظومة امتلاك معظم الأجهزة وحدات مستقلة لمكافحة التجسس، لا تقتصر مهمتها على مواجهة الاختراقات الخارجية، بل تمتد أحيانًا إلى مراقبة الأجهزة الأخرى، ما يعكس مستوى منخفضًا من الثقة المؤسسية داخل النظام.
ولإدارة هذا التعقيد أنشأت إيران مجلس تنسيق الاستخبارات الذي يضم ممثلين عن نحو ستة عشر جهازًا أمنيًا، بهدف تنسيق العمل الاستخباري وربطه بقرارات مجلس الأمن القومي، رغم استمرار التداخل في الصلاحيات بين هذه الأجهزة.
وفي هذا الهيكل المتعدد يبرز دور فيلق القدس التابع للحرس الثوري بوصفه الذراع الخارجية للمنظومة الاستخباراتية الإيرانية، حيث يتولى إدارة الشبكات الإقليمية وجمع المعلومات خارج الحدود، بما يسهم في بناء بنك أهداف واسع يمتد عبر عدة ساحات إقليمية.
وبذلك تقوم البنية الاستخباراتية الإيرانية على نموذج التعدد المؤسسي المتداخل، الذي يسمح بجمع المعلومات عبر قنوات متعددة، ويوفر للنظام شبكة واسعة من مصادر البيانات، وهي إحدى الركائز الأساسية التي تعتمد عليها طهران في بناء بنك أهداف لخصومها خلال الأزمات والحروب.
الصراع في الخفاء: المعركة الاستخباراتية بين إيران وإسرائيل
المواجهة بين إيران والاحتلال الإسرائيلي خلال الحرب مثلت امتدادًا لمسار طويل من المواجهة غير المباشرة، شكلت المعركة استخباراتية جزءًا رئيسيًا منها بقي في الظل لسنوات طويلة، وتحوّل تدريجيًا إلى ساحة مركزية في الصراع بين الطرفين.
فقبل أن تظهر الضربات العسكرية إلى العلن، كانت أجهزة الاستخبارات لدى الجانبين تخوض حرب اختراقات وتجسس وتخريب تقني واغتيالات، هدفها الأساسي بناء بنك أهداف واسع وإضعاف قدرة الخصم على حماية أسراره العسكرية والاستراتيجية.
وقد نجحت إسرائيل خلال العقدين الماضيين في تحقيق اختراقات عميقة داخل إيران، عكست حجم الاستثمار الإسرائيلي في البنية التجسسية والقدرات السيبرانية الموجهة ضدها. وكانت إحدى أبرز المحطات المبكرة في هذا المسار الهجوم السيبراني بفيروس “ستوكسنت” عام 2007، الذي تمكن من التسلل إلى منشأة نطنز النووية وتدمير نحو ألف جهاز طرد مركزي، أي ما يقارب 10% من إجمالي الأجهزة العاملة آنذاك، في ضربة مباشرة للبرنامج النووي الإيراني كشفت هشاشة البنية التقنية أمام الاختراق الخارجي.
وتواصلت لاحقًا سلسلة العمليات الاستخباراتية الإسرائيلية التي استهدفت البرنامج النووي والبنية العسكرية الإيرانية، بما في ذلك سرقة الأرشيف النووي الإيراني، وتنفيذ عمليات تخريب إلكتروني لمنشآت حيوية مثل مصانع الطائرات المسيّرة ومراكز تخصيب اليورانيوم وقواعد الصواريخ الباليستية، إلى جانب حملة اغتيالات استهدفت علماء نوويين إيرانيين، كان أبرزهم العالم محسن فخري زاده عام 2020.
• ترى دول مجلس التعاون الخليجي أن الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى قد تترك المنطقة في حالة عدم استقرار طويلة، ورغم تعرضها لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة إلا أنها ركزت على الدفاع وإدارة الأضرار بدل الانخراط العسكري.
• تفضل دول الخليج إنهاء… pic.twitter.com/e4kgJBWmxI
— نون بوست (@NoonPost) March 12, 2026
وقد بلغت هذه الحرب الاستخباراتية ذروتها مع العملية الإسرائيلية التي عُرفت باسم “الأسد الصاعد” خلال حرب الأيام الإثني عشر، والتي كشفت عن قدرة تل أبيب على تحويل سنوات من جمع المعلومات الاستخبارية إلى ضربات دقيقة استهدفت شخصيات ومواقع حساسة داخل إيران.
في المقابل، سعت إيران إلى تطوير قدراتها على الاختراق المعاكس داخل إسرائيل، ففي يونيو/حزيران 2025 أعلن وزير الاستخبارات الإيراني إسماعيل خطيب أن بلاده تمكنت من الحصول على ما وصفه بـ”كنز من المعلومات الاستراتيجية” من داخل إسرائيل، شمل وثائق حساسة تتعلق بالبرنامج النووي الإسرائيلي وعلاقات تل أبيب مع الولايات المتحدة وأوروبا، في عملية قالت طهران إنها نتاج عمليات تغلغل وتجنيد مصادر داخل إسرائيل استمرت لسنوات.
كما كشفت التحقيقات الأمنية الإسرائيلية عن تصاعد نشاط شبكات التجسس المرتبطة بإيران داخل المجتمع الإسرائيلي، حيث قُدمت نحو 35 لائحة اتهام في قضايا تجسس شملت ما يقارب 60 متهمًا خلال العامين الأخيرين، وتشير هذه القضايا إلى تحول في الأسلوب الإيراني نحو تجنيد أفراد بمهام صغيرة ومتدرجة، تبدأ بجمع معلومات أو تصوير مواقع، قبل أن تتطور في بعض الحالات إلى مهام أكثر حساسية.
الخلايا النائمة في الخليج: استعداد للحظة المواجهة
لم يقتصر النشاط الاستخباري الإيراني على المواجهة المباشرة مع إسرائيل أو الولايات المتحدة، إنما امتد إلى بناء بنية تحتية سرية في محيطه الإقليمي، وبشكل خاص في منطقة الخليج العربي.
وتشير العديد من الوقائع التي أعلنت عنها حكومات خليجية خلال العقود الماضية إلى وجود شبكات تجسس وخلايا مرتبطة بأجهزة الاستخبارات الإيرانية أو بالحرس الثوري الإيراني، عملت بصورة سرية داخل هذه الدول بهدف جمع المعلومات وبناء بنك أهداف إقليمي تحسبًا لأي مواجهة محتملة.
وتُعرّف الخلايا النائمة بأنها مجموعات تعمل في الخفاء داخل مجتمع معين وتبقى في حالة كمون لفترات طويلة قبل أن تُفعَّل لتنفيذ مهام محددة، وغالبًا ما تتمثل هذه المهام في جمع المعلومات حول المنشآت العسكرية والبنية التحتية الحيوية أو تنفيذ عمليات تأثير أمني وسياسي في لحظات الأزمات. وتكمن خطورة هذه الخلايا في قدرتها على العمل لفترات طويلة دون اكتشافها، ما يجعل تقدير حجمها الحقيقي أو نطاق نشاطها أمرًا بالغ الصعوبة.
ومن هذا المنظور، تعاملت إيران مع هذه الشبكات باعتبارها أحد خطوط الدفاع غير التقليدية في مواجهة أي تصعيد عسكري ضدها، فوجود عناصر قادرة على رصد القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية في الخليج يمنح طهران مصدرًا مهمًا للمعلومات حول مواقع الانتشار العسكري الأمريكي والبنية التحتية الاستراتيجية في المنطقة.
وقد أعلنت عدة دول خليجية خلال السنوات الماضية عن تفكيك شبكات تجسس مرتبطة بإيران، ففي السعودية أعلنت السلطات عام 2013 تفكيك شبكة تجسس مكونة من 18 شخصًا بتهمة جمع معلومات عن منشآت حيوية لصالح الاستخبارات الإيرانية. كما شهدت الإمارات عدة قضايا تخابر تضمنت تسريب معلومات عسكرية حساسة إلى جهات مرتبطة بإيران، بينما كشفت الكويت عن شبكات تجسس اتُهمت برصد منشآت عسكرية ومواقع للقوات الأمريكية داخل البلاد، وهو ما دفعها في بعض المراحل إلى اتخاذ إجراءات دبلوماسية حادة ضد طهران. وفي البحرين أعلنت السلطات أيضًا عن قضايا تخابر مرتبطة بالحرس الثوري وشبكات تهريب أسلحة وتشغيل مُسيرات.
وقد برز هذا البعد بصورة أكثر وضوحًا خلال الحرب الأخيرة، عندما أعلنت قطر في مارس/آذار 2026 توقيف خليتين مرتبطتين بالحرس الثوري الإيراني تضمّان عشرة متهمين، كُلِّف بعضهم بجمع معلومات عن منشآت عسكرية وحيوية، مع ضبط خرائط وإحداثيات ومعدات تقنية بحوزتهم.
وفي ضوء هذه الوقائع، يمكن النظر إلى هذه الشبكات باعتبارها جزءًا من بنية استخباراتية أوسع بنتها إيران تدريجيًا في محيطها الإقليمي، تهدف إلى تعزيز القدرة على جمع معلومات دقيقة يمكن استخدامها عند اندلاع المواجهة، ما يعني أن هذه الخلايا النائمة شكلت أحد مكونات بنك الأهداف الإيراني الذي جرى بناؤه على مدى سنوات استعدادًا للحظة الصراع.
ضربات مُحققة ومطاردة ساخنة
يظهر من تتبع نمط الضربات الإيرانية على الوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، وبخاصة في الخليج، أن الموجة الأولى انطلقت أساسًا من بنك أهداف مُعدّ مسبقًا يضم القواعد الأمريكية المعلنة والمعروفة، بما يعني أن الجهد الاستخباراتي الإيراني انصبّ ابتداءً على تثبيت الإحداثيات، وتحديد نقاط التمركز، ورفع دقة الإصابة ضد منشآت ثابتة ومعروفة نسبيًا.
ويشمل ذلك شبكة القواعد الأمريكية الكبرى في الخليج والمحيط الإقليمي، من مقر الأسطول الخامس في البحرين، إلى قاعدة العديد في قطر، ومعسكر عريفجان وقاعدة علي السالم في الكويت، وقاعدة الظفرة في الإمارات، وقاعدة الأمير سلطان في السعودية، فضلًا عن مواقع أمريكية في الأردن والعراق.
مشهد متداول من أحد شواطئ الإمارات يوثّق تحليق مسيّرة إيرانية قبل أن تستهدفها طائرة حربية إماراتية. pic.twitter.com/O3RLR8dYiQ
— نون بوست (@NoonPost) March 10, 2026
لكن اللافت أن بعض الضربات تجاوزت منطق استهداف القواعد العلنية إلى استهداف بطاريات دفاع جوي، ومواقع رادارات، ومرافق إنذار مبكر لا تقع كلها ضمن النطاق التقليدي للقواعد العسكرية المعروفة. وهو ما يوحي بأن بنك الأهداف الإيراني خضع لعمليات تحديث مستمرة اعتمدت على مزيج من الرصد الجوي، وصور الأقمار الصناعية، والتقاط الإشارات، وربما أيضًا على تغذية استخباراتية بشرية ميدانية.
كما ينسجم هذا النمط مع تقديرات غربية تتحدث عن اتساع الضربات الإيرانية لتشمل منشآت عسكرية ونفطية وفندقية وموانئ في الخليج، بما يعكس محاولة إرباك شبكة الانتشار والتموضع الأمريكية، وعدم الاكتفاء بضرب عناوينها الكبرى.
وبينما يمكن اعتبار استهداف القواعد الثابتة دلالة على وجود بنك أهداف جاهز سلفًا، فإن بعض الوقائع التي ظهرت خلال الحرب توحي بأن إيران امتلكت كذلك قدرة، ولو بدرجات متفاوتة، على مطاردة الأهداف المتحركة أو شبه السرية، إذ كشفت صحيفة واشنطن بوست أن طائرة مسيرة إيرانية أصابت فندقًا في المنامة، ما أدى إلى إصابة موظفين اثنين في وزارة الدفاع الأمريكية.
وفي السياق نفسه، كشف مصدر لشبكة CNN أن محطة وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA) في العاصمة السعودية الرياض استُهدفت بطائرة مسيرة خلال الهجوم على السفارة الأمريكية هناك، وكانت صحيفة واشنطن بوست قد نشرت خبرًا عن تضرر المحطة جراء الهجوم، بينما امتنعت وكالة الاستخبارات المركزية عن التعليق على الأمر.
كما كشفت هيئة البث الرسمية الإسرائيلية “كان” عن إصابة إسرائيليين جراء مسيّرة إيرانية ضربت شقة بالقرب من أحد مكاتب التمثيل الإسرائيلي في أبوظبي، وأكدت مصادر عبرية أن طائرة مسيّرة انتحارية أصابت مباشرة شقة يقطنها إسرائيليون في قلب العاصمة الإماراتية، ما أدى إلى أضرار مادية جسيمة في الموقع.
وتشير هذه الوقائع إلى أن بعض الضربات استند إلى معلومات أكثر تحديدًا، ما يشير إلى جهد استخباراتي متعدد المستويات والأدوات، وتزداد دلالة هذا المسار بتقاطعها مع التحذيرات الأمريكية لمواطنيها في البحرين من أن الفنادق قد تكون هدفًا للهجمات، ما يعكس أن الخطر لم يعد محصورًا في القواعد العسكرية التقليدية، وامتد إلى فضاءات إقامة وتحرك بديلة، وهو ما يقرب الصورة من منطق المطاردة الساخنة أكثر من منطق القصف التقليدي لمنشآت ثابتة.
وفي هذا السياق نقلت وكالة “تسنيم” عن استخبارات الحرس الثوري دعوتها إلى “عدم إيواء الأمريكيين في الفنادق والابتعاد عن أماكن تواجدهم”، مضيفة: “سنرصد الأمريكيين ونستهدفهم”.
تصاعد دخان كثيف من القاعدة الأمريكية في البحرين بعد تعرضها لاستهداف إيراني pic.twitter.com/6enbJWSD8i
— نون بوست (@NoonPost) March 2, 2026
كما برزت روايات متعددة، من بينها إعلانات إيرانية رسمية وتقارير في وسائل إعلام غربية، حول استهداف مقار أو محطات استخباراتية أمريكية غير معلنة رسميًا، ورغم عدم صدور تأكيد أمريكي رسمي واضح بهذا الخصوص، فإن احتمالية صحتها تعني أن جانبًا من الضربات الإيرانية بات موجّهًا إلى العصب الاستخباراتي الذي يدير جزءًا من الحرب في المنطقة.
وتعكس هذه المؤشرات وجود جهد عملياتي ملموس للاستخبارات البشرية الإيرانية على الأرض، إذ تبقى هذه الوسيلة الأقدر عادة على رصد مواقع التمركز المؤقت، وتحركات الأفراد، ومقار العمل غير المعلنة، وهي معطيات لا توفرها الأدوات التقنية والرصد عن بُعد وحدها.
وعليه، فإن الصورة الأرجح أن إيران تحركت على مستويين متوازيين: الأول، ضرب بنك أهداف ثابت ومعدّ سلفًا يضم القواعد والمنشآت الأمريكية المعروفة.
والثاني، تحديث هذا البنك خلال الحرب عبر الرصد التقني والاختراق البشري، بما أتاح لها في بعض الحالات توجيه ضربات أكثر دقة ضد مواقع رادارية، أو أماكن إقامة وتحرك، أو مرافق ذات صلة مباشرة بالجهد العسكري والاستخباراتي الأمريكي والإسرائيلي.
وتعكس هذه المعطيات مجتمعة أن الحرب كشفت جانبًا واسعًا مما كان يُدار في الخفاء لسنوات، حيث برز العامل الاستخباراتي كأحد أهم محددات المواجهة، ليس فقط في توجيه الضربات، بل في تعظيم كلفتها وإرباك حسابات الخصم. فرغم الضربات الأمنية الثقيلة التي تلقتها طهران قبل المواجهة وخلالها، فقد أظهرت في المقابل قدرة على توظيف أدواتها الاستخباراتية لتسديد ضربات ذات طابع أمني أربكت جزءًا من معادلة الصراع، حتى وإن بقيت ضمن سقف قدرات أدنى من الإمكانات الأمريكية والإسرائيلية.