• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الأسماء المستعارة في الثورة السورية: من وسيلة حماية إلى رمز تاريخي

زينب مصري١٨ مارس ٢٠٢٦

“أعتقد أن اسم ماجد بديل الآن عن عبد الرزاق وأفضل أن أُسمى به، عاش معي كل هذه السنوات، وخضت به الثورة بأحداثها وتفاصيلها جميعها من السلمية إلى الحرب إلى النزوح إلى التهجير حتى وصلنا إلى يومنا هذا، الاسم رافقني حتى النصر”.

بهذه الكلمات يصف الإعلامي والناشط السياسي عبد الرزاق مصطفى، المعروف باسم ماجد عبد النور، الاسم المستعار الذي ارتبط بنضاله الإعلامي والسياسي ضد النظام البائد خلال سنوات الثورة السورية ولا يزال يرافقه إلى الآن.

لم يكن استخدام الأسماء المستعارة حالة فردية، إذ تحوّل بعضها إلى رموز ارتبطت بالثورة السورية في ذاكرة أبنائها، ولعل أبرزها اسما “قيصر” و”حفّار القبور” اللذان ارتبطا بكشف حقائق صادمة أثّرت في الرأي العام محليًا ودوليًا وأسهمت في توثيق أحداث مفصلية من تاريخ البلاد.

اختير اسم “قيصر” للضابط المنشق فريد المذهان، الذي عمل مصورًا عسكريًا ووثق آلاف الصور لجثث معتقلين قضوا تحت التعذيب، فيما أُطلق لقب “حفّار القبور” على الموظف في بلدية دمشق محمد عفيف نايفة، الذي أُجبر على العمل مع الأجهزة الأمنية في دفن جثث المعتقلين في مقابر جماعية، وقد استُخدمت هاتان التسميتان لحمايتهما من الملاحقة الأمنية بعد امتلاكهما أدلة وشهادات على جرائم خطيرة.

وبعد زوال النظام في ديسمبر/كانون الأول 2024، ترقب كثير من السوريين الكشف عن الهوية الحقيقية لكل من “قيصر” و”حفّار القبور”، في حالة عكست حجم الرمزية التي اكتسبتها هذه الأسماء خلال سنوات الثورة، والتي لم تقتصر على المجتمع السوري فحسب، بل امتدت إلى المستوى الدولي، خصوصًا في حالة “قيصر”، بعدما اقترن اسمه بالقانون الأمريكي الذي فرض عقوبات اقتصادية على النظام البائد ومسؤوليه بسبب الانتهاكات المرتكبة بحق السوريين.

وكانت ظاهرة استخدام الكُنى والأسماء الحركية ظهرت بين الإعلاميين والناشطين والقادة الميدانيين والضباط المنشقين مع الأيام الأولى لانطلاق الثورة السورية، وعلى الرغم من أن بعضها لم يحظ بانتشار واسع خارج سوريا، فإن كثيرًا منها بقي حاضرًا في الذاكرة السورية، واكتسب رمزية خاصة لدى أصحابها الذين ارتبطت أسماؤهم المستعارة بتجربتهم النضالية، واستمروا في استخدامها حتى زوال النظام.

وفي الذكرى الخامسة عشرة لانطلاق الثورة السورية، يستعيد إعلاميون وناشطون عبر هذا التقرير قصص الأسماء التي اختاروها لنضالهم، مسلطين الضوء على ظاهرة الأسماء الرمزية في الثورات ودورها في الذاكرة الجمعية للشعوب.

الظهور العلني.. حكم إعدام

يقول عبد النور في حديث لـ”نون بوست” إن الظهور الإعلامي في بداية الثورة كان أشبه بحكم الإنسان على نفسه بالإعدام، إذ كان النظام البائد يلاحق الأشخاص الذين يصورون المظاهرات والذين يشاركون في المداخلات الإعلامية أو الذين يساهمون في إيصال الأخبار لوسائل الإعلام الخارجية، مشيرًا إلى أن اختياره اسمًا مستعارًا لم يكن لحماية نفسه فقط، بل أيضًا لحماية عائلته، فكل من حوله كان في دائرة الخطر.

ويضيف الصحفي أن اختيار اسم “ماجد” كان اعتباطيًا، مستذكرًا أولى مداخلاته من حلب على قناة “فرانس 24″، حين منحه أحد زملائه لقب “عبد النور” على عجالة قبل المداخلة، ورغم أن الاسم لم يكن مدروسًا، فقد اكتسب رمزية كبيرة له مع حمله لأكثر من 14 عامًا واعتياد عائلته وحتى أبنائه على مناداته به.

وكان التحدي الأكبر بالنسبة لعبد النور هو المحافظة على سرية هويته الجديدة مؤكدًا أن الاسم المستعار أصبح جزءًا منه، وليس مجرد هوية إعلامية فقط، خاصة أن متابعيه يربطون الاسم بالشخص الذي كان يغطي أحداث الثورة والمعارك.

ويختتم عبد النور حديثه بأن اسم ماجد هو اسم يفتخر به، ولن يتخلى عنه لافتًا إلى أن حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي ما زالت تحمل الاسم، رغم سقوط النظام، وكذلك بطاقاته الإعلامية القديمة التي مازال يستخدمها إلى الآن.

تاريخ طويل من العمل

ولذات السبب الذي دفع ماجد عبد النور لاختيار اسمه المستعار، اختار الإعلامي عبد الكريم أيوب المعروف باسم عروة المنذر اسمه، خاصة أنه كان يعمل في مناطق واقعة تحت سيطرة النظام البائد لصالح وسائل إعلام المعارضة.

يقول المنذر لـ”نون بوست” إن العمل في مثل حالته “انتحار حقيقي”، كما أن العمل الصحفي ضمن مناطق النظام يحتاج إلى الكثير من الموافقات الأمنية، والحصول عليها أمر شبه مستحيل.

ويتابع “كان العمل لصالح إعلام الثورة قضية لا يمكن تجاوزها، أنا من حمص، وكنت أرغب في الحفاظ على السردية القائلة (حمص عاصمة الثورة)، وكان يجب أن تصدر التقارير الصحفية المعارضة للنظام بشكل دوري من المحافظة”.


وعن اختيار اسمه، يوضح المنذر أن معظم الأسماء التي فكر بها كانت مستخدمة ولم يكن اختيار الاسم سهلًا فالإنسان ابن بيئته ولا يستطيع دائمًا التفكير خارج محيطه، لذا لجأ إلى حيلة تمثلت في اختيار الاسم الأول “عروة” من بطل مسلسل “الندم”، والكنية “المنذر” من شخصية بطل مسلسل “العراب”، ودمجهما ليصبح الاسم “عروة المنذر”.

وقد واجه المنذر صعوبات في الحفاظ على هويته الحقيقية سرية، لأن اكتشافها قد يكلفه حياته خاصة أنه كان يعمل في مناطق سيطرة النظام، ولمواجهة ذلك قلص دائرة المحيطين به قدر الإمكان ودرس كل علاقاته وشكك في أي شخص يتقرب منه حتى يتحقق منه ولم يتقرب من أي شخص جديد إلا للضرورة وبعد الدراسة المتأنية، وفق ما شرحه.

ويشير الإعلامي إلى أن الاسم لم يكن يحمل أي معنى في البداية، وكان الهدف منه تضليل النظام، لكنه الآن أصبح جزءًا منه ومن هويته الإعلامية ومن يعرفه بهذا الاسم هم أفراد الثورة وجمهورها فقط، ولا يزال حتى اليوم لا يستطيع التعريف عن نفسه أمامهم إلا بذكره.

ماذا عن الإعلاميات؟

ولا يختلف وضع الإعلاميات عن زملائهن الذكور، إذ تقول الصحفية يقين بيدو، المعروفة باسم ميرنا الحسن، إنها اضطرت لاستخدام اسم مستعار في بداية عملها الصحفي حفاظًا على سلامة عائلتها خاصة أنها احتاجت لمساعدتهم في استخراج أوراق رسمية من مناطق كانت تحت سيطرة النظام، وتجنبًا لأي تداعيات محتملة في ظل الوضع الأمني غير المستقر بمدينة إدلب حيث كانت تقيم وتعمل.

وتوضح الحسن في حديث لـ”نون بوست” أن الاسم لم يحمل رمزية محددة في البداية، لكنه أصبح جزءًا من هويتها الإعلامية وأداة للتعرف عليها بين زملائها وجمهورها، ورافقها منذ بدايات مسيرتها الصحفية، مرتبطًا بالمهمة التي كانت تسعى لإنجازها، ما منحها شعورًا بالأمان والاستمرارية في العمل الإعلامي.

وحتى بعد أن أصبح اسمها الحقيقي معروفًا، اختارت الاستمرار باستخدام “ميرنا الحسن” بين زملائها والجمهور، باعتباره علامة تعريفية وبصمة شخصية.

وسيلة حماية

من جانبه، يوضح الصحفي والكاتب السوري غسان ياسين لـ”نون بوست” أن كثيرًا من السوريين، لا سيما الإعلاميين والصحفيين وناشطي الثورة، اضطروا إلى استخدام أسماء مستعارة خلال سنوات الثورة، حفاظًا على حياتهم وحياة عائلاتهم، وفي مواجهة القبضة الأمنية للنظام، فقد كانت هذه الأسماء وسيلة لحماية النفس وتمكينهم من مواصلة العمل الإعلامي أو الثوري في ظل بيئة قمعية.

ومع مرور الوقت، لم تقتصر وظيفة الأسماء المستعارة على الحماية فحسب، بل تحوّلت إلى رموز مرتبطة بالذاكرة الجمعية للسوريين، فقد اكتسبت هذه الأسماء رمزية خاصة، انعكست في تقدير المجتمع لقيم الشجاعة والبطولة والمقاومة، وارتبطت بمسيرة الثورة بكل تفاصيلها، من المظاهرات السلمية إلى مسارات النضال المختلفة.

ويقول ياسين إن رمزية هذه الأسماء تجاوزت حدود المجتمع المحلي، لتصبح جزءًا من سردية الثورة التي تُروى للأجيال القادمة، في المدارس، وفي الثقافة، وفي أسماء الشوارع والحارات، وفي الأغاني والدراما، مما ساعد على ترسيخها في الذاكرة الوطنية السورية.

وبهذا الشكل، توضح الأسماء المستعارة كيف يمكن أن تتحول من مجرد أدوات حماية شخصية إلى رموز تحمل معنى جماعيًا وتاريخيًا، وهو ما يفسر الاهتمام المستمر بتوثيقها وتحليل أثرها الاجتماعي والسياسي.

من الرمزية الخاصة إلى الأثر العام

وتكشف رمزية هذه الأسماء الشخصية لدى الإعلاميين عن ظاهرة أوسع تتعلق بكيفية استخدام الأسماء الرمزية في الثورات والحروب وتأثيرها في تشكيل ذاكرتها الجمعية وحساسيتها تجاه سوء استخدامها أو محاولات تشويهها.

ويوضح الباحث الاجتماعي طلال مصطفى لـ”نون بوست” أن رمزية بعض الأسماء المشاركة في الثورات أو الحروب تتشكل في الوعي الجمعي، عندما يرتبط اسم الشخص بقصة ثورية عامة أو حدث مأساوي أو بطولي.

كما تتشكل الرمزية من خلال نشر الصور والفيديوهات والتقارير، وازدواجية ذكر الاسم في الإعلام والمنصات الاجتماعية والشهادات الشفهية، مما يزيد من قوته الرمزية، كما أن الأسماء المرتبطة بالمقاومة والشجاعة أو كشف الظلم تكتسب رمزية أسرع لأنها تلخص تجربة الثورة في رمز واحد.

ويقول مصطفى إن استخدام الأسماء المستعارة في الثورات والعمل السياسي السري تاريخيًا شائع جدًا في مجتمعات العالم كافة، خصوصًا في السياقات المجتمعية التي تنطوي على خطر على الحياة والاعتقال كما هو الحال في الحقبة الأسدية.

ففي تجارب عالمية مثل الثورة الفرنسية وبعض الحركات الثورية الأوروبية وفي دول أمريكا اللاتينية، استخدم الثوار أسماء مستعارة لإخفاء هويتهم، وفي حركات المقاومة ضد الاحتلال الاسرائيلي، مثل المقاومة الفلسطينية اعتمد المقاومون أسماء رمزية لتجنب الاعتقال أو القتل وفي معظم التجارب التاريخية يطغى الاسم الحركي المستعار على الاسم الحقيقي حتى بعد الانتصار وزوال الخطر.

وفي العصر الرقمي، أصبح الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي منصة رئيسية لاستخدام أسماء مستعارة، حيث يمكن للناشطين نشر معلومات أو توثيق انتهاكات دون كشف هويتهم، والهدف الأساسي هو الحماية الشخصية، لكنه في بعض الحالات يتحول لاحقًا إلى رمز جماعي كما حدث في سوريا.

ويلخص الباحث العوامل التي تجعل اسمًا معينًا يكتسب رمزية أكبر من غيره خلال الثورات أبرزها الشجاعة والتضحية الشخصية فالاسم المرتبط بمواقف بطولية يكتسب وزنًا أكبر، والقدرة على التذكّر والسهولة في التداول، والرمزية الأخلاقية والثقافية.

كما أن التغطية الإعلامية تسهم في ذلك فالأسماء التي يرافقها نشر واسع عبر الإعلام تتوغل أسرع في الوعي الجمعي، فضلًا عن القدرة على الاستمرارية إذ أن الأسماء التي يستمر تداولها بعد الثورة عبر شهادات، كتب، أو أعمال فنية تثبت نفسها في الذاكرة الطويلة الأمد.

ويبين الباحث أن السبل الممكنة لحماية رمزية هذه الأسماء من التشويه تتمثل في التوعية المجتمعية ونشر معلومات حول أصل الاسم ورمزيته، فضلًا عن التضامن الإعلامي والتشريعات القانونية، والتوثيق والتخليد الثقافي من خلال إدراج هذه الأسماء في كتب، أفلام وثائقية، متاحف، ومعارض فنية يرسخها كرموز أخلاقية وثقافية.

علاماتالإعلاميين ، الثورة السورية ، الذكرى الـ15 للثورة السورية ، الشأن السوري ، الناشطون السوريون
مواضيعالثورة السورية ، الذكرى الـ15 للثورة السورية ، الشأن السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

الثورة السورية في ذكراها الثانية بعد التحرير.. أين نقف الآن؟

براءة خطاب١٨ مارس ٢٠٢٦
سياسة

في الذكرى الـ15.. هل تنجح سوريا في الانتقال من الثورة إلى الدولة؟

حسن إبراهيم١٨ مارس ٢٠٢٦
سياسة

بعد سقوط نظام الأسد: كيف تُحفظ مكتسبات الثورة السورية؟

مايا الجرف١٨ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑