ترجمة وتحرير: نون بوست
في نهاية الأسبوع الماضي، أصدر رئيسا وزراء إسرائيل السابقان، نفتالي بينيت ويائير لابيد، بيانًا مشتركًا، أعلنا فيه توحيد صفوفهما لتأسيس حزب جديد يميني وسطي باسم “معًا”، يقوده بينيت، والهدف المعلن هو إنشاء حزب “ليبرالي” كبير ينافس بنيامين نتنياهو في الانتخابات المقبلة المقررة في أواخر أكتوبر/ تشرين الأول.
سبق أن خاض الاثنان تجربة قصيرة في رئاسة الوزراء عامي 2021-2022، عندما تحالفا في إطار مماثل. وفق ذلك الاتفاق، كان من المفترض أن يتولى بينيت المنصب لعامين، لكن قاعدته انهارت بعد عام واحد فقط، فانتقلت الرئاسة إلى لابيد لنصف عام، قبل أن يعود نتنياهو إلى المنصب مجددًا.
هذه المرة، يترك الثنائي الباب مفتوحًا أيضًا أمام غادي آيزنكوت (زعيم حزب “ياشار”)، وصاحب عقيدة الضاحية الدموية، والذي ينتمي أيضًا إلى صفوف المعارضة الوسطية. ولم تُظهر استطلاعات الرأي حتى الآن أن هذا التحالف قادر على هزيمة نتنياهو.
لكن حتى لو حدث ذلك، فلن يغيّر شيئًا جوهريًا في القضايا التي جعلت إسرائيل دولة منبوذة دوليًا. لن تكون الصهيونية، والعنصرية ضد الفلسطينيين، والتوسع الإسرائيلي، أمورًا مطروحة للنقاش مع أي من هؤلاء المرشحين.
في الواقع، هناك شبه إجماع على هذه القضايا بين مختلف أطياف السياسة الإسرائيلية. في النهاية، هي مجرد مسرحية كبيرة. وإذا كان ثمة وحدة في هذا التحالف، فهي وحدة الحفاظ على الفصل العنصري.
متحدون في العنصرية ضد الفلسطينيين
خلال الفترة القصيرة التي قضاها في منصب رئيس الوزراء، كان بينيت الزعيم الأكثر يمينية في تاريخ إسرائيل، ومع ذلك احتفى به “الليبراليون” الإسرائيليون، غالبا لأنه ليس نتنياهو.
لكن هناك قرار واحد اتخذه بينيت في ولايته الأولى ويقول إنه غير مستعد لتكراره: إشراك حزب فلسطيني في الائتلاف الحاكم. حينها، لعب حزب “راعام” (القائمة العربية الموحدة)، وهو حزب إسلامي محافظ، دورًا في الحكومة، واستغله حزب الليكود بزعامة نتنياهو كورقة ضغط ضد الائتلاف.
اليوم، يتعهد بينيت بأنه “لا عرب”. وقد قال: “الأحزاب العربية ليست صهيونية، ولذلك لن نعتمد عليها”.
لكن ذلك لم يمنع الليكود والأحزاب اليمينية المتطرفة من السخرية من بينيت ولابيد. نشر الليكود صورة مولدة بالذكاء الاصطناعي على منصة “إكس”، يظهر فيها منصور عباس (رئيس القائمة العربية الموحدة) وهو يقود سيارة، بينما يبدو بينيت ولابيد كطفلين في العاشرة في المقعد الخلفي.
גם ביחד זה ברור – הנהג הוא מנסור.
לא משנה איך השמאל מחלק את הקולות שלו.
בכל מקרה בנט ולפיד ילכו שוב עם ברית האחים המוסלמים תומכי הטרור. pic.twitter.com/iYFIZQ8QhJ
— הליכוד (@Likud_Party) April 26, 2026
وجاء في التغريدة المرافقة للصورة: “حتى معاً، من الواضح أن السائق هو منصور. لا يهم كيف يقسم اليسار أصواته، ففي كل الأحوال سيعود بينيت ولابيد إلى عهد الإخوان المسلمين الداعمين للإرهاب”.
وبالمثل، نشر نتنياهو مقطع فيديو تم إنتاجه بواسطة الذكاء الاصطناعي يلمّح إلى أن بينيت ولابيد هما في الحقيقة فلسطينيان متنكران.
מורידים את המסכות pic.twitter.com/IgFDWXp96N
— Benjamin Netanyahu – בנימין נתניהו (@netanyahu) April 29, 2026
وقد غرّد وزير الأمن القومي إيتامار بن غفير، من حزب “القوة اليهودية”، بنبرة عنصرية مماثلة على منصة “إكس”، مستخدمًا صورة تم إنشاؤها بواسطة الذكاء الاصطناعي، تُظهر مراسم زواج بين بينيت ولابيد برعاية أحمد الطيبي، رئيس الحركة العربية للتغيير. وجاء في نص التغريدة: “يعود عهد الأخوة بينيت-لابيد لبيع البلاد للحركة الإسلامية. كان بينيت من اليسار المتطرف وسيظل كذلك”.
ברית האחים של בנט-לפיד חוזרת למכור את המדינה לתנועה האסלאמית. בנט היה שמאל קיצוני ויישאר שמאל קיצוני. pic.twitter.com/MaoEf71W8m
— איתמר בן גביר (@itamarbengvir) April 26, 2026
لكن بينيت لا ينتمي بالطبع إلى اليسار المتطرف. هو من خلفية صهيونية دينية، وقد تفاخر بقتل العديد من العرب. لن يرد هو ولابيد على هذه الهجمات، بل سيواصلان على الأرجح التضحية بالفلسطينيين والتعهد بإقصائهم من أي ائتلاف حكومي.
وقد أعلن لابيد أن القائمة تهدف إلى كسب شرائح واسعة من الجمهور الإسرائيلي وتستهدف أصوات “80 بالمائة من المواطنين الإسرائيليين”، وهي تحديدا النسبة المئوية لليهود في إسرائيل.
من المثير أن يتباهي الصهاينة بـ”الوحدة” كأنها تغيير راديكالي، بينما يتنافسون على من يقصي الفلسطينيين من المشهد.
متحدون في التوسع الإسرائيلي
إلى جانب تعهده بعدم التعاون مع الأحزاب الفلسطينية، يضع بينيت التزامه بالصهيونية في محور حملته. وقد وعد قائلا: “سندافع عن أراضي بلدنا ولن نسلم شبرا واحداً للعدو”.
قد يتساءل البعض عن ماهية هذه الأراضي، وأين تقع تحديداً؟ تشمل تلك الأراضي بالطبع فلسطين من النهر إلى البحر، وربما أجزاء من لبنان وسوريا.
ولمن يتطلعون إلى أن يتصدى يائير لابيد لموقف بينيت العدائي من “اليسار”، للأسف هناك أخبار سيئة. قبل شهرين، اتفق لابيد مع السفير الأمريكي لدى إسرائيل، الصهيوني المسيحي مايك هاكابي، على أن الكتاب المقدس يمنح إسرائيل الحق في إقامة “إسرائيل الكبرى” – والتي تشمل أراضٍ من العراق إلى مصر.
وقال لابيد حينها: “أنا أؤيد أي شيء يسمح لليهود بامتلاك أرض كبيرة وواسعة وقوية، وملاذ آمن لنا ولأبنائنا وأحفادنا. هذا ما أؤيده”. وعندما سُئل “إلى أي مدى؟”، أجاب: “بقدر الإمكان… الصهيونية تستند إلى الكتاب المقدس. سيادتنا على أرض إسرائيل مستمدة من الكتاب المقدس. حدود إسرائيل في الكتاب المقدس واضحة… إسرائيل عظيمة وكبيرة وواسعة، بقدر الإمكان ضمن حدود الأمن الإسرائيلي واعتبارات السياسة الإسرائيلية”.
هذا هو لابيد الذي يُفترض أنه الأكثر اعتدالا بين الاثنين. مبدأ لابيد المعلن: “أقصى عدد من اليهود على أقصى مساحة من الأرض، بأقصى قدر من الأمن، وبأدنى عدد من الفلسطينيين”. أي ليبرالي هذا؟
تناقضات الصهيونية الليبرالية
تفاخر بينيت بأن قائمة الوحدة مع لابيد كانت “خطوة جريئة”، ووصفها بأنها “أفضل عمل صهيوني ووطني قمنا به من أجل بلدنا على الإطلاق”.
ووافق لابيد على ذلك، محاولًا إبراز “ليبرالية” بينيت قائلاً: “يجب على الوسط الإسرائيلي بأكمله أن يقف خلف نفتالي بينيت. بينيت رجل يميني بارز، لكنه يميني ليبرالي، ونزيه، وملتزم بالقانون، ولم يتنازل عن قيمه، رافضا ابتزاز المتطرفين الدينيين والانخراط في الفساد”.
وأكد بينيت أنه “صهيوني يميني ليبرالي”، وخاطب “الأمة الإسرائيلية بأسرها” قائلًا: “لسنا في معسكر اليسار ولا اليمين، نحن في معسكر الأمة الإسرائيلية كلها”.
يعتقد بينيت أنه قد فكّ الشفرة أخيرًا ووجد طريقة ليكون يمينيًا وليبراليًا في آن واحد. ويشرح ذلك قائلاً: “من الناحية الأمنية، أنا يميني، ومن الناحية الوطنية، أنا ليبرالي، وأؤيد الجلوس مع أشخاص من اليسار واليمين على حد سواء”.
هكذا، وجد بينيت في لابيد الشريك المثالي، وهو شريك ليبرالي في الظاهر، لكنه في الواقع صهيوني توسعي متطرف.
الصهيونية في عصر إسرائيل المنبوذة
لكن لغة بينيت ولابيد ليست مجرد شعارات، بل تؤدي دورًا أيديولوجيًا أساسيًا. حين يصف بينيت نفسه بـ”الصهيوني الليبرالي”، فهو يدرك أنه يخاطب أيضًا العديد من اليهود الأمريكيين الذين يرون في الجمع بين الليبرالية والصهيونية هوية أساسية.
ورغم أن تقديم الحزب الجديد كان باللغة العبرية وليس الإنجليزية، فإن هذه الفئة من الناخبين تشكل قاعدة رئيسية في هذه القائمة الانتخابية، حيث يشعر العديد من الأمريكيين بخيبة أمل متزايدة من صورة إسرائيل في الخارج.
أصبحت إسرائيل، في ظل ما ترتكبه من إبادة جماعية، وصمة عار، وتراجع تأييدها إلى أدنى مستوى تاريخي، حتى بين اليهود الأمريكيين.
كما يهدف بينيت ولابيد إلى حشد الدعم بين أولئك الذين ما زالوا يتمسكون بحلم إسرائيل “الليبرالية”.
يدرك بينيت، الذي عمل سابقا في قطاع التكنولوجيا بالولايات المتحدة، ما الذي يجذب الأمريكيين، ويحاول إعادة تسويق صهيونيته المتطرفة بغطاء ليبرالي. لهذا السبب، شدد في الدقيقة الأولى من الإعلان عن الحزب الجديد على أنه يتعلق بـ “عصر جديد لبلدنا الطيب”. من الواضح أن يحاول تسويق صورة أفضل لإسرائيل.
يخوض بينيت ولابيد الانتخابات على أساس برنامج صهيوني عسكري كلاسيكي، يتسم بسياسة أقل تديناً مقارنة بالحكومة الحالية. ويزعم الثنائي أنهما سيعملان على فرض التجنيد الإجباري للجميع (بما في ذلك المتشددون الأرثوذكس، الذين تم إعفاء بعضهم).
ويزعمان أيضا أنهما سيشكلان لجنة للتحقيق في إخفاقات إسرائيل في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023، “لكشف الحقيقة للعائلات والشعب الإسرائيلي بأكلمة”. ويزعمان أنهما سيقلصان مدة الحكم إلى ثماني سنوات. ويزعمان أنهما سيعززان “يهودية جيدة وشاملة، دون إكراه”.
قد يبدو هذا جيدًا لليهود، لكنها ذات الصهيونية اليهودية التي نعرفها. في النهاية، يعني كل ذلك على أرض الواقع “عدم التنازل عن شبر واحد”.
قال يائير لابيد، الذي كان اسم حزبه السابق “يش عتيد” (“هناك أمل”) في الإعلان عن الحزب الجديد: “هذا الشعور الذي ينتابكم الآن، والذي لم تشعروا به منذ وقت طويل، هو الأمل”.
لكنني لا أشعر به.
المصدر: موندويس