ترجمة وتحرير: نون بوست
وصول الديمقراطي الشاب، الشيعي ذي الأصول الهندية، إلى قصر بلدية نيويورك سلّط الضوء على حيويّة الجالية الإسلامية في المدينة الأولى في الولايات المتحدة. يشارك هذا الجيل الجديد من المسلمين التقدميين، الذين تأثروا بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، في غليان ثقافي وفكري يُذكّر ببروز الهوية اليهودية النيويوركية، قبل أكثر من نصف قرن.
حددت هبة عبيد موعدًا، في ذلك اليوم من شهر شباط/ فبراير، في الطابق الثاني من مكتبة نيويورك العامة، على الجادة الخامسة، في قلب مانهاتن. وفي قاعة واسعة سقفها مغطى باللوحات الجدارية والزخارف الذهبية، تشير المرأة الثلاثينية بفخر إلى واجهة زجاجية. قرأت أمينة البطاقة التعريفية لدراسات الشرق الأوسط والإسلام داخل المؤسسة: “قرآن الشعب”. وهي تصف نسخة من القرآن، وهو القطعة الوحيدة المعروضة، والمستعارة من مركز شومبرغ لأبحاث ثقافة السود، وهو فرع لمكتبة نيويورك العامة، في هارلم. وتقول: “هذا المُصَنَّف ثمين للغاية، يعود تاريخه إلى أواخر القرن الثامن عشر ويُعتقد أنه جاء من سوريا العثمانية”.
في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر، كُلفت هبة عبيد بمهمة إحضار هذا القرآن إلى محطة مترو أولد سيتي هول (قاعة المدينة القديمة) المهجورة، في جنوب مانهاتن، حيث أدى زهران ممداني، المنتخب حديثاً عمدةً للمدينة وهو في الرابعة والثلاثين من عمره، اليمين الدستورية في منتصف الليل، إيذاناً ببدء ولايته. يقضي التقليد الأمريكي بأن يؤدي المسؤولون المنتخبون الجدد القسم على كتاب من اختيارهم. وتختار الغالبية العظمى تقريباً نصاً دينياً، وفي الأغلبية الساحقة من الحالات، وباعتبار المسيحية الديانة السائدة في الولايات المتحدة، يتم اختيار الإنجيل. لكن زهران ممداني، المولود في أوغندا لعائلة هندية شيعية، اختار القرآن.
في هذا اليوم الأخير من عام 2025، وأمام حوالي عشرين من المسؤولين والمقربين، في محطة مترو الأنفاق القديمة هذه التي اختارها المسؤول المنتخب لترمز إلى رغبته في ترميم وسائل النقل العام المتعثرة، سلمت هبة عبيد الكتاب لزوجته، راما دوجي. وبدورها أحضرته لزوجها ووضعته فوق نسخة كانت تخص جد الشاب. ونطق أول عمدة مسلم لنيويورك بالعبارة الطقسية: “فليعني الله”. في فترة ما بعد الظهر، كرر الإجراء، مستخدماً نسختين من القرآن تعودان له، على درجات قاعة البلدية، أمام آلاف الأشخاص الذين تحدوا درجات الحرارة الجليدية.
في السنوات الأخيرة، أقسمت العديد من الشخصيات السياسية الأمريكية، من أعضاء الكونغرس أو المسؤولين المحليين المنتخبين، على القرآن. لكن صورة العمدة الجديد لنيويورك أحدثت ضجة على وجه الخصوص. فهي تتوّج النجاح غير المسبوق للشاب، الاشتراكي (وهي صفة نادرة في البلاد)، والذي كان مجهولاً حتى قبل عام ونصف، والذي زعزع المؤسسة الديمقراطية في المدينة بعد حملة نشطة للغاية على شبكات التواصل الاجتماعي. لقد كان وصوله إلى رئاسة المدينة الأكثر اكتظاظاً بالسكان في البلاد أحد أكثر الأخبار التي حظيت بالتعليق في السياسة الأمريكية الحديثة.
أما بالنسبة لحفل التنصيب، فقد تم الإعداد له ببراعة من قبل فريق زهران ممداني، الذي تباحث مع هبة عبيد للعثور على نسخة القرآن الأكثر ملاءمة. وقد تم اختيار هذه النسخة لمظهرها غير التفاخري، والخالي من الزخارف، وذلك على حد تعبير أمينة المعرض. ويشير آري إل. غولدمان، الأستاذ الفخري في كلية الصحافة بجامعة كولومبيا والمتخصص في شؤون الأديان، إلى أنه “بين قاعة البلدية وموقع غراوند زيرو (موقع هجمات الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 التي نفذها إسلاميون)، لا يوجد سوى بضع مئات من الأمتار بالكاد. إن المسار الذي قطعته الجالية الإسلامية أمر لا يصدق”.
نجاح رمزي
لا يتردد المؤرخ أسد دانديا، المنتسب إلى متحف مدينة نيويورك وصديق زهران ممداني، في القول إن “توليه منصبه يمثل لحظة تاريخية”. هذا الرجل الذي ذهب في الحادي والثلاثين من كانون الأول/ ديسمبر عند منتصف الليل إلى الحي “ليكون قريباً قدر الإمكان من الحدث” يعبر عن حماسه قائلاً: “إن الطريقة التي يعبر بها عن هويته كمسلم نيويوركي تُظهر أن الأمر لا يتعلق بشذوذ عن القاعدة، بل بواقع ملموس”. وهي هوية من بين هويات أخرى في المدينة الأكثر تنوعاً وعالمية في البلاد. “في السابق، كان المسلمون يُعتبرون أجانب منبوذين”، هذا ما قاله باللغة الفرنسية المحامي وأستاذ القانون رمزي قاسم، المنحدر من أصل سوري والمولود في لبنان، والذي عُين مؤخراً مستشاراً قانونياً للعمدة الجديد، ليصبح بالتالي أحد أقرب معاونيه. ويقول مشيراً إلى مكتبه في قاعة البلدية لمدينة نيويورك، شبه الفارغ، حيث استقر للتو: “انظروا أين نحن الآن”.
في بلد يعاني من استقطاب عميق، لم تَخْفَ الرمزية على أحد. خلال الحملة للانتخابات البلدية، تعرض زهران ممداني بسبب ديانته لهجمات من اليمين المتطرف والمعسكر الجمهوري، الذين اتهموه بالرغبة في تطبيق الشريعة وتأسيس “دولة إسلامية”. ولم يتخلف خصومه الديمقراطيون عن الركب: فقد أشاروا بالتأكيد إلى افتقاره للخبرة، وإلى برنامجه الذي وُصف بالوهمي، أو حتى إلى معاداته المعلنة للصهيونية (متهمين إياه بالتبعية بمعاداة السامية)، لكنهم تجاوزوا الحدود أيضاً: حيث قام فريق منافسه الرئيسي، أندرو كومو، بنشر مقطع فيديو مُوَلّد بالذكاء الاصطناعي، يتبنى صورة نمطية عنصرية عن الشرق الأوسط، يظهر فيه الشاب وهو يأكل الأرز بيديه.
لم يخفِ العمدة الشاب إيمانه يوماً. وحتى اليوم، يُقال إنه يذهب بانتظام إلى المسجد لأداء صلاة الجمعة. ومنذ السابع عشر من شباط/ فبراير وحتى احتفالية عيد الفطر، في حدود العشرين من آذار/ مارس، ينشر العمدة الجديد يومياً لمتابعيه البالغ عددهم أحد عشر مليوناً ونصف المليون على منصة إنستغرام صوراً لوجبات إفطاره. “إنه يجسد إسلامية معاصرة بشكل خاص، موحدة ومسالمة، تشهد ازدهاراً كبيراً”، يؤكد فياض جعفر، المرشد الديني ومسؤول المركز الإسلامي في جامعة نيويورك، في ساحة واشنطن، وهو مكان حوار مخصص لخمسة آلاف طالب مسلم (حوالي عُشر المسجلين) في المؤسسة.
جالية متحدة
تندرج رؤية العمدة الجديد للإسلام ضمن مبدأ تقاطع النضالات، وهي فكرة تحظى بتقدير لدى اليسار الراديكالي الذي يدعو إلى اتحاد الأقليات. وهو يدافع عن حقوق مجتمع الميم، والحق في الإجهاض، فضلاً عن استقلالية المدارس الدينية، لا سيما اليهودية الحسيدية. وباعتباره داعماً لحركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات التي تستهدف إسرائيل، فقد وصف المجازر التي ارتكبتها حركة حماس في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023 بأنها “جرائم حرب”، ودعا إلى “وقف دائم لإطلاق النار” وإنهاء الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية.
وقد اتهمته الصحافة المحافظة بالتقارب مع الإمام المثير للجدل سراج وهاج، وعلى نطاق أوسع، مع جماعة الإخوان المسلمين. وهي ادعاءات صادرة عن شخصيات جمهورية وتتغذى من صلاته المفترضة بمنظمة الحقوق المدنية للمسلمين “مجلس العلاقات الأمريكية الإسلامية”، رغم أنها تُعتبر شرعية من قبل الصحافة الأمريكية العامة (بما في ذلك صحيفة نيويورك تايمز). وكلها تأكيدات نفاها فريقه جملة وتفصيلاً.
في السادس من آذار/ مارس، اندلع جدل حول منشورات على شبكات التواصل الاجتماعي أبدت إعجابها بها زوجته، راما دوجي. أظهر أحدها، والذي نُشر في السابع من تشرين الأول/ أكتوبر عام 2023، جرافة تبدو وكأنها تعبر الجدار بين إسرائيل وغزة، مصحوباً بتعليق: “تحطيم جدران الفصل العنصري والاحتلال العسكري”. وقد حظيت المعلومة بتغطية خاصة من قبل قناة سي بي إس التلفزيونية، الموالية للبيت الأبيض. وخلال مؤتمر صحفي في السادس من آذار/ مارس، صرح العمدة أن زوجته كانت “شخصية كتومة لم تشغل أي منصب رسمي في حملته الانتخابية ولا في البلدية”، مضيفاً أن أولويته هي “تمثيل السكان البالغ عددهم ثمانية ملايين ونصف المليون” في المدينة.
يشدد أسد دانديا قائلاً: “إيمانه هو حقيقة نيويوركية، يشاركه فيها العديد من ناخبيه”. كم عدد المسلمين مثله في المدينة الكبرى؟ وإذا كان الإحصاء السكاني الأمريكي يأخذ بعين الاعتبار الانتماء العرقي، فإنه لا يحصي المواطنين حسب ديانتهم. ومع ذلك، يقدر مركز بيو للأبحاث، وهو هيئة ديموغرافية مستقلة، أن المسلمين يمثّلون 3 بالمائة من سكان نيويورك. ويقدر المعهد نفسه نسبة المسيحيين بـ 57 بالمائة، والملحدين أو اللاأدريين بـ 21 بالمائة، واليهود بـ 8 بالمائة. واستناداً إلى إحصاءات بلدان المنشأ، يعتقد العديد من أفراد الجالية الإسلامية من جانبهم أن الرقم أعلى من ذلك، ويقارب 8 بالمائة، وهو ما يمثل ما بين ثلاثمائة ألف وثمانمائة ألف شخص.
يشرح المستشار القانوني رمزي قاسم: “في نيويورك، نجد الجالية الإسلامية الأكثر تنوعاً في البلاد، وربما حتى في العالم”. ويضيف أن هذه الجالية جديدة نسبياً، وتأتي في أعقاب قانون الهجرة والجنسية، وهو قانون صدر عام 1965 ألغى الحصص التمييزية. فعلى عكس المسيحيين، المتواجدين منذ تأسيس البلاد، أو اليهود اللاجئين من أوروبا الشرقية منذ القرن التاسع عشر، فإن الجاليات المصرية، والبنجلاديشية، والباكستانية، والفلسطينية، أو حتى اليمنية تعتبر أحدث عهداً.
خلال العقد الماضي، وصل مهاجرون من دول أفريقية يسود فيها الإسلام، لا سيما من السنغال. يُضاف إليهم العديد من السود الذين اعتنقوا الإسلام خلال القرن العشرين، في اندفاعة نحو التحرر من أمريكا البيضاء المسيحية، والذين يتواجدون بكثرة في هارلم. لعبت منظمة أمة الإسلام، التي تأسست في ثلاثينيات القرن العشرين، دوراً مهماً في عمليات اعتناق الإسلام. ثم، ومع تطرف هذه الحركة، اتجه العديد من الأمريكيين من أصل أفريقي نحو إسلام سني أكثر علمانية واعتدالا.
أرضية ثقافية خصبة
حصل زهران ممداني على الجنسية الأمريكية عام 2018، وهو ليس مهاجراً كسائر المهاجرين تماماً. فهو ابن المخرجة الهندية الأمريكية ميرا ناير (مخرجة فيلم “سلام بومباي!”، و”زفاف المونسون”) والمفكر الأوغندي في دراسات ما بعد الاستعمار محمود ممداني، وقد نشأ في محيط جامعة كولومبيا، في حي أبر ويست سايد البرجوازي والمثقف. وعلى الرغم من ذلك، فإن وصوله إلى البلدية يُعد عاملاً محفزاً للتغيير.
تشرح رنا عبد الحميد بابتسامة عريضة “هناك شيء ما يحدث. يبدو الأمر وكأننا متحدون أخيراً في جالية واحدة كبيرة. الأغنياء والفقراء، الشيعة والسنة، حيث تختلط جميع الجنسيات”. هذه الشابة الثلاثينية هي مؤسسة منظمة مليكة، وهي منظمة تتخذ من منطقة كوينز الشعبية والمتعددة الثقافات مقراً لها – حيث يعيش زهران ممداني – والتي تقدم من بين أمور أخرى دروساً في الدفاع عن النفس للنساء المسلمات، وقد أنشأتها في أعقاب اعتداء تعرضت له عندما كانت مراهقة. في المقر، وتحت صورة لأسطورة الغناء المصري أم كلثوم، تشير إلى الأريكة المغطاة بسجادة شرقية حيث “أخبرها زهران بأنه سيترشح”. وتتحدث عن أمسيات المشاهدة الجماعية التي نُظمت في المقاهي التي يرتادها المسلمون، لمشاهدة الإطلالات التلفزيونية للمرشح والأمسيات الانتخابية.
مثل هذه اللقاءات حدثت أيضاً في المركز الإسلامي لمدينة نيويورك الجديد تماماً، بالقرب من ساحة واشنطن. تم تأسيس هذا الفضاء بشكل مشترك في منتصف عام 2025 من قبل الإمام خالد لطيف، المقرب من زهران ممداني الذي ألقى من أجله خطاباً افتتاحياً في الأول من كانون الثاني/ يناير في قاعة البلدية، ولا يزال المكان قيد الإنشاء. لكنه يستقبل العديد من المصلين. في يوم الجمعة من شهر شباط/ فبراير، امتلأت القاعة عن آخرها في صلاة الظهر. الحضور متنوع: نساء يرتدين الحجاب أو لا يرتدينه، موظفون يرتدون بدلات، شباب يرتدون ملابس من علامات تجارية عصرية. يصيح أحد المشاركين، الذي طلب عدم الكشف عن هويته لأنه ليس مواطناً أمريكياً في الأساس: “لا أعتقد أنك ستجد شخصاً واحداً من بين المائتي شخص الحاضرين لم يصوت لزهران. أعني، شخصاً يمتلك حق التصويت”.
من خلال تنوع جمهوره، يُعد المركز الإسلامي لمدينة نيويورك فريداً من نوعه، حيث أن العشرات من المساجد التي تغطي المدينة الكبرى مرتبطة بالأحرى بمجتمعات محددة. فمساجد باي ريدج، في بروكلين، يرتادها العديد من سكان الحي الذين ينحدرون من بلاد الشام. وفي هارلم، يجذب مسجد مالكولم شباز، حيث كان يخطب مالكولم إكس، الأمريكيين من أصل أفريقي في المنطقة. ويستفيد العديد من السائقين الخاصين أو سائقي سيارات الأجرة من وجود المركز الثقافي الإسلامي في حي أبر إيست سايد الراقي جداً ليأتوا للصلاة فيه بعد إيصال زبائنهم. لكن نبض الهوية الإسلامية للمدينة ينبض بشكل خاص في المجال الثقافي والفكري.
تتحدث مريم بن صالح، وهي أمينة مَعارض تونسية، مرت بفرنسا وترأس اليوم متحف جمعية عصر النهضة المتخصص جداً في شيكاغو، عن “أرضية خصبة ديناميكية، وغليان حقيقي يمر عبر جميع القطاعات. لقد مهد هذا المشهد الطريق لظهور شخص مثل ممداني”. وتستشهد بفنانين معاصرين، وكتاب، وممثلين ومخرجين. مثل رامي يوسف، الذي يوثق مسلسله رامي، الذي يحمل طابعاً لسيرته الذاتية بشكل كبير، التساؤلات الروحية لشاب مسلم في عالم اليوم يواجه تطبيقات المواعدة وعادات جيله.
“نحن أخيراً نأخذ الكلمة”، قالت حراء أحمد في حماس. في كانون الثاني/ يناير من عام 2024، أسست مع بعض الصديقات الثلاثينيات مجلة أكاسيا، على اسم الشجرة التي كان النبي محمد يتحدث تحتها مع أتباعه. تُغطي المطبوعة، الموجهة إلى “اليسار الإسلامي”، موضوعات متباينة: هكذا يتم الحديث عن تمثيل الإسلام في السينما، أو الحرب في غزة، أو تاريخ ماء الورد الصومالي، أو صعوبة الالتزام بشهر رمضان بالنسبة للأشخاص الذين يعانون من اضطرابات الأكل. وتشرح قائلة: “لقد أنشأنا المجلة التي كنا نرغب في قراءتها”.
وجود قديم
في نيويورك، أكثر من أي مكان آخر، تحيط رائحة الحداثة – والبعض قد يسميها “العصرية” – بالفترة الخاصة بشهر رمضان. في كل عام، وفي يوم عيد الفطر، تصبح حديقة ساحة واشنطن مكاناً لتجمع ينظمه المركز الإسلامي في جامعة نيويورك. وفي نفس المكان الذي اعتاد فيه المتزلجون ومدخنو القنب التجمع، يُقام حفل ما يسمى “حفل الميت غالا الإسلامي”. هذا اللقب هو إشارة إلى الحفل السنوي لمعهد الأزياء في متحف المتروبوليتان للفنون، حيث يتنافس المشاهير في الغرابة والتبجح. في عام 2024، أظهر ملف صور لصحيفة نيويورك تايمز المشاركين وهم يرتدون الجلابيات، والبُوبُو الأفريقي، والكورتاس الآسيوي.
“إنه وقت رائع”، تعبر مريم بن صالح بحماس، “تُمثّل فيه جميع جاليات العالم الإسلامي: العرب، وسكان جنوب آسيا، والأفارقة، والأمريكيون من أصل أفريقي، سواء كانوا ممارسين للشعائر أم لا. إنه ليس حدثاً دينياً بقدر ما هو لحظة ظهور جماعي”. أمينة المعرض هي عضو في مجموعة على تطبيق واتساب تُدعى “نساء نيويورك المسلمات”، والتي سُميت كرد فعل لبرامج تلفزيون الواقع المخصصة للنساء الثريات والمشهورات في مدن مختلفة في الولايات المتحدة (بيفرلي هيلز، وميامي، وأتلانتا…). تبتسم قائلة: “لا يوجد شيء رسمي أو جدي للغاية”. تتبادل بضع عشرات من المشتركات المقالات، وأخبار بعضهن البعض، والنصائح… ومن بين المشاركات نجد راما دوجي، زوجة زهران ممداني.
“وأنا أيضاً موجودة فيها!”، تهتف هبة عبيد، من مكتبة نيويورك العامة، وهي تقدم معرض “نيويورك” بالتهجئة العربية، الذي كانت أمينته والذي استمر حتى الثامن من آذار/ مارس، والمخصص لهجرة سكان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا إلى نيويورك. عُرضت فيه صور لطالبي لجوء جزائريين أو سوريين في جزيرة إليس في بداية القرن العشرين، وأغلفة أسطوانات لموسيقى عربية، وكتيبات لجمعيات مجتمعية… “في الواقع، التواجد الإسلامي ليس بجديد. إنه يعود لعدة قرون.” وهذا التاريخ، الغائب عن الروايات التي لا تحصى، سواء الأدبية أو السينمائية، حول نشأة الولايات المتحدة، بدأ يُروى للتو.
تؤكد كاتي ميريمان: “بمجرد أن تذكر هذا التاريخ، على سبيل المثال شخصية أنتوني التركي (أنتوني يانسزون فان سالي)، وهو أول مستوطن مسلم في القرن السابع عشر، عندما كانت مانهاتن مستعمرة هولندية، يرغب الناس في معرفة المزيد”. وبصفتها أكاديمية متخصصة في دراسة القضايا العرقية والدينية والاجتماعية في الولايات المتحدة، فإنها تنظم جولات إرشادية مخصصة للتاريخ الإسلامي في نيويورك. يأخذها أحد مساراتها إلى هارلم، وتتجه دائرة أخرى إلى أقصى جنوب مانهاتن. خلال هذه الجولة الأخيرة، تتحدث عن وصول العبيد المسلمين الذين أُجبروا على اعتناق المسيحية، وتستشهد بالتاريخ المنسي لحي “سوريا الصغيرة”، وهو أول حي عربي (مسيحي بشكل رئيسي) في أواخر القرن التاسع عشر وحتى أربعينيات القرن العشرين.
على بُعد مبنيين سكنيين من موقع المنطقة صفر (جراوند زيرو)، تشير إلى الموقع الذي كان ينبغي أن تُبنى فيه قاعة صلاة، وهو مشروع أثار فضيحة وطنية. في عام 2010، اقترح مطور عقاري وإمام بناء مركز ثقافي إسلامي مكون من خمسة عشر طابقاً هناك، يحمل اسم “بيت قرطبة”. وافقت لجان الحي على المشروع وأيدت استطلاعات الرأي بين سكان نيويورك هذا الاتجاه. لكن اندلع جدل كبير. صرح حينها الجمهوري نيوت غينغريتش، الرئيس السابق لمجلس النواب، على قناة فوكس نيوز المحافظة: “ليس للنازيين الحق في نصب لافتة بجوار متحف الهولوكوست في واشنطن”. أما دونالد ترامب، الذي لم يكن قد دخل غمار السياسة بعد، فاقترح دون جدوى شراء الأرض لمنع البناء.
أصداء الحادي عشر من سبتمبر
إذا كان هناك تاريخ مفصلي، فهو بالتأكيد تاريخ الحادي عشر من أيلول/ سبتمبر عام 2001. هذا ينطبق على جميع سكان نيويورك، الذين حفرت في ذاكرتهم ذكرى الضحايا، ومن بينهم هؤلاء النشطاء والكتاب والمفكرون المسلمون المولودون بين منتصف الثمانينيات ومنتصف التسعينيات. يهتف المؤرخ أسد دانديا: “ليس من قبيل الصدفة أبداً أننا نأخذ الكلمة ونتحدث اليوم، لقد كنا أطفالاً أو مراهقين عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر”. جميعهم يتذكرون ذلك اليوم بدقة. وخاصة الأوقات التي تلته.
في مسلسل رامي، تُخصص حلقة لتجربة البطل، الذي كان آنذاك في المدرسة الابتدائية، وأصدقائه الذين توقفوا بين عشية وضحاها عن التحدث مع زميلهم “الإرهابي”. ومثل هذه اللحظات عاشوها جميعاً. ففي أعقاب الهجمات، شهدت ظاهرة الإسلاموفوبيا (رهاب الإسلام) عودة قوية، أججتها العديد من الشخصيات العامة، لا سيما الجمهورية. منع الآباء أطفالهم من اللعب في الشوارع، ووقعت النساء المحجبات ضحايا للاعتداءات. كما تم اغتيال عدة أشخاص.
يؤكد رمزي قاسم: “لم يكن العنف مقتصراً على الأفعال أو العقليات فحسب، بل كان أيضاً عنفاً من قبل الشرطة وعنفاً قانونياً”. وبوصفه محامياً، فقد مَثّل بشكل خاص أسد دانديا خلال محاكمة تاريخية. في عام 2012، كان الشاب يبلغ من العمر حينها تسعة عشر عاماً، أدرك أن زميلاً التقاه في المسجد واعتاد المجيء لتناول العشاء في منزله كان مُخبراً، حيث كانت شرطة المدينة تخترق المساجد والمتاجر الإسلامية. وإثر الدعوى القضائية التي رفعها مع أشخاص آخرين، تم إعلان عدم دستورية برنامج المراقبة الذي وضعه العمدة الجمهوري مايكل بلومبرغ (من 2002 إلى 2013).
يوضح رمزي قاسم: “كان الحادي عشر من سبتمبر لحظة مروعة بالنسبة لأمريكا، بما في ذلك جاليتنا. ولكن في ظل هذا العنف بالذات طوّرنا شعوراً بالانتماء وقدرة على التأثير في مصيرنا. في أوائل العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، لم يكن هناك هذا المستوى من التنظيم.” ويشير إلى عدد النشطاء، وجمعيات الدفاع عن الحقوق، والفرق المسرحية، وشركات الإنتاج أو النشر، ومكاتب المحاماة التي سمحت “بهذا المستوى الحالي من التطور والتعقيد على الصعيد الثقافي والاقتصادي والسياسي والقانوني”. وتستشهد رنا عبد الحميد بعلامات فارقة من بينها إدراج عيد الفطر في عام 2015 كعطلة رسمية في المدارس أو إدخال الوجبات الحلال في المقاصف المدرسية في عام 2022.
يوتوبيا يجب إدامتها
يُذكّر ظهور الهوية الإسلامية، في نظر العديد من المؤرخين، بظهور الجالية اليهودية ويبدو أنه يسلك، خطوة بخطوة، نفس المسار الذي رُسم قبل أكثر من نصف قرن. يتذكر آري إل. غولدمان السبعيني تلك الفترة، في حدود ستينيات القرن الماضي، عندما دخلت الأعياد اليهودية “رأس السنة” و”يوم الغفران” في التقويم المدرسي. وهو جالس على طاولة في “المخبز المجري”، وهو مقهى في حي أبر ويست سايد يرتاده المثقفون، يستشهد غولدمان بانتخاب أبراهام بيم، أول عمدة يهودي للمدينة، في عام 1973 قائلا: “قبل عشرين عاماً من ذلك، في أمريكا ما بعد الحرب، كنا نحن اليهود نُعتبر أجانب منبوذين. كنا نُتهم بكوننا غير أمريكيين بالكامل. وكانت الإهانات والاعتداءات أمراً شائعاً”.
بيم، ابن المهاجرين البولنديين، كسر السقف الزجاجي. وكان لهذه الثورة صدى في العالم الثقافي. فقد مثل عقد السبعينيات صعود نجوم سينما (وودي آلن، وباربرا سترايساند) أو كتاباً (فيليب روث) ينحدرون من الجاليات اليهودية في المدينة. وأبرز المتحف اليهودي فنانين تشكيليين يعملون على موضوع اليهودية. تداخلت التغييرات السياسية والثقافية، مما أدى حينها، كما هو الحال اليوم، إلى انبثاق جيل من الأساتذة، وأمناء المعارض، والفنانين، والكتاب.
وإذا كان الحادي عشر من سبتمبر، على نحو غير متوقع، حدثاً موحداً، فإن السابع من تشرين الأول/ أكتوبر سيمثل حدثاً آخر. ففي أعقاب الهجوم الإرهابي الذي شنته حماس، والذي أدى إلى اندلاع حرب واسعة النطاق في غزة، كانت التوترات شديدة بشكل خاص في نيويورك، حيث تقيم أكبر جالية يهودية خارج إسرائيل. انتقدت العديد من الأوساط اليسارية في المدينة سياسة الدولة العبرية، بل وشككت حتى في وجودها، متهمة إياها بالإبادة الجماعية وجاعلة في بعض الأحيان قضية الرهائن الإسرائيليين تتراجع إلى المرتبة الثانية.
إذا كانت معاداة السامية في الولايات المتحدة قد شهدت بلا شك ارتفاعاً كبيراً، فإن أعمال العنف ضد المسلمين قد تضاعفت أيضاً. مقتل طفل أمريكي من أصل فلسطيني يبلغ من العمر ست سنوات في إلينوي، وضراوة وسائل الإعلام المحافظة ضد بعض النشطاء، والاعتداءات الجسدية واللفظية… لقد واجهت البلاد تصاعداً كبيراً في الإسلاموفوبيا (كراهية الإسلام).
من جانبها تتحدث مريم بن صالح عن “حداد مشترك”: “إن كل أشكال التعصب، سواء الإسلاموفوبيا أو معاداة السامية، تعزز الحاجة إلى التلاقي والتجمع. ومع الحرب في غزة، أصبحت الهوية الإسلامية أقل خياراً وأكثر بداهة”. لقد بلورت الحملة البلدية في نيويورك هذه التوترات. يحكم أسد دانديا قائلاً: “زهران رجل قوي جداً، لكن الهجمات التي تعرض لها جعلته ينهار”. في الرابع والعشرين من تشرين الأول/ أكتوبر، وأمام أحد مساجد برونكس، يصف المرشح السنوات التي أعقبت الحادي عشر من سبتمبر، وعمته التي لم تكن تجرؤ على ركوب المترو حتى لا تُرى وهي ترتدي الحجاب. أعلن، والدموع تخنق صوته: “إن حلم كل مسلم هو ببساطة أن يُعامل مثل أي نيويوركي آخر. ومع ذلك، ولفترة طويلة جداً، قيل لنا (…) أن نكتفي بالقليل. هذا الأمر قد انتهى”.
في المركز الإسلامي بجامعة نيويورك، يخفف فياض جعفر من حدة الحماس قائلا “التعصب لا يزال موجوداً. والشخصيات الإسلامية غائبة عن وسائل الإعلام الرئيسية. أي شخص يحمل اسماً ذا طابع عربي يُنظر إليه بعين الريبة، وتُشوه أسماؤهم”. يتحدث آري إل. غولدمان عن “التحدي الحقيقي الذي ينتظر العمدة، وهو إرضاء ناخبيه وترسيخ الهوية الإسلامية نهائياً في تاريخ نيويورك”. يقر رمزي قاسم بأن “واجبنا هائل، وعلينا أن ننجح. إذا كان هذا ممكناً في نيويورك، فسيكون كذلك في أي مكان آخر.”
تذكرنا هذه الجملة بكلمات أغنية “إذا استطعت النجاح هناك، يمكنني النجاح في أي مكان” من أغنية “نيويورك نيويورك” التي خلدها فرانك سيناترا واقتبسها جاي زي وأليشيا كيز في أغنية “إمباير ستيت أوف مايند” الشهيرة. وقبل أيام قليلة من انتخابه، شوهد زهران ممداني وهو يغني هذه الأغنية الناجحة في إحدى حانات بروكلين. وحده المستقبل سيخبرنا ما إذا كان هذا التفاؤل، في ظل أمريكا الترامبية، يوتوبيا حالمة.
المصدر: لوموند