“عالهودلك يابا، ع الهوداليا.. أسقطنا حكم الأسد، نلنا الحرية”.. كلمات رددها السوريون بصوت عالٍ أمام حدثٍ صنعوه بتضحياتهم وإصرارهم؛ كلمات حلم بها وقاتل من أجلها 14 عامًا، حتى انتصرت إرادة الحياة أخيرًا على سطوة الجلاد.
لم يكن الشعب السوري يدرك أن طريق الثورة سيكون طويلًا، وأن عبوره سيكلّف آلاف الشهداء والمعتقلين والمختفين قسرًا، ويشتّت ملايين العائلات، كما لم يكن يتخيّل أن الإصرار على خوض هذا الحلم سيحمل معه ثمنًا فادحًا، لكنه مضى بإصرار لا ينكسر، محاولًا استعادة جزء مما سُلب منه: الحرية، وإزالة الظلم، والحق في العيش بكرامة.
وبعد مرور 15 عامًا على واحدة من أكثر المحطات مفصلية في تاريخ سوريا الحديث، تعود ذكرى شرارة الثورة الأولى لتذكّر بصمود الشعب السوري في وجه اليأس والاستبداد، وبالأمل الذي لم يمت رغم قسوة السنوات. ولم تعد هذه الذكرى مجرد استعادة لبداية الحكاية، بل تحولت إلى يوم يحتفل فيه السوريون في مختلف محافظات البلاد باستعادة حريتهم والخلاص من نظام الأسد، بعد المسار الذي انتهى بإطاحة حكمه في معركة “ردع العدوان” التي انطلقت في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024.
يبحث هذا التقرير مع مجموعة من نشطاء الثورة السورية البارزين، لحظتها اليوم في الذكرى الـ 15 لانطلاقتها، وهي ثاني ذكرى بعد التحرير، لنحاول أن نقف على تقييمهم لمرحلة ما بعد التحرير، وتطلعاتهم لمستقبل بلادهم.
بعد 15 عامًا.. هل تحققت مطالب الثورة؟
عاشت سوريا لعقود تحت حكم استبدادي وقبضة أمنية صارمة، بدأت بسيطرة حزب البعث العربي الاشتراكي على السلطة بانقلاب عام 1963، ثم تعززت مع وصول حافظ الأسد إلى الحكم عام 1970، إذ أسس نظامًا أمنيًا وعسكريًا يعتمد على شخصنة السلطة، وشبكة واسعة من أجهزة المخابرات التي توغل من خلالها حزب البعث على الدولة والجيش، واستخدم القمع والاعتقالات التعسفية لترهيب المواطنين وكبح أي شكل من أشكال المعارضة، وقد ورث بشار الأسد الحكم عنه بعد عام 2000، مستمرًا في النهج ذاته.
وناضل السوريون عقودًا ضد النهج الذي اتبعه نظام بشار الأسد، وأتت ذروة النضال في سياق الربيع العربي، في منتصف مارس/آذار 2011، مطالبة بالحرية والكرامة والعدالة، وإنهاء عقود طويلة من الاستبداد والفساد، لكن النظام واجه المظاهرات السلمية بقمع وحشي ما دفع فئات من المحتجين لاحقًا إلى حمل السلاح دفاعًا عن أنفسهم، بينما انشق مئات الضباط والعساكر عن الجيش للوقوف مع الثورة وحماية المتظاهرين.
ومع تصاعد الصراع، مرت الثورة السورية بمحطات معقدة ومنعطفات عدة، وتدخلات إقليمية ودولية عديدة. ومع مرور السنوات، وتراجع سيطرة فصائل المعارضة، ووصول موجة التطبيع مع النظام إلى ذروتها، بدأ كثير من السوريين، يفقدون الأمل بإمكانية سقوط النظام.
غير أن التطورات التي شهدتها البلاد لاحقًا، وصولًا إلى معركة “ردع العدوان”، أعادت خلط الأوراق من جديد، لتنتهي بسقوط النظام الذي بدا لسنوات طويلة وكأنه أمر مستحيل.
في تعليقه لـ “نون بوست”، يقول الباحث والصحفي، خالد أبو صلاح، لـ”نون بوست”: إن الثورة السورية بطبيعتها كانت جزءًا من ثورات الربيع العربي، وجميع هذه الثورات كانت تنطلق من مبادئ عامة تتمحور حول الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية، ما يعنيه بالمجمل أن جوهر الثورات كان سياسيًا وليس خدميًا أو مطلبيًا، وفي صلب هذا الهدف، الانتقال من دولة اللاقانون إلى دولة القانون والمواطنة لا دولة السلطان والرعية.
ويضيف: معظم أبناء الثورة السورية الذين انخرطوا فيها وتعلق مسار حياتهم ومستقبلهم وحتى شيء من هويتهم بها، كانوا يؤمنون إيمانًا راسخًا بانتصار الثورة، ولاحقًا ولا سيما بعد عام 2020 وبالتزامن مع محاولة إعادة تأهيل النظام بدأت مسألة سقوطه بعيدة المدى، وأن نظام الأسد سيعود ويحكم ويقبل في المحافل العربية والدولية، ومثلت هذه اللحظات أقصى درجات اليأس، لا سيما أننا بتنا محاصرين في جيب صغير شمال غرب سوريا، مع جيوب أخرى في الشمال، وجميعها متناحرة متخالفة ليس لديها أية ملامح لمشروع سياسي جامع.
بالمقابل مثلت حرب روسيا وأوكرانيا في 2022 فرصة أو ملمح لفرصة بإنشغال واحدة من أكثر الدول دعمًا للنظام، وبدا أن النظام الدولي والتحالفات والتناقضات قد تفضي لتغيير المعادلة السورية، ومع طوفان 7 أكتوبر والتوحش الإسرائيلي الذي أعقبه، وتحول الصراع مع المحور الإيراني من صراع غير مباشر إلى مباشر، زادت القناعة بأن هناك فرصة حقيقية قد تفضي لسقوط النظام.
لكن كل هذه الأمور كانت مجرد تحليلات مشفوعة بالأماني والرغبات، لتأتي معركة “ردع العدوان” مستفيدة من هذا المناخ السياسي الدولي وتناقضاته لتحول هذا كله إلى واقع صادم للقريب والبعيد لا سيما سرعة انهيار النظام والوصول إلى دمشق في 11 يومًا من أجمل أيام العمر التي لا يمكن أن تنسى.
ويرى خالد أبو صلاح أن أهم مكسب حققته الثورة السورية هو فتح كوّة في جدار التاريخ الأصم “الذي نسميه نحن السوريون (الأبد). كنا قبل 8 ديسمبر خارج التاريخ وخارج الفعل التاريخي، محصورون في موت سريري في (الأبد) على كل الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتى الإنسانية”.
وإسقاط نظام التوحش الأسدي مكسب لا يعادله مكسب آخر، ليس للسوريين فحسب وإنما لكل الشعوب والتجربة الإنسانية.
أما حول المطالب التي خرج من أجلها السوريين فيرى أبو صلاح أن الطريق ما زال في بدايته، وأن المشوار طويل، “لا سيما أن الحكومة الجديدة للأسف لا تسير بالاتجاه الصحيح”.
من جهته يقول مدير قسم تحليل السياسات في مركز “حرمون للدراسات المعاصرة”، سمير عبد الله، إن السوريين خرجوا في بداية ثورتهم مطالبين بالحرية والكرامة والإصلاح، لكن القمع الذي اتبعه نظام الأسد في مواجهة المظاهرات السلمية دفعهم تدريجيًا إلى رفع سقف مطالبهم حتى وصلت إلى المطالبة بإسقاط النظام، ومع تصاعد العنف، انتقلت الثورة إلى مرحلة العسكرة، في ظل استخدام النظام مختلف أنواع الأسلحة في محاولة لإخمادها.
ويتابع: مرت الثورة بعدة مراحل، فبعد أن تمكنت فصائل المعارضة من تحقيق انتصارات وتحرير مناطق واسعة من سيطرة النظام، شهدت مرحلة تراجع أعادت للنظام السيطرة على أجزاء كبيرة من البلاد، خاصة بعد التدخل الإيراني والروسي الداعم له، وتراجع الدعم الدولي للمعارضة، ولا سيما بعد ظهور تنظيمات متطرفة مثل “داعش”.
وفي السنوات الأخيرة، وصل كثير من السوريين إلى حالة من الإحباط نتيجة موجة التطبيع مع النظام ومحاولات إعادة تعويمه، لكن ذلك لم يُنهِ الإيمان بأن بقاء نظام ارتكب كل تلك الجرائم أمر لا يمكن أن يستمر إلى الأبد، وأن العدالة لا بد أن تتحقق يومًا ما، وجاءت معركة “ردع العدوان” لتعيد الأمل بإمكانية تحقيق الحلم الذي خرج السوريون من أجله منذ البداية.
وحول أهداف الثورة السورية وما إذا تحقق ما خرج السوريون للنضال من أجله، يرى الدكتور سمير العبد الله، أن الثورة السورية حققت إنجازًا تاريخيًا بسقوط النظام، معتبرًا ذلك تحقيق الهدف الأساسي للثورة السورية المتمثل في التخلص من الاستبداد والهيمنة الأمنية. لكنه يؤكد أن الوصول إلى الهدف الأكبر أي بناء دولة العدالة والكرامة والديمقراطية، ما زال يحتاج إلى وقت وجهد كبيرين، في ظل التحديات السياسية والاقتصادية والاجتماعية التي تمر بها سوريا.
أما مؤسس مشروع أرشيف الثورة السورية، تامر تركماني، يقول لـ”نون بوست”، إنه رغم كل المنعطفات التي مرّت بها الثورة السورية كان الشعب السوري يؤمن بأنه لابد من تحقيق العدالة وإسقاط النظام السوري البعثي، ولم يتهاون الشعب السوري في أي يوم من الأيام من متابعة المطالبة بإسقاط النظام رغم كل الصعوبات، فرأيناهم في المخيمات بعد تهجيرهم وهم ينظّمون مظاهرات واعتصامات للتنديد بممارسات النظام الأسدي.
ويتابع: “حرية الرأي اليوم في الشارع السوري يمكن للجميع مشاهدتها بشكل واضح، كما يمكن لأي مواطن أن ينتقد أي مسؤول، فرأينا وزيرًا يتلقى انتقادات من مواطن سوري في أحد المشافي، ورأينا مواطن سوري ينتقد وزيرًا في أحد البرامج التلفزيونية وجهًا لوجه، وهذا أحد مكتسبات الثورة السورية بأن نرى مسؤولًا يتلقى انتقادات من مواطنين، كما أننا شاهدنا الحواجز الأمينة وكيفية تعاملها مع المواطنين السوريين دون التفريق بين طائفة أو أخرى”.
من جهته، يقول الباحث د. عبد المنعم زين الدين لـ “نون يوست” إن إسقاط النظام البائد كان يمثل أهم أهداف الثورة، حيث كان الشعب يردد في هتافاته دائمًا: “الشعب يريد إسقاط النظام”.
ويضيف أن الشعب السوري حقق عدد من المطالب التي خرج من أجلها وبقيت مطالب أخرى، كما نال مكاسب كثيرة بانتصار ثورته وبإسقاط نظام الأسد البائد، تمثلت في عدة نواحي: منها التخلص من عصابة القتل التي كانت تمارس القمع والإجرام والتصفية والإبادة والاعتقال بحق الشعب السوري، وإبطال كل الأسلحة التي كانت تستخدمها من كيماوي ومن صواريخ ومن براميل ومن معتقلات ومن مسالخ.
وعودة المؤسسات التي كانت محتكرة لصالح عصابة الأسد إلى صالح الشعب السوري وعلى رأسها الأمن والجيش،كما هناك إنجازات أخرى تمثلت في عودة عدد كبير من المهجرين الذين كانوا يخشون على أنفسهم من بطش النظام ومن اعتقاله.
إضافة إلى حرية نالها الشعب السوري وتماسك تجلى في عودة السوريين للتلاحم في مختلف المحافظات بعد أن كان النظام البائد قد يعني فرض واقعًا شبيه بالتقسيم ما بين شمال وجنوب وشرق.
ويرى أن التضحيات التي قدمها الشعب السوري “هي من أهم ما أوصلنا إلى الحالة الجديدة من مكتسبات الثورة السورية”.
هل انتهت الثورة أم أنها دخلت مرحلة جديدة؟
سقوط النظام هو أحد معالم انتصار الثورة، ولكن يوجد معالم أخرى لم تتحقق بعد، مثل محاسبة جميع المجرمين على انتهاكاتهم وجرائمهم، أيضًا الكشف عن مصير ومكان دفن أكثر من 150 ألف شخص تم اعتقالهم وقتلهم على يد ميليشيات النظام البائد في مراكز الاحتجاز والسجون، ومحاسبة جميع المتورطين بهذه الملفات، بحسب ما قاله تامر تركماني لـ “نون بوست”.
ووثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان حجم الانتهاكات التي ارتكبها النظام السابق منذ عام 2011، حيث قُتل 202,021 مدنيًا، بينهم 23,138 طفلًا و12,036 امرأة، كما استُشهد 662 من الكوادر الطبية و559 من الإعلاميين. ولا يزال 160,123 شخصًا في عداد المختفين قسريًا، وقُتل 45,032 شخصًا تحت التعذيب.
وتعكس هذه الأرقام حجم الجرائم التي تواجه العدالة الانتقالية، وتبرز التحدي الكبير في محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات ومعالجة آثارها على المجتمع السوري.
ويقول تركماني: إن “الثورة انتهت من حيث المطالبة بإسقاط النظام، ولكن لم تنته المطالب بما يخص محاسبة المجرمين وتحقيق العدالة والمساواة”.
أما الدكتور زين الدين، فيرى أنه إن كان تعريف الثورة هو السعي الكامل نحو التغيير، فإن المرحلة الأولى التي حققتها الثورة كانت إسقاط النظام القمعي والفاسد، لكنها لم تُنهِ مهمتها بعد، فالمهمة العظيمة التي لا تقل أهمية هي بناء دولة العدالة والكرامة والحرية، وترسيخ المؤسسات والمواطنة والمساواة كما حلم بها السوريون ونادوا بها في ثورتهم. وبالتالي، يمكن اعتبار الثورة مستمرة، لكن بأدوات ووسائل مختلفة، حتى تتحقق أهدافها الكبرى بشكل كامل.
ويرى الباحث والصحفي، خالد أبو صلاح، أن سقوط النظام انتصار للثورة السورية وتضحيات أهلها، ولكنه في الوقت نفسه شرط لازم وغير كاف. فالثورات لا تنتصر فقط بهزيمة خصمها، وإنما عندما ينتصر مشروعها، فإسقاط النظام هدفٌ أساسيٌ في سبيل غاية أعظم، وهي بناء نظام يختلف جذريا عن السابق، مبني على الأهداف والمبادئ التي قامت عليها الثورة.
“مسألة انتهاء الثورة، ليس فكرة بسيطة أو سهلة، تتخذ بقرار فردي أو حتى جماعي أحيانًا، الثورات وفق حركة التاريخ، والفلسفة السياسية، لا تنتهِ بمجرد سقوط النظام القديم”.
ويتابع: يشير بعض المفكرين إلى هذه المسألة بوضوح، فحنة أرندت ترى أن النجاح الحقيقي للثورة هو تأسيس فضاء سياسي دستوري دائم يضمن الحرية، وليس مجرد إسقاط النظام، وألكسيس دو توكفيل الذي حلّل الثورة الفرنسية ورأى أن أهم التحديات لنجاح الثورة يكمن في قدرتها على إنشاء مؤسسات مستقرة بعد إسقاط النظام القديم، والمفارقة هنا أن هذا لم يحصل مباشرة بعد انتهاء الثورة الفرنسية رغم أنها أقرت دستورها عام 1791، واستمرت مخاضات الثورة بعد ذلك بسنوات.
ففي أكثر الآراء اعتدالًا، لا يمكن اعتبار أي ثورة أنها انتهت قبل أن تتحول مبادؤها وأهدافها إلى نصوص قانونية في الدستور الدائم الذي سيحكم الدولة الجديدة المنبثقة من روح هذه الثورة، فالثورة هي لحظة تأسيس نظام دستوري جديد، وفي بعض التجارب التاريخية حتى هذه المسألة غير كافية لأن الثورة غالبًا تستمر بعد الدستور في شكل صراع سياسي واجتماعي حول تحقيق مبادئها.
وفي وضعنا الراهن بعد سقوط نظام الأسد، لم تنهِ الثورة بالتأكيد، ومازالت تعيش أول تحدياتها للخلاص من إرث النظام البائد وتأسيس نظام يليق بها وبتضحيات أهلها، بوصفها أحد أعظم ثورات التاريخ المعاصر.
مسار العدالة الانتقالية.. متعثر وغامض
استحضار هذه الذكرى يطرح تساؤلًا حول مسار العدالة الانتقالية في سوريا، وضرورة التزام السلطات الحالية والمجتمع الدولي بضمان المساءلة الفعلية عن الجرائم المرتكبة، وكشف مصير المختفين قسريًا، وإنصاف الضحايا وذويهم.
وهنا يقول الدكتور سمير العبد الله إن المرحلة الحالية تفرض على السوريين التكاتف والتوحد خلف المبادئ التي انطلقت منها الثورة، والعمل من أجل ترسيخ العدالة الانتقالية، وبناء نظام سياسي يقوم على القانون والمواطنة المتساوية، ويمنع عودة الاستبداد بأي شكل، كما أن نجاح المرحلة الانتقالية يتطلب وعيًا بأن بناء الدولة لا يقل صعوبة عن إسقاط النظام، وأن الحفاظ على وحدة المجتمع ومنع الانقسامات شرط أساسي لتحقيق الاستقرار.
ولا يمكن أن يتحقق السلام الحقيقي دون محاسبة عادلة للمتورطين في الجرائم، ودون إصلاح مؤسسات الدولة على أسس تضمن الشفافية والمشاركة واحترام الحقوق.
أما الدكتور عبد المنعم زين الدين يوضح لـ “نون يوست” إن ملف العدالة الانتقالية أي محاسبة المجرمين والقصاص منهم، بحاجة إلى جهود أكبر حيث لم يتبلور إلى الآن كإنجاز حقيقي مرضي للشعب السوري ولذوي الضحايا.
ومن جهته، يرى الخبير في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، أنه كان من المفترض أن يكون ملف العدالة الانتقالية في صدارة أولويات المرحلة الانتقالية. فحجم الانتهاكات التي ارتكبت خلال سنوات الحرب، من قتل وتعذيب واختفاء قسري وتهجير واسع النطاق واستخدام أسلحة كيماوية وصنفت تلك الجرائم كجرائم حرب وجرائم ضد الانسانية مكتملة العناصر وفق نظام روما الأساسي ، يجعل من العدالة الانتقالية شرطًا أساسيًا لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة، وركيزة لا غنى عنها لأي محاولة جدية لإرساء السلم الأهلي وإعادة تأسيس العقد الاجتماعي.
غير أن الواقع حتى الآن يكشف عن مسار متعثر وغامض، لم يتحول بعد إلى مشروع وطني واضح المعالم، فعلى الرغم من الإعلان عن إنشاء الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية لتكون الجهة المسؤولة عن قيادة هذا الملف، إلا أن أداءها حتى اليوم لم ينجح في إقناع الضحايا وذوي المفقودين بأن العدالة الانتقالية قد بدأت فعلًا. فبعد مرور هذه الفترة، ما تزال الأسئلة الجوهرية التي ينتظر السوريون الإجابة عنها معلقة: أين الحقيقة؟ وأين المحاسبة؟ ومتى سيعرف آلاف العائلات مصير أبنائها المفقودين؟
ويتابع: إحدى المشكلات الأساسية التي تعيق تقدم هذا المسار تكمن في غياب رؤية وطنية واضحة لمشروع العدالة الانتقالية في سوريا، فحتى الآن، لم تعلن الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، عن استراتيجية متكاملة تحدد أهداف العملية ومراحلها وآليات تنفيذها. فلا يوجد تصور معلن يوضح طبيعة الجرائم التي ستتم محاسبة مرتكبيها، ولا آليات التحقيق القضائي التي ستُعتمد، ولا خطة واضحة لكشف الحقيقة أو لتعويض الضحايا أو لإصلاح المؤسسات التي ارتبطت بالانتهاكات، وبدلًا من بناء مسار قانوني ومؤسسي واضح، يبدو أن العملية تسير ببطء شديد، دون جدول زمني محدد أو إطار عملي يوضح للسوريين كيف ستتحقق العدالة؟
ويزداد هذا الغموض وضوحًا في ملف كشف الحقيقة، الذي يعد أحد أهم أعمدة العدالة الانتقالية في أي تجربة تاريخية، فسوريا تضم أحد أكبر ملفات الاختفاء القسري في العالم المعاصر، ومع ذلك، لم تبدأ حتى الآن عملية وطنية شاملة لفتح الأرشيف الأمني أو التحقيق في المقابر الجماعية أو إنشاء لجنة حقيقة مستقلة تستمع إلى شهادات الضحايا وتوثق ما جرى. وبغياب هذه الخطوات الأساسية، يبقى ملف الحقيقة مؤجلًا، فيما تستمر آلاف العائلات في انتظار معرفة مصير أحبائها، يضيف الكيلاني.
ولا يقل ملف المحاسبة القضائية أهمية عن كشف الحقيقة، إذ تقوم العدالة الانتقالية في جوهرها على مبدأ عدم الإفلات من العقاب، خصوصًا في الجرائم الكبرى مثل جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية والتعذيب والاختفاء القسري.
لكن حتى اليوم لم تبدأ محاكمات وطنية واسعة لمرتكبي الانتهاكات الكبرى، كما لا يوجد إطار قانوني واضح لمحاكمة هذه الجرائم داخل النظام القضائي السوري، ولا محكمة خاصة أو غرف خاصة بجرائم الحرب يمكن أن تشكل نقطة انطلاق لمسار المحاسبة، وإن استمرار هذا الفراغ القانوني يهدد بتحويل العدالة الانتقالية إلى خطاب سياسي أكثر منه مسارًا قضائيًا حقيقيًا.
أهمية إشراك الضحايا
وأوصت منظمة “هيومن رايتس ووتش“، السلطات السورية وشركائها الدوليين وجميع الدول بإعطاء الأولوية للعدالة الشاملة، وذلك عن طريق دعم العدالة النزيهة والمستقلة للضحايا والناجين من الجرائم الدولية التي ارتكبها جميع الجناة المزعومين خلال النزاع السوري، بصرف النظر عن انتماءاتهم، من خلال إشراك الضحايا والناجين والمجتمع المدني وغيرهم من الخبراء في تصميم مسارات المساءلة المحلية والدولية وتنفيذها.
ويقول هنا المعتصم الكيلاني، إنه يلاحظ أن الضحايا أنفسهم ما يزالون بعيدين عن مركز عملية العدالة الانتقالية، ففي التجارب المقارنة حول العالم، كان الضحايا هم المحور الأساسي لأي عملية كشف للحقيقة والمساءلة، لكن في الحالة السورية لا توجد حتى الآن آلية مؤسسية واضحة لإشراكهم في تصميم هذا المسار أو المشاركة في اتخاذ القرارات المرتبطة به، وهذا التهميش يخلق شعورًا متزايدًا لدى كثير من الضحايا بأن العدالة الانتقالية تُدار من فوق، دون أن تكون نابعة من احتياجات المجتمع الذي عانى من الانتهاكات.
وفي خضم هذا الفراغ المؤسسي، بدأت تظهر ظاهرة تتمثل في تعدد المسارات المرتبطة بالعدالة الانتقالية داخل مؤسسات الدولة، ففي البداية كان الاعتقاد السائد أن قيادة هذا الملف يجب أن تكون حصرًا بيد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، ولذلك دعا العديد من الحقوقيين في بداية المرحلة الانتقالية إلى عدم التسرع في إطلاق مسارات أخرى قبل تهيئة الأرضية المؤسسية والقانونية اللازمة لعمل الهيئة، لكن مع مرور الوقت اتضح أن هذا التقدير لم يكن دقيقًا، إذ بدا أن هذا الجسم المؤسسي لم يتمكن من مواكبة حساسية المرحلة الانتقالية ومتطلباتها.
وبسبب هذا البطء، “بدأنا نلاحظ في الفترة الأخيرة نشاطًا ملموسًا لبعض المؤسسات التنفيذية الأخرى، وعلى رأسها وزارتي العدل والداخلية، في التعامل مع بعض الملفات المرتبطة بالانتهاكات السابقة والتحقيقات المرتبطة بها، ورغم أن هذه الخطوات قد تعكس محاولة لسد الفراغ القائم في ملف العدالة، إلا أنها تطرح إشكالية قانونية أساسية تتعلق بتعدد الجهات التي تتعامل مع الملف دون وجود إطار قانوني جامع ينظم عملها”، بحسب الكيلاني.
ويتابع: العدالة الانتقالية بطبيعتها لا يمكن أن تُدار عبر مبادرات متفرقة أو مسارات مؤسساتية منفصلة، بل تحتاج إلى إطار قانوني موحد يحدد الاختصاصات بوضوح ويضمن التنسيق بين المؤسسات المختلفة ويمنع تضارب الصلاحيات.
ويوضح أن العدالة الانتقالية ليست مجرد ملف إداري أو مرحلة عابرة في مسار التحول السياسي، بل هي عملية تأسيسية لإعادة بناء الدولة والمجتمع بعد فترات الانتهاكات الجسيمة. وفي الحالة السورية، حيث خلفت سنوات الصراع مئات آلاف الضحايا والمفقودين وملايين المتضررين، تصبح العدالة الانتقالية شرطًا لا غنى عنه لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.
ويختتم الكيلاني، بالقول إن استمرار الغموض والتأخر في اتخاذ الخطوات الأساسية قد يؤدي إلى نتيجة خطيرة، ليس فقط بفشل تجربة العدالة الانتقالية، بل بإضاعة فرصة تاريخية لبناء سلام مستدام في سوريا، فالسلم الأهلي لا يقوم على النسيان أو تجاوز الماضي، بل على كشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين وإنصاف الضحايا.
تحديات البناء وآمال المستقبل
وبينما يتلمس السوريون التغيير الملموس في حياتهم اليومية، تبرز التحديات الجسيمة التي تواجه البلاد في رحلتها المعقدة من مرحلة التحرر إلى بناء دولة جديدة ومستقرة، ورغم صعوبة الطريق، فإن التضحيات الكبيرة التي قدمها السوريون تجعل الأمل في بناء وطن حر وعادل ممكنًا، إذا توفرت الإرادة، وتم وضع مصلحة البلاد فوق كل اعتبار، فالثورة التي انطلقت مطالبة بالحرية والكرامة لا يمكن أن تنتهي إلا بقيام دولة تحترم الإنسان وتصون حقوقه، وتحقق ما حلم به السوريون طوال سنوات طويلة من الصبر والتضحيات.
ويقول د. زين الدين إن السوريين مدعوون اليوم إلى استحضار الأهداف التي خرجوا من أجلها في الثورة، والعمل على تجسيدها في مؤسسات الدولة وفي الواقع اليومي للمجتمع، كما يشدد على ضرورة تنقية المؤسسات من آثار الفساد الذي خلّفه النظام السابق، إلى جانب تفعيل دور واسع وكبير للذين حملوا مشعل الثورة وآمنوا بها وبأهدافها كي يكونوا هم من ينفذون تلك الأهداف.
ويشير إلى أن سقوط نظام الأسد أفضى إلى تحولات سياسية واجتماعية ملحوظة في البلاد، وبدء مرحلة من الانفتاح السياسي باتجاه الدول التي كانت منغلقة مع النظام السابق، سواء في الإقليم العربي أو على مستوى الدول الغربية، كما برزت تحولات اقتصادية واجتماعية، من بينها رفع العقوبات وبدء مسار جديد في عمل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش والأجهزة الأمنية وبقية المؤسسات.
ويرى أن البلاد ما تزال تواجه تحديات كبيرة، من أبرزها ملف المعتقلين والمختفين قسريًا الذي لم يُحسم بعد، إضافة إلى صعوبة عودة كثير من اللاجئين في ظل الدمار الواسع الذي طال منازلهم وعدم توفر الظروف المناسبة لعودتهم.
ورغم التحولات التي شهدتها البلاد بعد سقوط النظام، لا يزال ملف عودة النازحين واللاجئين يواجه تحديات كبيرة، في ظل واقع خلفته سنوات الحرب، إذ لا تزال مناطق واسعة من سوريا غارقة في الدمار فالكثير من القرى والبلدات ما تزال تعاني من منازل مهدمة وبنى تحتية شبه غائبة، إلى جانب انتشار الألغام ومخلّفات الحرب، وارتفاع تكاليف إعادة الترميم، ما يجعل عودة كثير من العائلات أمرًا بالغ الصعوبة.
لكن في الوقت ذاته يرى الدكتور عبد المنعم أن هناك أمور نجح بها السوريون بالتعاون مع الدولة كتفًا إلى كتف وهي القضاء على مشاريع التقسيم والانفصال، وأيضًا إعادة سوريا إلى موضعها الحقيقي والطبيعي، ورفع العقوبات وإعادة عجلة الحياة من جديد، وإعادة بناء المؤسسات على أسس سليمة كالأمن والجيش، وإن كان هناك مؤسسات أخرى لا تزال بحاجة إلى جهد وتنقية وعمل كبير كالقضاء والتعليم وغيرها من المؤسسات.
أما تامر تركماني، فيقول: لم يتحقق كل ما طالبنا به حتى الآن، ويوجد العديد من المشكلات التي تحتاج إلى حلول، خاصة وجود بقايا من النظام البائد ضمن مؤسسات الدولة، فيجب على الدولة محاسبة المتورطين بالفساد، ومحاسبة كل من ساهم في ملفات الفساد والرشاوى.
من جهته يقول خالد أبو صلاح إن السوريين ما يزالون بعيدين عن تحقيق الدولة التي حلموا بها، “ولا يزال هناك طريق طويل من الصبر والمثابرة والنضال لانتزاع نموذج الدولة التي نريدها، وفق طموح الثورة ودولتها المنشودة”.
وللحفاظ على مكاسب الثورة لابد للسوريين أن يدفنوا الخوف، ويقتلوا الوهم، ولاشيء يمكن أن يعود بهم إلى ما قبل لحظة التحرير، وإلى ما قبل لحظة 18 آذار 2011.
“وعلينا الحذر من أن نتحول إلى نسخة رديئة من النظام البائد، نبرر ما لا يبرر ونحاجج ونصطف، بنفس المنطق والأسلوب.. الحرية والنقد والتعددية والخلاف في الآراء بديهية سياسية في أي دولة طبيعية، ما بالك في بلد كسوريا قامت فيه الثورة بالأصل على فكرة الفرد الواحد والحزب الواحد والرأي الواحد”.
ويرى أن أبرز التحديات هي عدم السماح بالعودة للماضي وإعادة إنتاج الاستبداد والفساد، وهذا يبدأ من السياسة نفسها، من خلال التأكيد على بديهية أصبح من يتحدث بها يكاد يخرج من الملة وهي أن الشعب هو مصدر السلطات ومصدر الشرعيّة،
وأن العلاقة بين الحاكم والمحكوم ليست تفضّلًا من فوق، بل عقدٌ بين أصيلٍ ووكيل. الأصيل هو الشعب، والوكيل هو من يجلس في الكرسي باسم هذا الشعب، أيًّا كان اسمه وصفته، كل ما عدا ذلك تمهيدٌ ناعمٌ لعودة الاستبداد، ولو تزيّن بأجمل الشعارات. وجميعنا تحت سقف واحد اسمه المواطنة، في بلدٍ واحد اسمه سوريا، يجب أن يستطيع أي إنسانٍ أن يقول فيه ما يريد، دون خوفٍ من سلطة، ولا من مواطنين آخرين يحاولون إسكاته.
ويجب أن لا تتنازل عن حقّك كأصيلٍ وسيّدٍ وصاحبِ هذا البيت، لتعود تابعا ورقمًا في دفتر السلطة من جديد، فإن تنازلنا اليوم عن الكلمة، سنصحو غدًا على صورة تشبه الأمس أكثر مما تشبه حلمنا بسوريا جديدة، يكون فيها الحاكم وكيلًا عن الشعب، وموظّفًا عنده، وخادمًا له.. لا سيّدًا عليه.
ويرى أبو صلاح أن الطريق الذي يسير فيه قطار الحكومة الحالي لن يصل بنا إلى المحطة التي يريدها السوريون وحلموا بها، وستوصلنا في حال استمرّ العناد على هذا المسار إلى لحظات انفجارية جديدة، في ظل شح الموارد وانتشار السلاح والعنف، وغياب القانون وتضييع العدالة، وترسيخ مبدأ الإفلات من العقاب، وانهيار الثقة، وتمزّق النسيج الاجتماعي. ويختتم: أكثر ما نحتاجه هو إعادة ترميم الثقة بمسار المرحلة الانتقالية، وهذا يحتاج إلى مراجعة جريئة وصادقة، لا تقوم على سياسة الإلهاء ولا شراء الوقت.