في 18 مارس/آذار 2026، خرجت الحرب بين “إسرائيل” – أمريكا وإيران عن منطق تبادل الضربات العسكرية إلى مساحة اللعب بالأعصاب الاقتصادية واستهداف المنشآت الحيوية.
فقد شنت “إسرائيل” بالتنسيق مع الولايات المتحدة هجوما على منشأة معالجة الغاز العملاقة بارس في جنوب غرب إيران ما أدى إلى توقف الإنتاج وارتفاع أسعار النفط فوق 108 دولارات للبرميل.
رد مسؤولون إيرانيون أن منشآت الطاقة في “إسرائيل” ستكون ضمن لائحة الرد، فما أبرز المنشآت الحيوية الإسرائيلية التي قد تصبح ضمن أهداف طهران؟
الأهداف الاقتصادية المحتملة في “إسرائيل”
أولاً: الغاز والوقود
الاقتصاد الإسرائيلي قائم على الغاز الطبيعي، إذ أن حوالي 70 % من الكهرباء تُولَّد من الغاز، بينما لا تتجاوز حصة الطاقات المتجددة 15 %.
وتكشف هذه النسبة هشاشة التركيب: ضربة لمنصة غاز واحدة يمكن أن تتدحرج إلى انقطاع واسع في الكهرباء والوقود والصناعة.
1- الحقول البحرية (ليفياثان، تمار، كاريش): حقل ليفياثان ينتج نحو 12 مليار متر مكعب سنويًا ويُصدَّر جزء كبير منه إلى مصر والأردن.
أما حقل تمار، الأقرب للساحل فينتج حوالي 10.2 مليار متر مكعب سنويا، وكان قد أُغلق فور اندلاع الحرب في أكتوبر/تشرين الأول 2023 كإجراء احترازي، ثم جرى استخدام غاز ليفياثان لتعويض النقص.
وأظهرت هذه السابقة أن مجرد التهديد أو سقوط صواريخ في محيط المنصات كافٍ لوقف الإنتاج. فإذا تعطلت هذه الحقول، فلن تُصاب فقط محطات الكهرباء، بل ستنقطع صادرات الغاز التي تعتمد عليها مصر والأردن، ما يخلق أزمة إقليمية.
أما البدائل فهي قليلة وتتمثل في بعض الاحتياطي في حقل تمار أو مخزون الوقود السائل، لكنها تُستخدم لأيام معدودة وتزيد التكلفة بشكل كبير.
2- التكرير.. مصافي حيفا وأشدود: يمثل مجمع بازان في حيفا أكبر مصفاة في “إسرائيل”، وينتج البنزين والديزل وغاز الطهي.
في يونيو/حزيران 2025، أصابت صواريخ إيرانية محطة الطاقة داخل المصفاة، ما أدى إلى مقتل ثلاثة موظفين وتوقف المنشأة، وهو تعطيل تزامن مع توقف ليفياثان وكاريش، مما أجبر محطات الكهرباء على حرق الديزل.
وأكدت وزارة الطاقة وجود مخزون احتياطي وأن مصفاة أشدود لا تزال تعمل، لكن الواقع أن كيان يعتمد على مصفاتين فقط يواجه عنق زجاجة خطير، إذ أن إصابة محتملة لمصافي أشدود ستجبر الحكومة على استيراد الوقود المكرر بالكامل.
واعتبر تقرير حكومي سابق أن حجم مجمع حيفا يجعله هدفًا سهلًا وأنه من الأفضل تفكيكه واستبداله بمرافق تخزين موزَّعة، وهو اعتراف ضمني بأن التركيز الحالي خطير.
3- الخزانات وخطوط النقل: إلى جانب الإنتاج والتكرير، توجد الشبكات التي تربطهما، إذ تدير شركة “بي غليلوت” محطات لتخزين وتوزيع الوقود في القدس وأشدود وبئر السبع.
هذه العقد غير معروفة للرأي العام لكنها توزع البنزين والديزل على أغلب محطات الوقود وجيش الاحتلال، ولذلك فإن ضربة تستهدف خزانا رئيسيا أو محطة ضخ قد توقف التوزيع المحلي وتخلق شحًا سريعًا.
4- خط إيلات–أشكلون (EAPC): هذا الخط النفطي يربط البحر الأحمر بالبحر المتوسط ويشكل بديلًا لقناة السويس.
وسعت حكومة الاحتلال مؤخرا لرفع سقف الشحنات عبر مرفأ إيلات إلى “عشرات الملايين من الأطنان” بهدف تأمين إمدادات النفط إذا أغلق الحوثيون البحر الأحمر. لكن هذا يعني أن خط الأنابيب ومحطة إيلات أصبحتا عقدة استراتيجية واحدة، إذ أن ضربها يقطع طريقًا بديلًا ويقفل منفذ النفط في حال تعطلت الموانئ المتوسطية.
نوع الصدمة: النقص في الغاز يضرب الكهرباء والوقود، تعطل المصافي والخزانات يخلق أزمة محروقات، وانقطاع خط الأنابيب يوقف واردات النفط.
وفيما يخص البدائل فهي موجودة لكنها محدودة ومكلفة، لذا فإن التهديد المستمر قد يرفع أسعار الطاقة ويجبر المستهلكين على التخزين وتكبيد حكومة الاحتلال أعباء مالية قبل وقوع الضربة.
ثانيًا: المنشآت البحرية والجوية
“إسرائيل” كيان بحري بامتياز، إذ أن نحو 99 % من تجارتها تمر عبر البحر، وهو اعتماد يجعل الموانئ والسفن والتأمين حلقات حساسة. ولا يكمن الخطر هنا فقط في حدوث قصف مباشر، فالاقتصاد يتألم أيضًا من ارتفاع تكاليف التأمين وتردد شركات الشحن والطيران.
1- الموانئ (حيفا، أشدود، إيلات): خلال التصعيد مع حزب الله في سبتمبر/أيلول 2024 أكدت السلطات أن الموانئ تعمل بكامل طاقتها بفضل نظام دفاع متعدد الطبقات.
لكن تحذيرات صادرة عن جهات أمنية بحرية قالت إن تهديدًا متزامنًا من الحوثيين وحزب الله يمكن أن يعرّض الموانئ في حيفا وأشدود وحضيرة أشكلون للخطر.
وفي يونيو/حزيران 2025، علقت شركة ميرسك الشحن البحري إلى ميناء حيفا بعد ضربات إيرانية، ما يؤكد أن شركات الشحن تفضّل السلامة على الالتزامات التعاقدية.
وقد رفعت الحرب أقساط التأمين على الشحنات إلى ثلاثة أضعاف، وتسببت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر في ارتفاع أقساط المرور عبر الممرات البحرية. والنتيجة: حتى دون إصابة ميناء، يعاني الاقتصاد من تأخير الشحن، ارتفاع تكاليف الواردات، واحتمال نفاد السلع في مخازن التجزئة.
2- المرافئ النفطية: إلى جانب الموانئ التجارية، هناك مرافق لتفريغ النفط الخام ومنتجاته. فخط إيلات–أشكلون مثلا يمنح “إسرائيل” منفذًا في البحر الأحمر، لكن محطات التخزين والتفريغ تظل هدفًا سهلًا. ولذلك فإن ضربة محدودة قد توقف شحنات النفط، ما ينعكس على المصافي والطاقة.
3- المطارات والشحن الجوي: في 4 مايو/أيار 2025 سقط صاروخ حوثي قرب مطار بن غوريون، مما أدى إلى حالة هلع وتعليق شركات طيران عالمية لرحلاتها.
وأظهر هذا الحدث أن إصابة محيط المطار، ولو بضرر محدود، كافية لتعليق الرحلات وإرباك شبكة النقل الجوي. ولا يقع المطار في قلب الاقتصاد، لكنه بوابة للمال والأعمال والتكنولوجيا والسياحة.
ومن هنا فإن التهديد المستمر يرفع أقساط التأمين على الطائرات ويجبر شركات الطيران على إعادة تقييم الخطوط، ما يضرب صورة “الحياة الطبيعية” ويخلق صدمة نفسية واستثمارية.
نوع الصدمة في هذا المحور: اختناق في التجارة الخارجية وارتفاع في تكاليف الاستيراد والتصدير، مصحوب بضغط على سلاسل الإمداد ونقص في السلع الأساسية. كما أن مجرد التهديد يجعل شركات الملاحة والطيران تحول مساراتها، وبالتالي تصبح الضربة الاقتصادية ممتدة زمنياً.
ثالثًا: الكهرباء والمياه
تحويل الحرب إلى المنشآت المدنية يتجلى بشدة في قطاعي الكهرباء والمياه، حيث تترابط شبكة الطاقة والتحلية والضخ بشكل عضوي، ولذلك فإن ضرب خط أو محطة هنا لا يخلق فقط مشكلة تقنية، بل يهدد الحياة اليومية.
1- شبكة الكهرباء ومحطات التوليد: شركة الكهرباء الإسرائيلية نشرت مولدات احتياطية في أنحاء “إسرائيل” منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023.
وصرحت مسؤولة العمليات بأن المولد الاحتياطي يمكنه إعادة التيار خلال سبع دقائق إذا أصيبت إحدى المحطات. لكن المشكلة تكمن في محطات التحويل الصغيرة التي تنقل الكهرباء للأحياء، إذ أن إصابتها المتزامنة يمكن أن تؤدي إلى انقطاع التيار لعدة أيام.
وتذهب الأولويات في حالة الطوارئ للمستشفيات ومحطات التحلية، ما يعنى أن الأحياء السكنية قد تغرق في الظلام.
وتهدف خطط “الشبكات الصغيرة” إلى فصل بعض المناطق عن الشبكة المحلية وتشغيلها بالطاقة الشمسية والبطاريات، لكن هذا المشروع ما زال في طور التنفيذ.
2- منشآت التحلية: يعتمد نحو 80 % من مياه الشرب في “إسرائيل” على التحلية، حيث تنتج خمسة مصانع حوالي 600 مليون متر مكعب سنويًا.
وأوضحت صحيفة غلوبس العبرية الاقتصادية أن هذه تستهلك حوالي 5 % من إجمالي الطاقة المحلية، ما يعنى أن الماء مرتبط بالكهرباء.
وقد ملأت شركة مكوروت، المسؤولة عن المياه، خزاناتها ونصبت نظام طاقة احتياطية يمكنه توفير الماء أسبوعًا في حال انقطعت الكهرباء، لكن تعطل محطة تحلية أو انقطاع التيار لفترة أطول سيؤدي إلى انقطاع الماء عن ملايين الإسرائيليين.
نوع الصدمة في هذا المحور: توقف الكهرباء يعني شللًا فوريًا للمنازل والمستشفيات والصناعة، أما ضرب منشآت التحلية فيعني أزمة مياه معيشية يصعب تعويضها عبر الآبار أو الواردات. البدائل هنا محدودة جدًا، والتهديد المستمر قد يدفع الإسرائيليين إلى تخزين المياه ويخلق حالة هلع.
وفي المحصلة، عندما ننظر إلى خريطة الاختناق الاقتصادي نجد ثلاث حلقات متداخلة. حلقة الغاز والوقود هي الأصعب والأكثر حساسية: عدد محدود من الحقول ومحطتين فقط للتكرير وشبكة تخزين مركزة؛ تعطيل واحد يجر آخر، ويؤدي إلى صدمات في الكهرباء والصناعة وتصدير الغاز.
حلقة الموانئ والمطارات تأتي في المرتبة الثانية: الاقتصاد الإسرائيلي يعتمد كليًا على البحر، وأي تهديد للملاحة أو المطار يرفع التكلفة ويبطئ التدفق، لكن البدائل (تحويل المسارات أو زيادة المخزون) متاحة وإن كانت مكلفة.
حلقة الكهرباء والمياه هي الحلقة التي تمس الحياة مباشرة؛ لكن نظام الاحتياط والتوزيع لديه بعض القدرة على الصمود ليوم أو أسبوع، ثم ينهار إذا طال التعطيل.