ترجمة وتحرير: نون بوست
“سأدخل وأستولي عليها”، كلمة “عليها” تشير هنا إلى جزيرة “خارك” الإيرانية، أما المتكلم هنا فهو دونالد ترامب، لكن تعليقه حول محطة النفط الإيرانية الحيوية هذه جاء في عام 1988 عندما كان مجرد رجل أعمال. وبعد أربعة عقود، يدرس الرئيس الأمريكي ما إذا كان سينفذ وعيده القديم في خطوة من شأنها أن تشكل تصعيدًا كبيرًا في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد الجمهورية الإسلامية. والآن، كما كان الحال في ذلك الوقت، فإن الفكرة القائلة إن الاستيلاء على هذا الموقع من شأنه أن يُخضِع طهران بطريقة أو بأخرى هي مجرد ضرب من الخيال.
دعونا نضع جانبًا مسألة ما إذا كان الاستيلاء على الجزيرة – والأهم من ذلك، الاحتفاظ بها – أمرًا ممكنًا من الناحية العملية. بالعودة إلى أواخر الثمانينيات، كان ترامب يعتقد أن الأمر سيكون سهلًا، حيث قال: “رصاصة واحدة تُطلق على أحد رجالنا أو سفننا وسألحق دمارًا هائلًا بجزيرة خارك”. وبعد قصف أهداف عسكرية في الجزيرة في وقت سابق من هذا الشهر، يحتفظ ترامب بنواياه لنفسه حول ما إذا كان سيمضي إلى أبعد من ذلك. ويبدو أن البيت الأبيض يعتقد أن المحطة النفطية قد تكون ورقة مساومة لإجبار إيران على إعادة فتح مضيق هرمز. وقال ترامب يوم الجمعة الماضي عندما سُئل عن الاستيلاء على جزيرة خارك: “ربما تكون لدي خطة وربما لا”.
حتى من دون الخوض في نقاش حول مخاطر نشر قوات أمريكية داخل الأراضي الإيرانية، فإن الأمر يستحق النظر في ما توفره جزيرة خارك بالضبط، وقيمتها الفعلية بالنسبة للنظام في طهران. وخلافًا للاعتقاد الشائع، فإن جزيرة خارك – التي تبلغ مساحتها نحو نصف مساحة جزيرة مانهاتن وتبعد حوالي 25 كيلومترًا (15.5 ميلًا) عن البر الرئيسي الإيراني – ليست الصمام الوحيد لقطاع البترول الضخم في الجمهورية الإسلامية، فلدى طهران محطات نفطية أخرى. صحيح أن أيًا منها لا يضاهي السعة الاستيعابية للجزيرة، ولكنها ستوفر في حالات الطوارئ منافذ بديلة تسمح لإيران بتصدير بعض البراميل، وعلى الرغم من أن الكمية قد لا تكون كبيرة، إلا أن القليل منها يمكن أن يُحدث فرقًا جوهريًا في أوقات الحرب.
الولايات المتحدة تشن ضربات على جزيرة خارك
الرئيس ترامب يهدد بضرب الأصول النفطية إذا واصلت إيران إعاقة حركة الشحن عبر مضيق هرمز
في العادة، تستحوذ جزيرة خارك على 90 بالمائة من صادرات إيران من النفط الخام، والتي تكون عادة في حدود 1.7 مليون برميل يوميًا. وتستفيد الجزيرة من قربها من حقول النفط البرية العملاقة في البلاد، ومن الأرصفة البحرية العميقة، وسعة التخزين الضخمة، فضلًا عن القدرة على تحميل الناقلات بسرعة. ولهذا السبب تفضلها إيران.
لكن هناك محطات أخرى لتصدير النفط الخام مثل ميناء “جاسك”، الذي يكتسب أهميته من موقعه على بحر العرب خارج مضيق هرمز المتنازع عليه. وقد قامت إيران مؤخرًا بتحميل ناقلة نفط هناك، ومن المحتمل أن يتمكن النظام من تصدير حوالي 300 ألف برميل منه يوميًا. وتشمل المحطات الأخرى جزيرة “لاوان” وجزيرة “سيري” و”قشم”، وكلها تقع داخل مياه الخليج العربي. وتُصدر هذه المحطات كميات أقل، لكنها ربما تستطيع مجتمعة تدبير تصدير ما بين 200 إلى 300 ألف برميل يوميًا.
حتى لو جُمِعت هذه المواقع معًا، فإنها لا تضاهي قدرات جزيرة خارك. ففي أحسن الأحوال، يمكنها على الأرجح تقديم ربع ما توفره الجزيرة. ومع ذلك، يمكن لإيران استخدامها للحفاظ على استمرار تدفق أقل للنفط، والذي ربما يكون كافيًا لدعم مجهودها الحربي. وإذا كنا قد تعلمنا شيئًا واحدًا من سنوات “الضغوط القصوى” الأمريكية على قطاع النفط الإيراني، فهو سعة حيلة طهران وقدرتها على التدبر؛ فعندما يُحشر النظام في الزاوية، فإنه عادة ما يفاجئ الجميع بنتائج إيجابية تفوق التوقعات.
كما تُصدّر البلاد مواد نفطيّة أخرى تُعرف باسم “سوائل الغاز الطبيعي”، وهي مادة خام ذات قيمة عالية في صناعة البتروكيماويات. وتبيع أيضًا منتجات مكررة مهمة مثل زيت الوقود، وغاز البترول المسال، والنافثا. وإذا جمعنا هذه المنتجات معًا، فإنها تشكل مليون برميل إضافي يوميًا، تأتي في الغالب من مزيج من ثلاث محطات: عسلوية، وبندر ماهشهر، وعبادان. وهي تدر مليارات الدولارات سنويًا، رغم أنها تحظى باهتمام أقل بكثير من جزيرة خارك. وتُعد “سوائل الغاز الطبيعي” من أكثر صادرات إيران ربحية بعد النفط الخام والغاز الطبيعي.
إجمالي إنتاج النفط الإيراني يسجل أعلى مستوى له منذ 46 عامًا
طهران تضخ كميات من البترول تفوق ما يُعترف به عادة، وذلك بفضل الطفرة في إنتاج ما يُعرف بالمكثفات وسوائل الغاز الطبيعي
من أجل خنق شريان الحياة لإيران المتمثل في “البترودولار” — أو “البترويوان” — بشكل حقيقي، لن يتعين على ترامب الاستيلاء على جزيرة خارك فحسب بل سيحتاج إلى السيطرة على المحطات الأخرى أيضًا، والقيام بذلك في وقت واحد. وأي إجراء دون ذلك سيترك لإيران القدرة على تصدير بعض النفط. ويُظهر لنا التاريخ أنها تستطيع الصمود في وجه فترات طويلة من انخفاض الصادرات البترولية.
والأهم من ذلك أنها دخلت الحرب من موقع قوة من حيث الموارد، حيث بلغ إجمالي إنتاج السوائل النفطية أعلى مستوى له منذ 46 عامًا، بما يقارب 5 ملايين برميل يوميًا. وقد تُرجم ذلك إلى ازدهار في المبيعات الخارجية حيث ارتفعت صادراتها من النفط الخام في الشهر الماضي إلى أعلى مستوى لها منذ ثماني سنوات لتبلغ 2.2 مليون برميل يوميًا، بالإضافة إلى تصديرها مليون برميل يوميًا إضافية من السوائل النفطية والمنتجات المكررة الأخرى.
وبالعودة إلى الفترة ما بين عامي 2020 و2021، عندما أطلق ترامب حملة “الضغوط القصوى” التي تضمنت عقوبات نفطية، انخفضت صادرات النفط الخام الإيرانية إلى أقل من 250 ألف برميل يوميًا لعدة أشهر. وحتى مع الأخذ في الاعتبار تسرب بعض الصادرات بعيدًا عن الرقابة، فإن شحنات النفط الخام الخارجية للبلاد لم تتجاوز 750 ألف برميل يوميًا لأكثر من 24 شهرًا بين أوائل عام 2020 ومنتصف عام 2022.
على الرغم من المعاناة المالية، إلا أن طهران لم تستسلم. وتوقّع رضوخها اليوم، حتى لو تمكن ترامب من إجبار صادراتها على الانخفاض بنسبة 90 بالمائة مرة أخرى، يُعد تجاهلًا لدروس الماضي. وعلى عكس الجمهورية الإسلامية، فإن البيت الأبيض لا يمتلك رفاهية الوقت؛ فهو يحتاج إلى إعادة فتح مضيق هرمز في غضون أيام، أو في أسوأ الأحوال، أسابيع. ولا يملك ترامب أشهرًا لزيادة الضغط على إيران لحملها على قبول اتفاق، فبحلول ذلك الوقت، سيكون الاقتصاد العالمي قد انهار تحت وطأة الارتفاع الجنوني في أسعار النفط.
إيران لم تستسلم حتى عندما انهارت صادراتها النفطية
سياسة “الضغوط القصوى” ضد مبيعات طهران النفطية من 2018 إلى 2021 لم تؤدِّ إلى إحداث تغيير في سلوك الجمهورية الإسلامية.
بطبيعة الحال، يمكن للولايات المتحدة وقف جميع صادرات النفط الإيرانية دون الحاجة إلى الاستيلاء على جزيرة خارك أو غيرها من المحطات. يمكنها فرض حظر شامل، وإيقاف أي ناقلة تحمل النفط الإيراني. ولكنني أتساءل مرة أخرى عما إذا كان ذلك سيفلح بالسرعة الكافية لإجبار طهران على الاستسلام قبل أن تصل أسعار النفط الخام إلى مستويات لا يمكن تحملها. ومن المؤكد أن طهران افترضت مسبقًا أنها لن تكون قادرة على تصدير برميل واحد في حال نشوب حرب مع الولايات المتحدة.
وإذا كان هناك من شيء يبعث على الدهشة، فهو قدرتها المستمرة على تحميل الناقلات وشحنها عبر مضيق هرمز دون عوائق لابد وأن يشكل مفاجأة إيجابية للمخططين العسكريين الإيرانيين. أما الهدية الأكبر فهي رفع واشنطن للعقوبات المفروضة على النفط الإيراني لمدة 30 يومًا. ومع دخول الحرب أسبوعها الرابع، صدّرت إيران ما لا يقل عن 1.5 مليون برميل يوميًا من النفط الخام والمنتجات الأخرى. وبافتراض أن متوسط السعر هو 80 دولارًا للبرميل، فإن ذلك يعادل 2.5 مليار دولار، وهو مبلغ أشك في أن طهران كانت تتوقعه عندما بدأ القصف.
بحلول هذا الوقت، تدرك إدارة ترامب أن التهديد بالانتقام أمر حقيقي أيضًا. فإذا تعرضت البنية التحتية النفطية الإيرانية للهجوم، فسوف ترد بضرب مواقع الطاقة في الدول المجاورة. ويقول دانيس سيترينوفيتش، من معهد دراسات الأمن القومي في تل أبيب، إن سياسة إيران تتلخص في التالي: “مهما فعلتم بنا، فسنفعل بكم المثل — وأكثر”.
لقد أبهرت جزيرة خارك ترامب لمدة 40 عامًا، ومن المؤسف أن هذا الانبهار لا يتضمن فهمًا دقيقًا لما تقدمه هذه الجزيرة لإيران وكيف يمكن للنظام أن يتدبر أمره بدونها. وربما لهذا السبب هدد الجزيرة يوم الجمعة، وبحلول يوم السبت غيّر وجهته وأعطى إيران بدلًا من ذلك إنذارًا نهائيًا مدته 48 ساعة لإعادة فتح المضيق أو مواجهة هجوم على شبكة الكهرباء الخاصة بها. وكما هو الحال غالبًا مع الرئيس الأمريكي، فإن الفشل في استيعاب دروس الماضي قد يؤدي إلى اتخاذ قرارات مؤسفة.
المصدر: بلومبيرغ