في اللحظة التي كان فيها الجميع يترقب انتهاء مهلة التهديد الأمريكي بضرب محطات الطاقة الإيرانية إذا لم يُفتح مضيق هرمز بالكامل، خرج الرئيس دونالد ترامب بمنشور مفاجئ على منصة “تروث سوشيال” ليعلن وجود مفاوضات جادة مع طهران، ويقرر على إثر ذلك تأجيل الهجوم خمسة أيام.
سبق هذا التأجيل مناخ كثيف من الترقب والقلق، في ظل ما أظهرته طهران من قدر كبير من الندية في ردها، بعدما رفعت مبكرًا مبدأ “المعاملة بالمثل” على قاعدة استهداف مصادر الطاقة مقابل مصادر الطاقة، وهي المعادلة التي سعت من خلالها إلى تكريس ردع متبادل منذ اندلاع الحرب، بما أربك حسابات أسواق الطاقة العالمية ودفعها إلى حافة اضطراب واسع.
اللافت هنا أن طهران سارعت إلى نفي الرواية التي استند إليها ترامب في تبرير قراره، مؤكدة أنها لم تدخل في أي تواصل أو تفاوض مع واشنطن، وأن تأجيل الهجوم لم يكن ثمرة مسار دبلوماسي كما حاول الرئيس الأمريكي الإيحاء، بل نتيجة مباشرة للضغوط التي فرضتها التهديدات الإيرانية بإشعال سوق الطاقة الإقليمي إذا تعرضت منشآتها الطاقوية للاستهداف.
الرئيس الأمريكي دونالد ترامب:
• أجرينا محادثات مع إيران على مدى اليومين الماضيين كانت جيدة ومثمرة للغاية بشأن التوصل إلى حل كامل وشامل لأعمالنا العدائية في الشرق الأوسط.
• أصدرت أوامر بتأجيل جميع الضربات ضد محطات الطاقة والبنية التحتية للطاقة الإيرانية لمدة 5 أيام.
— نون بوست (@NoonPost) March 23, 2026
ومن هنا، فإن التناقض الصارخ بين السرديتين لا يطرح فقط تساؤلات حول حقيقة ما جرى خلف الكواليس، بل يفتح الباب أيضًا أمام قراءة أوسع لاحتمالات تراجع ترامب عن تهديداته، وبهذه الكيفية، وما إذا كانت هذه الخطوة تحرك حقيقي نحو التهدئة، ومحاولة عملية للنزول من فوق الشجرة، أم لا تعدو كونها مجرد مناورة سياسية وخداعية لكسب الوقت، وترتيب مفاجآت ميدانية، وتجهيز بنك أهداف أكثر دقة لمرحلة قد تكون أشد خطورة في مسار المواجهة.
السياق العام
يكشف السياق العام الذي صدرت فيه تصريحات ترامب، سواء تلك المتعلقة بمهلة الثماني والأربعين ساعة أو بتمديدها لاحقًا إلى خمسة أيام، جانبًا مهمًا من الدوافع غير المعلنة وراء هذا القرار المفاجئ، فهذه المهلة لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت مع تصعيد إيراني يمكن اعتباره من الأعنف منذ اندلاع الحرب، بعدما تمكنت طهران من إلحاق خسائر كبيرة بدولة الاحتلال في الأرواح والممتلكات، فضلًا عن توسيع كلفة المواجهة عبر استهداف سلسلة من الأهداف العسكرية والطاقوية في دول الخليج، بما نقل الصراع إلى مستوى أكثر اتساعًا وتعقيدًا.
يأتي هذا التصعيد ليفند عمليًا الخطاب الذي روّج له ترامب حين تحدث عن تدمير كامل القدرات العسكرية الإيرانية، وادعى أن طهران باتت خارج معادلات الإقليم وعلى شفا الانهيار، إذ أظهرت التطورات الميدانية عكس ذلك تمامًا، واضعة الرئيس الأمريكي في مأزق سياسي وعسكري حقيقي، لا سيما في ظل تقديرات متزايدة تؤكد أن إيران ما تزال تمتلك من المخزون الصاروخي والمسيراتي ما يكفي لإطالة أمد الحرب ورفع كلفتها، بل وإحراج الولايات المتحدة بصورة كبيرة إذا استمر التصعيد على هذا النحو.
في خضم هذا التصعيد الإيراني الاستثنائي، وتحت وطأة الضغوط التي يتعرض لها ترامب من جانب الحكومة الإسرائيلية، التي تكبدت بدورها خسائر ثقيلة خلال الأيام الثلاثة الماضية، خاصة في ديمونة وعراد، جاءت مهلة الثماني والأربعين ساعة، جرى تمديدها إلى خمسة أيام إضافية، ما طرح الكثير من التساؤلات حول الدوافع والمآلات.
ترامب يؤكد وطهران تنفي
كشف ترامب في تصريحاته عن مسار تفاوضي قال إنه جرى بين واشنطن وطهران خلال اليومين الماضيين، مشيرًا إلى حضور ممثلين عن النظام الإيراني في تلك الاتصالات، فيما نقلت وسائل إعلام أمريكية عن مسؤولين في الإدارة الأمريكية دراسة فريق ترامب احتمالات الانفتاح على رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف بوصفه شريكًا محتملًا في أي ترتيبات سياسية مقبلة، بل وكموقع يمكن البناء عليه في مرحلة ما بعد التصعيد، في ظل تقديرات داخل بعض دوائر البيت الأبيض ترى فيه شخصية براغماتية قادرة على إدارة مسار تفاوضي معقد في المرحلة المقبلة.
في المقابل، سارعت طهران إلى نفي الرواية الأمريكية برمتها، إذ نفى كل من المتحدث باسم الخارجية الإيرانية ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وجود أي مفاوضات مباشرة مع واشنطن، واعتبرا تصريحات ترامب مجرد “أخبار كاذبة” هدفها مساعدة الولايات المتحدة وإسرائيل على الخروج من مأزقهما السياسي والعسكري.
غير أن الموقف الإيراني لم يغلق الباب كاملًا أمام وجود قنوات اتصال غير مباشرة، إذ أوضحت الخارجية الإيرانية أن ما جرى لا يتجاوز حدود تبادل الرسائل عبر دول صديقة، وأن الرد الإيراني على تلك الرسائل جاء منسجمًا مع مواقفه المبدئية، ومصحوبًا بتحذير واضح من “عواقب وخيمة” لأي استهداف للبنية التحتية الإيرانية.
وصول قوات #المارينز إلى الشرق الأوسط يطرح سؤالًا كبيرًا: هل نحن أمام عملية محدودة أم بداية تصعيد خطير في الحرب مع #إيران؟
🔴 التفاصيل في هذا المقال لـ @Emad_Ananhttps://t.co/vENzaRtkOn
— نون بوست (@NoonPost) March 15, 2026
لماذا لا يثق الإيرانيون في ترامب؟
لم تتعامل طهران مع تصريحات ترامب بشأن تمديد المهلة أو الحديث عن مسار تفاوضي ينتهي إلى اتفاق مع واشنطن باعتبارها مؤشرات موثوقة على اقتراب نهاية الحرب، بل استقبلتها داخل دوائر واسعة من النظام الإيراني بقدر كبير من الريبة والحذر، في ظل تيار مؤثر يشكك أصلًا في جدية هذا الطرح ويراه جزءًا من لعبة الضغوط والمناورات أكثر منه تحولًا حقيقيًا نحو التسوية.
يعود هذا القدر من انعدام الثقة إلى خبرات سابقة لا تزال حاضرة بقوة في الذاكرة الإيرانية، إذ ترى طهران أن واشنطن سبق أن لجأت إلى التصعيد العسكري في ذروة مسارات تفاوضية قائمة، سواء خلال حرب يونيو/حزيران الماضي أو في سياق الحرب الحالية، بما رسّخ داخل بنية النظام قناعة مفادها أن الخطاب الأمريكي عن التفاوض لا ينفصل بالضرورة عن التحضير لعمل عسكري، بل قد يشكل أحيانًا غطاءً سياسيًا له.
من هذا المنطلق، جاء موقف الحرس الثوري متشددًا في الدفع نحو مواصلة التصعيد، من دون إعطاء وزن للتصريحات الأمريكية، انطلاقًا من اعتبارها محاولة لكسب الوقت، وإعادة ترتيب الجبهة الداخلية الأمريكية–الإسرائيلية، وامتصاص آثار الخسائر التي تكبدها الطرفان خلال الأيام القليلة الماضية.
4 قراءات رئيسية
ثمة أربع قراءات رئيسية تحكم الجدل المثار حول تصريحات ترامب، سواء ما تعلق منها بتمديد المهلة أو بالتلميح إلى اقتراب التوصل لاتفاق مع طهران، وهي قراءات تعكس في مجملها حجم الالتباس الذي يلف الموقف الأمريكي، وتكشف أن ما يجري لا يُقرأ فقط من زاوية التصريحات المعلنة، بل أيضًا من زاوية التوقيت والدوافع والنتائج المحتملة.
القراءة الأولى.. محاولة ترامب “القفز من فوق الشجرة”، والبحث عن مخرج سياسي من تصعيد باتت كلفته تتجاوز المكاسب المرجوة منه، ويستند أصحاب هذا التقدير إلى أن الرئيس الأمريكي بات محاصرًا بضغوط داخلية وخارجية متزايدة، في ظل حرب أخذت تبدو أكثر عبثية من حيث الأهداف والمسارات، ومع تصاعد الخسائر في الأرواح والممتلكات، واتساع التداعيات الكارثية على أسواق الطاقة، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصاد الأمريكي ومعيشة المواطن.
ووفق هذا المنظور، فإن ترامب يسعى إلى التهدئة لا انطلاقًا من تحول استراتيجي عميق، بل رغبة في الهبوط من ذروة التصعيد بأقل قدر من الخسائر، عبر صناعة انتصار سياسي أو تفاوضي يمكن تسويقه داخليًا، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نهاية العام.
القراءة الثانية.. محاولة كسب المزيد من الوقت من أجل إعادة ترتيب المشهد العسكري والسياسي، ويستند أنصار هذا الطرح إلى ما تشهده ساحة المواجهة من مؤشرات توحي بأن مهلة الأيام الخمسة قد تكون نافذة زمنية لإعادة بناء الجاهزية الأمريكية والإسرائيلية، مع وصول إمدادات عسكرية إضافية إلى المنطقة، ودفع بطاريات دفاع جوي جديدة، وإعادة نشر منظومات الحماية في القواعد الأمريكية، وتعويض ما تم تدميره أو استنزافه من قدرات دفاعية خلال الأيام الماضية.
كما تتيح هذه المهلة، بحسب هذا التصور، فرصة لتعزيز الدفاعات الجوية الإسرائيلية التي بدت مرهقة ومستنزفة، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة قد يعلن فيها ترامب فشل المفاوضات واتهام الإيرانيين بعدم تقديم أي تنازلات، بما يفتح الباب أمام خيارات أكثر خطورة، من استهداف منشآت الطاقة الإيرانية إلى توسيع نطاق العمليات العسكرية، سواء عبر السيطرة على جزيرة خارك، أو التدخل المباشر لتأمين مضيق هرمز، أو حتى الدفع نحو سيناريو إسقاط النظام بالقوة.
#ترامب يمدد المهلة.. و #إيران تتمسك بـ”المعاملة بالمثل”.
فهل نحن أمام فرصة أخيرة للتهدئة، أم مجرد تأجيل لانفجار أكبر قد يطال #هرمز و #باب_المندب وأسواق #الطاقة العالمية؟#الحرب_الأمريكية_ضد_إيران https://t.co/WUkxTbyoh5— نون بوست (@NoonPost) March 23, 2026
القراءة الثالثة.. تقليل فاتورة الحرب اقتصاديًا إلى الحد الأدنى، لا سيما في ما يتعلق بانعكاساتها على الأسواق الأمريكية والعالمية، فتصريحات ترامب السابقة بشأن استهداف محطات الطاقة الإيرانية أدت بالفعل إلى ارتفاع أسعار النفط، وسط مخاوف من موجة هلع واسعة في أسواق الأسهم مع بداية الأسبوع.
ومن هنا، يُفهم قرار التأجيل، الذي صدر قبل ساعات قليلة من انطلاق التداول في “وول ستريت”، باعتباره خطوة تستهدف بالأساس تهدئة الذعر المالي واحتواء الخسائر، خصوصًا أن متوسط خسائر السوق الأمريكية منذ بداية الحرب في نهاية فبراير/شباط يقترب من 10%.
ويعزز هذا التفسير أن مهلة الأيام الخمسة نفسها تنتهي مساء الجمعة، أي بالتزامن مع إغلاق البورصة وبدء العطلة الأسبوعية، بما يوحي بأن الاعتبار الاقتصادي كان حاضرًا بقوة في حسابات القرار، وفي هذا السياق، جاءت إشارة السيناتور كريس ميرفي معبرة عن هذا المعنى حين اعتبر أن الرسالة لم تكن موجهة إلى إيران بقدر ما كانت رسالة طمأنة مذعورة إلى الأسواق، مفادها أن التصعيد لن ينفجر قبل إغلاق التداولات نهاية الأسبوع.
القراءة الرابعة.. استهداف الجبهة الداخلية، وتنطلق تلك القراءة من أن ما يثار حول رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف لا يندرج فقط في إطار التسريبات السياسية العابرة، بل قد يكون جزءًا من محاولة مركزة لاستهداف الجبهة الداخلية الإيرانية من الداخل، عبر زرع الشكوك وإثارة التنافس داخل بنية النظام نفسه.
فطرح اسم قاليباف بوصفه شريكًا محتملًا في أي ترتيبات سياسية مقبلة، أو حتى كشخصية يمكن البناء عليها في مرحلة لاحقة، يحمل في طياته رسالة تتجاوز الخارج إلى الداخل الإيراني، حتى وإن سارع الرجل إلى نفي هذه الرواية.
ومن هذا المنظور، فإن مثل هذا الطرح يمكن أن يسهم في إرباك التوازنات داخل النظام، ويفتح الباب أمام تصاعد الشكوك وصراعات النفوذ بين مراكز القوة المختلفة داخل الجسد السياسي الإيراني، بما يؤدي إلى إضعاف تماسكه في لحظة حرب وضغط استثنائيين.
وعليه، تبدو هذه القراءة أقرب إلى اعتبار الحديث عن قاليباف أداة ضمن حرب نفسية وسياسية تستهدف تفتيت اللحمة الداخلية للنظام، ودفعه إلى الانشغال بصراعاته البينية، على نحو يخدم، في نهاية المطاف، الهدف الأكبر الذي سعت إليه إدارة ترامب وحكومة نتنياهو منذ بداية الحرب، والمتمثل في تقويض النظام الإيراني من الداخل وتهيئة الظروف لإسقاطه.
وتتقاطع تلك القراءات الأربعة على اختلاف منطلقاتها، عند نقطة واحدة، هي أن ما صدر عن ترامب لا يمكن فصله عن حالة الارتباك العميق التي تحكم إدارة هذه المواجهة، وأن قرار التمديد، سواء كان تعبيرًا عن رغبة في التهدئة، أو مناورة لكسب الوقت، أو محاولة لحماية الأسواق من الانهيار، يظل مؤشرًا على أن واشنطن لم تحسم بعد شكل المرحلة المقبلة، وأن باب المفاجآت لا يزال مفتوحًا على مصراعيه.
لماذا تنكر طهران التفاوض مع واشنطن؟
عمليًا، لا تبدو طهران معنية بإطالة أمد الحرب إلى ما لا نهاية، في ضوء ما تتكبده من خسائر كبيرة، حتى وإن سعت إلى موازنة تلك الكلفة عبر إلحاق خسائر مقابلة بالإسرائيليين والأمريكيين وبمصالحهما المنتشرة في المنطقة، ومع ذلك، فإن قدرة إيران على مواصلة التصعيد المفتوح، من دون أفق زمني أو سياسي واضح، تظل مسألة غير محسومة.
وفي ضوء المؤشرات والتصريحات الأخيرة، يبدو أن هناك قنوات تواصل قائمة بالفعل بين واشنطن وطهران، لكنها لم ترتقِ بعد إلى مستوى التفاوض المباشر على طاولة واحدة، بل ما تزال تدور في إطار تبادل الرسائل عبر وسطاء إقليميين ودوليين، من بينهم روسيا وتركيا ومصر وباكستان، إلى جانب بعض العواصم الأوروبية، وهو ما أقرت به طهران ضمنيًا حين تحدثت عن رسائل متبادلة لا عن مفاوضات رسمية.
وهنا يبرز سؤال جوهري: لماذا تصر طهران على نفي التفاوض مع الأمريكيين، وتنكر كل ما يثار في هذا السياق؟ الإجابة ترتبط، في جانب كبير منها، بطبيعة المناخ الداخلي الإيراني في هذه اللحظة، حيث تسود حالة تعبئة عامة يغلب عليها خطاب الحرب والصمود والتصدي.
ومن ثم، فإن الانتقال المفاجئ من هذا الخطاب إلى الحديث عن تفاوض مع واشنطن قد يفضي إلى نتائج عكسية، من بينها إضعاف حالة الحشد الشعبي، وتبديد الزخم التعبوي الذي يحتاجه النظام في هذه المرحلة، كما أن غياب الحد الأدنى من الثقة في نيات ترامب، على خلفية تجارب سابقة تعتبرها طهران خداعًا سياسيًا وعسكريًا، يجعل النظام الإيراني أكثر ميلًا إلى إبقاء قنوات التواصل في إطارها غير المعلن، مع الحفاظ في الوقت ذاته على خطاب التعبئة الداخلية، إلى حين توافر شروط أفضل لبناء الثقة وإمكانية الانتقال إلى مسار تفاوضي أكثر وضوحًا.
تناقض بين التصريحات والواقع
بعد ساعات قليلة فقط من تصريحات ترامب التي تحدث فيها عن تأجيل قرار استهداف المنشآت الطاقوية الإيرانية لمدة خمسة أيام، جاءت الوقائع الميدانية على نحو مناقض تمامًا لخطاب التأجيل، بعدما تعرضت بنى تحتية تابعة لمنشأتي غاز في أصفهان وسط إيران وخرمشهر جنوب غرب البلاد لقصف أمريكي إسرائيلي، ما أسفر عن أضرار طالت المبنى والمنشآت السكنية المجاورة.
وردًا على هذا الخرق، دفعت طهران بالمواجهة إلى مستوى أكثر اتساعًا، عبر هجوم بالمسيرات استهدف عددًا من مصافي الطاقة في بعض دول الخليج، من بينها الكويت، وهو ما أدى إلى خروج سبعة خطوط هوائية لنقل الطاقة الكهربائية عن الخدمة، نتيجة الأضرار التي تسببت فيها الشظايا المتساقطة خلال عمليات الاعتراض التي نفذتها الدفاعات الجوية الكويتية.
ويحمل هذا التصعيد في طياته ملامح أولية لما يمكن وصفه بـ”معركة مصافي الطاقة”، وهي المعركة التي حذر منها المراقبون طويلًا لما قد تفضي إليه من ارتباك عميق في سوق الطاقة العالمي، واختناق في شرايين الاقتصاد الدولي، وتهديد مباشر لإمدادات النفط والغاز.
ويعكس هذا التناقض، إذا ما جرى التسليم بجدية ترامب في طرحه التفاوضي، إصرارًا أمريكيًا واضحًا على مواصلة نهج “التفاوض تحت الضغط”، أي إبقاء المسار السياسي مفتوحًا شكليًا بالتوازي مع تسليط سيف التهديد العسكري فوق رأس طهران.
فواشنطن، وفق هذا المنظور، لا تعرض التفاوض بوصفه مسارًا مستقلًا قائمًا على التهدئة المتبادلة، بل تقدمه مقرونًا برسائل ردع وابتزاز مباشرة، مفادها أن الفشل في التوصل إلى اتفاق لن يعني مجرد تعثر دبلوماسي، وإنما الانتقال فورًا إلى تصعيد يستهدف منشآت الطاقة الإيرانية، بما تمثله من شريان حيوي للحياة اليومية والاقتصاد الداخلي، وبما يحمله ذلك من ضغط هائل على الدولة والمجتمع معًا.
في المحصلة، وبين تناقضات ترامب في الخطاب والمقاربة من جهة، وتآكل الثقة الإيرانية في تصريحاته من جهة أخرى، تبقى الأيام الأربعة المتبقية من المهلة ساحة مفتوحة على جميع الاحتمالات، فحالة الترقب التي تخيم على المشهد لا تعني أن طهران تتعامل مع المهلة باعتبارها فرصة حقيقية للتهدئة، بل إن مواصلة عملياتها توحي بأنها تقرأ تصريحات ترامب هذه المرة بمنظار مختلف عن ذلك الذي حكم قراءتها لمواقفه في يونيو/حزيران أو حتى في فبراير/شباط الماضيين.
ومن ثم، فإن مسار الحرب يظل معلقًا على ما قد تحمله الساعات المقبلة من تطورات ميدانية وسياسية، في ظل بيئة شديدة السيولة، تتداخل فيها حسابات الردع، ومناورات التفاوض، واحتمالات الانفجار في أي لحظة.