• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف مهّدت اتفاقيات أبراهام لحقبة جديدة من الصراعات؟

ماثيو دوس٨ مايو ٢٠٢٦

أعلام إسرائيل والإمارات العربية المتحدة ترفرف على جانب الطريق في مدينة نتانيا الساحلية، إسرائيل في 16 أغسطس/ آب 2020.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في 15 سبتمبر/ أيلول 2020، ترأس الرئيس الأمريكي دونالد ترامب حفل توقيع اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل والبحرين والإمارات العربية المتحدة. وأعلن ترامب من حديقة البيت الأبيض، وسط مراسم توقيع فخمة، عن “بزوغ فجر شرق أوسط جديد”، قائلًا إن “هذه الاتفاقيات ستشكّل أساسًا لسلام شامل في المنطقة بأسرها، وهو أمر لم يكن أحد يعتقد أنه ممكن، وبالتأكيد ليس في هذا الزمان والمكان”.

وإذا كان ترامب يميل أحيانًا إلى المبالغة في تقييم إنجازاته، فإنه لم يكن وحده في تلك المرة. سارع العديد من المحللين البارزين إلى الإشادة باتفاقيات أبراهام، التي توسعت لاحقًا لتشمل المغرب والسودان، باعتبارها واحدة من الإنجازات القليلة المميزة في السياسة الخارجية خلال ولاية ترامب الأولى. وكتب دينيس روس، المسؤول الديمقراطي المخضرم في شؤون الشرق الأوسط، أن التطبيع كان “خطوة إيجابية غير متوقعة” تمثل “إسهامًا مهمًا في بناء السلام بين العرب والإسرائيليين”.

ورغم أن إدارة بايدن تعاملت مع الاتفاقيات بتحفظ في البداية، إلا أنها سرعان ما تبنّتها كصيغة لصنع السلام في المنطقة. وقال وزير الخارجية أنتوني بلينكن في قمة عقدت في النقب في مارس/ آذار 2022: “اتفاقيات أبراهام تجعل حياة الناس في دولكم أكثر سلامًا وازدهارًا وحيويةً وتكاملًا”.

لكن تبيّن لاحقًا أن هذه الادعاءات محض خيال. وفقًا لمؤيدي الاتفاقيات، كان الهدف منها تعزيز التعاون العسكري والاقتصادي بين إسرائيل ودول الخليج، إلى جانب تقديم مقاربة “من الخارج إلى الداخل” لحل الصراع الإسرائيلي الفلسطيني.

في الواقع، أفرز هذا المنطق نتائج عكسية خطيرة، إذ أدى التعاون العسكري الإسرائيلي الخليجي إلى سلوك أكثر استفزازًا وخطورة. بدلاً من تعزيز السلام والاستقرار، وضعت اتفاقيات أبراهام الأساس لحقبة جديدة من العنف، إذ وفّرت غطاءً سياسيًا للإبادة الجماعية في غزة ومهّدت لحرب متهورة ضد إيران.

عندما نصّت اتفاقيات التطبيع على عمل الأطراف الموقّعة من أجل تحقيق الأمن والاستقرار الإقليمي، كانت إيران هي الهدف الضمني، وقد أصبح ذلك أكثر وضوحًا في أبريل/ نيسان 2021، حين أقرّت واشنطن قانون تطبيع العلاقات مع إسرائيل، الذي يلزم الولايات المتحدة بتشجيع الدول على تطبيع علاقاتها مع إسرائيل، اعترافًا بـ”التهديد المشترك الذي تمثله إيران”.

وفي عام 2022، نجح تكتل اتفاقيات أبراهام في الكونغرس في تمرير قانون “ردع القوات المعادية وتمكين الدفاعات الوطنية”، مما ضاعف الجهود لمواجهة التهديد الإيراني المفترض. ويُلزم القانون وزير الدفاع الأمريكي بالتعاون مع الحلفاء والشركاء في الشرق الأوسط بإرساء قدرات دفاع صاروخي متكاملة لمواجهة مخزونات الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تملكها إيران ووكلاؤها.

ولضمان تعاون عسكري أكثر فاعلية بين الدول الموقّعة، نقلت إدارة ترامب إسرائيل إلى نطاق مسؤولية القيادة المركزية الأمريكية. انضمت إسرائيل إلى الإمارات والبحرين، إلى جانب دول شرق أوسطية أخرى، تحت إشراف قيادة قتالية واحدة في وزارة الدفاع الأمريكية. أتاح هذا التحول للولايات المتحدة نشر أنظمة أسلحة مشتركة في المنطقة والبدء بتنسيق الأنشطة ضمن منظومة دفاعية شاملة ضد الصواريخ والطائرات المسيّرة الإيرانية.

خلقت هذه البنية الجديدة طبقات دفاعية تحمي إسرائيل وتؤسس لشراكات عسكرية واستخباراتية جديدة – خارج القنوات الدبلوماسية التقليدية – للتصدي بسرعة للتهديدات الإقليمية. كما منح التنسيق الموسّع من خلال القيادة المركزية إسرائيل إمكانية الوصول إلى أجواء دول الخليج، ما جعل العمليات العسكرية الهجومية بعيدة المدى أكثر سهولة من الناحية اللوجستية.

شكّلت صفقات السلاح جزءًا كبيرًا ومتناميًا من المبادلات التجارية بين أعضاء اتفاقيات أبراهام. ففي عام 2021، ارتفعت صادرات الأسلحة الإسرائيلية بنسبة 30 بالمئة مقارنة بالعام السابق، وذهب 7 بالمئة منها إلى الدول الموقّعة على الاتفاقيات. واشترت البحرين والإمارات أسلحة إسرائيلية بقيمة تقارب 900 مليون دولار في ذلك العام. وبحلول عام 2024، بلغت نسبة مبيعات إسرائيل من السلاح إلى الدول الموقّعة الأخرى 12 بالمئة، بقيمة تقارب ملياري دولار.

عزّزت الإمارات تحديدًا شراكتها العسكرية مع إسرائيل. فازت شركة “إلبيت سيستمز”، أكبر شركة لتصنيع الأسلحة في إسرائيل، بعقد قيمته 53 مليون دولار لتزويد سلاح الجو الإماراتي بأنظمة إلكترونية، كما تعاون البلدان في إنتاج سفن بحرية غير مأهولة وطائرات مسيّرة وأقمار صناعية وتقنيات للأمن السيبراني والمراقبة الداخلية.

سهّلت صفقات السلاح التعاون العسكري المباشر بين جيوش الدول الموقّعة. في عام 2021، بدأت إسرائيل والإمارات والبحرين بإجراء مناورات مشتركة بحرية وجوية. وبدأ عناصر الجيش الإسرائيلي، الذين تم نقلهم على متن طائرات إماراتية، العمل من مراكز عمليات عسكرية واستخباراتية شُيدت حديثًا في جزيرة سقطرى اليمنية. وفي عام 2022، نشرت إسرائيل منظومة الدفاع الجوي “باراك” في الإمارات.

كما كافأت الولايات المتحدة الأنظمة العربية على تعاونها مع إسرائيل. أعلن ترامب عن صفقة أسلحة بقيمة 23 مليار دولار مع الإمارات بعد توقيع الاتفاقيات، شملت 50 طائرة “إف-35 إيه” و18 طائرة مسيّرة مسلّحة ومعدات أخرى. وفي عام 2023، وقّعت إدارة بايدن اتفاقية “التكامل الأمني والازدهار الشامل” مع البحرين، ما عمّق التعاون الأمني والاستخباراتي بين البلدين ودمج الدولة الخليجية في منظومة الدفاع الجوي والصاروخي الجديدة للقيادة المركزية الأمريكية.

ومع تقدم التعاون العسكري بخطى سريعة، استمرت الأوضاع في التدهور على الساحة الفلسطينية. فبدلاً من اعتبار قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة شرطاً أساسياً للسلام العربي الإسرائيلي، جادل مهندسو اتفاقيات أبراهام بأن التقدم في القضية الفلسطينية لن يتحقق إلا كنتيجة للتطبيع الدبلوماسي بين دول الخليج وإسرائيل.

وكانت هذه الحجة تفترض أنه بمجرد إقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية رسمية، سيتمكن الموقّعون على الاتفاقيات من العمل معًا لإحراز تقدم بشأن القضية الفلسطينية. وقد حظي هذا المنطق بدفعة أولية عندما استخدمت الإمارات انضمامها إلى الاتفاقيات كوسيلة ضغط لمنع حكومة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من ضم الضفة الغربية رسميًا.

لكن كان واضحًا منذ البداية أن الحكومة الإسرائيلية رأت في الاتفاقيات وسيلة لتهميش الفلسطينيين بشكل دائم. بينما أوقفت الاتفاقيات عملية الضم القانوني، تسارع الضم الفعلي على الأرض. خلال عام واحد من توقيع الاتفاقيات، ارتفعت هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين وممتلكاتهم بنسبة تقارب 15 بالمئة مقارنة بالعام السابق. وفي عام 2022، ارتفعت الهجمات بنسبة 123 بالمئة مقارنة بعام 2020. ورغم الأدلة على دعم الجيش والشرطة الإسرائيلية لعنف المستوطنين، لم يتدخل أي من الموقّعين على الاتفاقيات لكبح هذا العنف.

ومن اللافت أنه بعد توقيع الاتفاقيات، خفّضت الإمارات والبحرين دعمهما المالي لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (الأونروا)، وذلك بعد قرار إدارة ترامب بوقف دعمها للوكالة عام 2018. كانت الإمارات من بين أكبر 15 مانحًا للأونروا بين عامي 2013 و2019، وفي عام توقيع الاتفاقيات، لم تتجاوز مساهمتها مليون دولار.

تصاعد العنف ضد الفلسطينيين والنشاط الاستيطاني في الأراضي الفلسطينية بشكل كبير بعد توقيع الاتفاقيات، إلى درجة أن سفير أبوظبي في واشنطن اعترف في سبتمبر/ أيلول 2023 بأن الاتفاقيات فشلت في منع ضم إسرائيل للضفة الغربية المحتلة.

تشير وثائق داخلية لحركة حماس عثر عليها الجيش الإسرائيلي، إلى أن زعيم الحركة في غزة يحيى السنوار قال إن أحد أسباب هجوم 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 إفشال مسار التطبيع. رأى السنوار أن اتفاقيات أبراهام تقوّض مكانة القضية الفلسطينية في أجندة السياسة العربية، وأنه إذا انضمت إليها السعودية قبل التوصل إلى اتفاق بشأن إقامة الدولة الفلسطينية، فإن ذلك سيفتح الباب أمام بقية الدول العربية للقيام بالشيء ذاته.

شكّلت هجمات حماس في 7 أكتوبر/ تشرين الأول 2023 والحرب الإسرائيلية المدمرة التي أعقبتها، السياق الذي سمح بتوجيه التحالف الإسرائيلي الخليجي المتنامي ضد إيران.

أدى اغتيال إسرائيل لجنرال إيراني في دمشق عام 2023 إلى إطلاق سلسلة من الهجمات المتبادلة بالصواريخ والطائرات المسيّرة بين إسرائيل وإيران ووكلائها في لبنان واليمن. وقد اعترضت أنظمة الدفاع الإسرائيلية والإقليمية موجات من هذه الصواريخ والطائرات. وعندما قصفت إسرائيل السفارة الإيرانية في دمشق في أبريل/ نيسان 2024، وفّرت الإمارات والسعودية لإسرائيل معلومات استخباراتية وبيانات تتبع نشط بالرادار أثناء الرد الانتقامي الإيراني.

أمام تصاعد العنف، ضاعفت إدارة بايدن دعمها للاتفاقيات. وقد أثمر هذا التوجه تعاونا عسكريا واقتصاديا لولاه لكانت حرب ترامب الأخيرة على إيران أقل جاذبية، إن لم تكن مستحيلة.

من الناحية اللوجستية، تفتقر إسرائيل بمفردها إلى القدرة على اعتراض الكم الهائل من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تستطيع إيران إطلاقها. قبل اتفاقيات أبراهام، كانت إسرائيل تنسّق أنشطتها العسكرية عبر القيادة الأمريكية في أوروبا.

وقد مكّنت الاتفاقيات إدارة ترامب من نقل إسرائيل إلى القيادة المركزية التي تشمل دول الخليج، وأتاحت للموقّعين بدء تعاون عسكري معلن. وقد كان هذا التعاون العسكري المباشر في السنوات السابقة لحربي إيران أساسيًا لبناء أنظمة التنسيق والاتصال اللازمة للدفاع المشترك بين الدول الموقعّة ضد القصف الجوي الإيراني الكثيف.

لكن التعاون الأمني ليس هدفًا جيدًا بحد ذاته. والسؤال دائمًا هو: ما الذي يحققه؟ وفي هذه الحالة، حقق التعاون قدرًا أقل من الأمن، وزاد احتمالات اندلاع الحرب.

بعد ست سنوات على توقيع اتفاقيات أبراهام، أصبح الشرق الأوسط بلا شك أقل استقرارا مما كان عليه سابقا. بينما تمدّد إدارة ترامب، حتى وقت كتابة هذه السطور، وقف إطلاق النار الهش مع إيران بشكل أحادي، لا تزال الجمهورية الإسلامية تفرض قبضتها على مضيق هرمز. وتواصل إسرائيل انتهاك شروط اتفاقي وقف إطلاق النار مع إيران ولبنان، وترتكب أعمال تدمير واسعة في جنوب لبنان ضمن احتلالها لمنطقة عازلة بعمق ستة أميال.

وفي غزة، تواصل إسرائيل تعليق تدفق المساعدات الإنسانية الأساسية. أما في الضفة الغربية، فقد أصبح إرهاب المستوطنين الإسرائيليين الذي يهدف إلى السيطرة على الأراضي الفلسطينية – والذي يحدث غالبًا بدعم علني من الجيش الإسرائيلي – واقعًا يوميًا.

جعلت الاتفاقيات كل ذلك ممكنًا. فقد قوّضت الضغط الذي كانت الدول العربية مستعدة لممارسته على إسرائيل بشأن القضية الفلسطينية، وغذّت الوهم بإمكانية تهميش الفلسطينيين وضمان الأمن الإقليمي عبر الاستثمار في أنظمة استبدادية صديقة، وساعدت إسرائيل على ترسيخ نفوذها كقوة مهيمنة إقليميًا. وقد باتت حروب إسرائيل المتهورة تشكّل تهديدًا لجيرانها، ولمصالح حليفتها الولايات المتحدة، وللازدهار العالمي.

لقد تم الترويج لاتفاقيات أبراهام كإطار لتحقيق السلام والاستقرار الإقليمي، لكنها أدت إلى عكس ذلك تمامًا. كان ينبغي أن يكون واضحًا منذ البداية أن أي “خطة سلام” تقوم على بيع الأسلحة والتكنولوجيا القمعية للأنظمة الاستبدادية محكوم عليها بالفشل. فالصراعات السياسية التي لا تزال تعصف بالمنطقة لن تُحل بالقوة العسكرية، مهما قال المنظرون في واشنطن.

قال المحلل الاستخباراتي الإسرائيلي السابق داني سيترينوفيتش في محادثة جرت مؤخراً: “حتى لو سقط النظام الإيراني غدًا، فهذا لا يهم. المشكلة هي القضية الفلسطينية”.

من غير المرجح أن تتراجع إدارة ترامب عن اتفاقية استثمرت فيها الكثير من الوقت والموارد والمصداقية. لكن الإدارة المقبلة ينبغي أن تدرك أن اتفاقيات أبراهام لا تقدّم مسارًا واقعيًا نحو السلام والازدهار، لا لشعوب المنطقة ولا للأمريكيين.

المصدر: فورين أفيرز

علاماتالتطبيع الإماراتي الإسرائيلي ، التطبيع الاقتصادي ، التطبيع البحريني مع إسرائيل ، العلاقات الإماراتية الإسرائيلية ، صفقة القرن
مواضيعالتطبيع ، ترجمات ، صفقة القرن

قد يعجبك ايضا

سياسة

“الأمن والمياه والطاقة تقود التقارب السوري الأردني”.. حوار مع الباحث أحمد قاسم

يارا جولاني٨ مايو ٢٠٢٦
سياسة

خريطة عودة السوريين من تركيا.. ماذا تغير بعد 2024؟

نون إنسايت٧ مايو ٢٠٢٦
سياسة

حرب السرديات.. كيف تخوض واشنطن وطهران معركتهما الأعمق؟

هبة بعيرات٧ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑