لم يكن المشروع الصهيوني في إرهاصاته الأولى مجرد مخطط سياسي بارد أو حركة استيطان مادي فحسب؛ بل قام على ركيزة أنطولوجية/وجودية أعمق اتخذت من الفن والأدب وسيلةً لصناعة الهوية. فقبل إعلان “الدولة” بعقود، ترسخ اعتقادٌ لدى المنظرين الأوائل بأن الفن ليس ترفًا، بل هو رسالة أيديولوجية وضميرٌ يُشكل وعي العصر.
ومن رحم هذا التصور، انطلق الفنانون اليهود—مستلهمين مزيجًا من موروثهم الديني وتأثيرات البيئات الغربية والإسلامية—لخوض معركة الهوية، ساعين لتخليص الشخصية اليهودية من صورة الشتات المحتقرة، وإسقاط هذا الاحتقار على الآخر الذي جسدته اللوحات غالبًا في هيئة “الرجل التركي”.
دأب هؤلاء الرواد على تطويع الريشة لخدمة النص التوراتي، وإحياء العبرية كلغة يومية نابضة، وتطوير تيارات فنية تمنح المشروع الصهيوني شرعيةً ثقافية وتاريخية، فالفن المُوجَّه هنا كان البوصلة التي أعادت توجيه الانتماء نحو “أرض الميعاد”، عبر ترسيخ ثنائية الاضطهاد والحنين. وكما يرى بيتر بينارت في حديثه الصحفي لـ “نون بوست”، فإن تيارًا قويًا جادل بأن الصهيونية تعني إنشاء ثقافة ناطقة بالعبرية قبل أن تعني إنشاء “دولة”.
يعد المفكر آحاد هعام (1856-1927) الأب الروحي لهذا التوجه. آمن بأن الاستيطان المادي وحده لن يصنع دولة، ما لم توفر الحركة الصهيونية مركزًا ثقافيًا يجمع شتات العقل والوجدان. ورأى أن تأسيس مدرسة واحدة لتعليم الفنون يعد هدفًا قوميًا يفوق في أثره تأسيس مائة مستوطنة. كان كلامه بمثابة المانيفستو الذي سار عليه فنانون مثل “بوريس شاتس” (1867-1932) فنادى في المؤتمر الصهيوني الخامس عام 1902 بتأسيس مدرسة للفنون في القدس، معتبرًا الفن وسيلة تربوية فتاكة للتوعية بالفكرة القومية.
ثلاثي الريشة
في كتابهما “أيديولوجية الفن الصهيوني” (البحر الأحمر: 2024)، يستعرض الأكاديميان الدكتور جمال الرفاعي والدكتورة نجوى المصري عبر 158 صفحة أعمال ثلاثة فنانين وُلدوا في أواخر القرن التاسع عشر، وشهدوا أول مؤتمر صهيوني في مدينة بازل السويسرية عام 1897 إما حضورًا أو خبرًا، وصاغوا بملامحهم الفنية وجه الصهيونية المبكر:
1- موشيه شاه مزراحي (1870-1940): اليهودي الفارسي الذي طوع فن المنمنمات لخدمة القصص الديني.
2- إفرايم موشيه ليليان (1874-1925): الأب الروحي النمساوي للفن الصهيوني الذي بنى فلسفته على استحالة النجاة خارج فلسطين، وصوّر “الجيتو” كظلام دامس لا يقطعه إلا إشراق شمس صهيون المستقبل. شارك في تأسيس مدرسة بتسلئيل للفنون الجميلة في القدس عام 1906.
3- زئيف رابان (1890-1970): والد الفن اليهودي لأنه عضو قائد في مدرسة بتسلئيل، وإن كانت أغلب أعماله من الملصقات وليس اللوحات الفنية كسابقيه. لعل أهم ملصق صممه بعنوان “تعال وشاهد فلسطين” لصالح الصندوق القومي اليهودي بهدف تشجيع المستثمرين اليهود على ضخ أموالهم لشراء الأراضي. المفارقة أنه يذكر صراحة اسم فلسطين في دحض للأكذوبة الصهيونية أن الأرض لم تُسمّ كذلك من قبل.
القصص التوراتي
في مُنمنة مُستوحاة من القصص الديني الوارد في العهد القديم، تظهر قصة التضحية بإسحاق التي توليها الثقافة اليهودية اهتمامًا خاصًا بوصفها تجسيدًا للعهد بين شعب اسرائيل في التوراة وبين الرب.
في لوحة مزراحي يظهر أربعة رجال هم على الترتيب إبراهيم وإسحاق وإسماعيل والخادم اليعازر. يقف في اللوحة إسحاق، راجح العقل الملتزم بتعاليم السماء، والذي جاء منه نسل اليهود، حاملًا الحطب طواعية وهو يسير خلف والده نبي الله إبراهيم الذي يرتدي شال الصلاة اليهودي “الطاليت”. وعلى الرغم من ظهور الشال في عصور تلت زمن إبراهيم، إلا أن الشال ما هو إلا علامة تأكيد على قدسية الأمر الإلهي بذبح الابن، ولهذا نراه يمسك السيف في يده استعدادًا لعملية الذبح.

في المقابل، يرتدي إسماعيل طربوشًا أحمر وملابس تركية، ويمسك سيفًا بيده ويدخن النرجيلة بما يوحي بالعداء أو اللامبالاة. هذه الصورة التي تتفق مع القصص التوراتي الذي يصف إسماعيل أبو العرب بالهجمية والبدائية ترمي لإنزال هذه الأوصاف على نسله وعلى أتباعه. جاء في الفقرة الثانية عشرة من الإصحاح السادس عشر من سفر التكوين: “وإنه يكون إنسانًا وحشيًا يده على كل واحد”. الخادم اليعازر أيضًا يرتدي ملابس تركية.
وتضم أركان المنمنمة الأربعة أدعية بداخل المربعات الموجودة تقول: أجبنا يا إله إبراهيم أجبنا، أجبنا بحق خوف إسحاق أجبنا، ثم “ها هنا المدينة المدينة المقدسة، القدس تبنى وتشيد سريعًا في أيامنا آمين” قبل أن يختم الفنان بتوقيع اسمه في المربع الأخير ويشير إلى إقامته في المدينة المقدسة.
تسييس المقدس
لوحةٌ أخرى لمزراحي هي سقوط جوليات (جالوت بالعربية) عبارة عن سرد مصور للقصة التوراتية عن سقوط جوليات الذي يمثل الشر وقد فُصلت رأسه عن جسده في معركة مع نبي الله داوود الذي يمثل الشخص التقي، وهي قصة مرادفة لأي مواجهة ينتصر فيها الطرف الضعيف على الطرف الشرير بفضل الإيمان والتقوى.
نقرأ في الإصحاح السابع عشر من سفر صموئيل الأول بالتوراة: “فركض داوود وأخذ سيفه وقتله وقطع به رأسه. ويظهر جوليات في اللوحة عملاقًا، ذا جثمان ضخم، وبنية قوية، يهيمن على المشهد مع جنوده الأشد المُوحَى بأنهم الأكثر عددًا، بينما خصمه داوود يبدو في حجم مصغر مع أنصاره لإبراز حجم التناقض بين الطرفين وقيمة النصر المتحقق على يد القلة المؤمنة”.

هنا أيضًا يرتدي جنود جوليات زي الجنود الأتراك في تأكيد على رسم أعداء اليهود في هيئة تركية بل وصاغهم مزراحي وهم يؤدون رقص المولوية الصوفي رافعين أياديهم اليمنى إلى أعلى كبداية لحركة الدوران حول جثمان جوليات باعتباره مركز الدائرة الذي يدورون حوله.
ويظهر تيودور هرتزل باعتباره مؤسس الصهيونية السياسية في لوحة من أعمال ليليان مُطلًا من شرفته على نهر الراين في هيئة نبي توراتي ماسكًا بلوح مكتوب ليوحي أن رسالته لا تقل أهمية أو قداسة عن رسالة النبي موسى، وأن تعاليم الصهيونية لا تتجزأ عن تعاليم اليهودية.
دأب ليليان على تصوير قسوة واقع الشتات الذي يعيشه اليهود في مجتمعات الجيتو بأوروبا بالمقارنة مع موتيف الشمس الساطعة التي تبث روح الأمل بحياة مختلفة في الوطن الجديد حيث اللبن والعسل والحرية.
وتحت الآية التوراتية “وترى عيناك صهيون”، رسم لوحة “من الجيتو إلى صهيون” استخدم فيها الأغلال والظلام للتعبير عن العجز والقهر في الشتات في مقابل الإشراق في أرض الميعاد الجرداء التي تنتظر الإعمار والتحول إلى مساحة خضراء مثمرة. ثنائية النور والظلام التي اشتُهر بها ليليان هي رمز هذا الخروج من الشتات الذي يشبه في جوهره التحرر من العبودية كما تحرر اليهود من عبوديتهم بالخروج من مصر.

وتظهر نجمة صهيون في لوحة تُسمى “صهيون” لمزراحي، وأسفلها مسجد قبة الصخرة مع عبارة مدونة تقول “هنا يقع الهيكل”. يحيط الفنان تصميمه كله بنصوص من التوراة تشير إلى مكانة القدس في العقيدة اليهودية تقول: “افتحي لي بوابات العدل واخضع أمام الرب، وصهيون تُفدى بالحق وسكانها بالعدل، وإن نسيتُكِ يا قدس تُنسى يميني”.
منهجية مُبهمة
يزخر الكتاب بالمزيد من النماذج لكن بقدر تفرده وأهمية موضوعه، وإجادة ضرب الأمثلة الفنية للتدليل، إلا أن منهجيته غير واضحة ولا معايير اختيار الفنانين محل الدراسة للنظر في أعمالهم.
يحلل الكتاب عدة أعمال هي الأبرز لثلاثة فنانين صهاينة كبار؛ فارسي ونمساوي وبولندي، وهو في أصله تعريف بمرحلة التأسيس للفن المُوظّف في خدمة المشروع الصهيوني. يذكر الكتاب في ثناياه أسماء فنانين صهاينة عاشوا في نفس الفترة الزمنية دون أن يقول عنهم الكثير مثل الألمانية السكي لاسكر شولر، ولا يوضح أسباب عدم ضم أعمالها للكتاب.
ربما ركز على الرواد الكبار، ولم يرغب أن يكون بمثابة دراسة شاملة تحصر الفنانين أو الأعمال الفنية، خاصة أن مؤلفيّ الكتاب يعتبرانه امتدادًا لدراسة فريدة للفنان المصري الراحل سعد الخادم بعنوان “الفن والاستعمار الصهيوني” (الهيئة المصرية العامة للكتاب: 1974). وربما كانت الأفكار مكررة فاختار الأشهر ليضرب بها الأمثلة. يظل توضيح معيار انتقاء الفنانين ضروريًا على أية حال.

لا يقتصر الكتاب على تحليل اللوحات الفنية بل يحلل أيضًا الملصقات والكاريكاتيرات وأغلفة الكتب والمجلات. شابهُ بعض التكرار في مقدمات الفصول، كما احتاج مزيدًا من التدقيق في غير المعارف والحقائق. لكن الفصل الخاص بالكاريكاتير السياسي لم يكن موفقًا في اختياراته التي ركزت كلها على فترة زمنية مختلفة تمامًا هي القرن العشرين دون علاقة مباشرة بإرهاصات المشروع الصهيوني -وهو موضوع الكتاب- وإنما تناولًا لموضوع آخر هو الحرب بين العرب واليهود، والعداء الشديد لليهود تجاه عبد الناصر.
باستحضار سيرة هؤلاء الرواد في ترسيخ فن الأيديولوجيا، فإننا نسعى إلى فهم المعمار الثقافي الذي لا يزال يلقي بظلاله على المنطقة حتى اليوم. فما بدأ كمنمنمات لمزراحي، أو ملصقات دعائية لرابان، تحول بمرور العقود إلى سردية بصرية وأدبية متماسكة، تحاول احتكار صياغة المدنية والحضارة في مقابل تصوير المحيط كفراغ بدائي أو عداء أزلي.

نجحت الصهيونية الثقافية في تحويل المعركة من الجغرافيا والحدود فحسب إلى معركة الصورة الذهنية واللغة والذاكرة، وما هذا إلا صدىً للدعوات القديمة التي أطلقها هعام حين جعل من المدرسة الفنية أداة استراتيجية تتفوق على مائة مستوطنة. يبقى تفكيك هذه الأقنعة الجمالية وقراءتها في سياق الاحتلال الأصيل، فالفن الذي أُريد له أن يكون ضمير العصر في الأدبيات الصهيونية، قد سُخر بوعي تام ليكون أداة طمسٍ وإقصاء.
