في توقيت شديد الحساسية، ومع تصاعد المواجهة الإقليمية وتكثّف الضغوط على بنية النظام الإيراني، جاء قرار تعيين محمد باقر ذو القدر أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي، ليضع أحد أبناء الجيل المؤسس للحرس الثوري في موقع يتقاطع فيه الأمني بالسياسي، والميداني بالاستراتيجي.
لا ينفصل هذا التعيين عن سياق أوسع من إعادة ترتيب مراكز القرار داخل النظام، في لحظة تتداخل فيها حسابات الحرب مع احتمالات التفاوض، وتتقدم فيها اعتبارات الضبط الداخلي وتماسك المؤسسة على حساب المرونة السياسية.
وفي ضوء المسار الذي راكمه ذو القدر داخل الحرس الثوري، وانتقاله لاحقًا إلى مواقع حكومية وقضائية ومؤسسات عليا، يكتسب هذا التعيين دلالاته من كونه امتدادًا لمسار طويل داخل بنية النظام، وفي الوقت ذاته مؤشرًا على طبيعة الخيارات التي تحكم إدارة المرحلة الراهنة.
من هو محمد باقر ذو القدر؟
وُلد محمد باقر ذو القدر عام 1954 في مدينة فسا بمحافظة فارس جنوب إيران، في سياق سياسي واجتماعي سبق سقوط النظام البهلوي، وشهد مبكرًا انخراطه في النشاط الديني والسياسي المعارض قبل انتصار الثورة الإسلامية عام 1979.
تلقى ذو القدر تعليمه العالي في جامعة طهران، حيث حصل على درجة البكالوريوس في الاقتصاد، قبل أن يستكمل دراساته العليا في الإدارة الحكومية، وصولًا إلى الدكتوراه في الإدارة الاستراتيجية، في مسار أكاديمي يعكس الجمع بين الخلفية الاقتصادية والإدارية، وهي سمة سترافق حضوره لاحقًا في مواقع القرار.
وخلال مرحلة ما قبل الثورة، ارتبط ذو القدر بجماعة “المنصورون” المسلحة، إحدى التنظيمات الإسلامية النشطة آنذاك في مواجهة النظام البهلوي، وتشير بعض الروايات إلى مشاركته عام 1978، إلى جانب محسن رضائي، في عملية استهدفت مهندسًا أمريكيًا ومدير شركة نفط، في سياق العمليات التي كانت تنفذها تلك الجماعات ضد المصالح الغربية في إيران.
وعلى المستوى العائلي–السياسي، يرتبط ذو القدر بشبكة علاقات ممتدة داخل مؤسسات الدولة، إذ يُعد والد زوجة كاظم غريب آبادي، نائب وزير الخارجية للشؤون القانونية والدولية، وأحد أبرز الوجوه ذات الخلفية الأمنية في الجهاز الدبلوماسي الإيراني وفريق التفاوض النووي.
وشغل غريب آبادي سابقًا مناصب حساسة، من بينها نيابة رئاسة السلطة القضائية، ورئاسة لجنة حقوق الإنسان، إلى جانب عمله سفيرًا لإيران لدى المنظمات الدولية في فيينا، وعلى رأسها الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وفي الأوساط الإيرانية، غالبًا ما يُنظر إلى هذا الترابط العائلي بوصفه جزءًا من شبكة نفوذ أوسع، تعكس قدرة ذو القدر على الحضور عبر أكثر من مؤسسة سيادية، وليس فقط من خلال موقعه الرسمي، بما يعزز مكانته داخل بنية النظام ويمنحه امتدادًا يتجاوز الإطار الوظيفي التقليدي.
من لجان الثورة إلى قلب الحرس
مع انتصار الثورة الإسلامية عام 1979، انخرط محمد باقر ذو القدر في البنية التنظيمية الجديدة للنظام، وانضم إلى منظمة “مجاهدي الثورة الإسلامية” ضمن جناحها اليميني، استكمالًا لمسار سابق ارتبط فيه بتنظيمات مسلحة مناوئة للنظام البهلوي، من بينها “أنصار حزب الله”، إلى جانب شخصيات صعدت لاحقًا داخل الحرس الثوري، مثل محسن رضائي، وعلي شمخاني، وغلام علي رشيد.
بدأ نشاطه في لجان الثورة، ثم انتقل إلى الحرس الثوري، حيث تدرّج في مواقع تنظيمية وعسكرية. وخلال الحرب العراقية الإيرانية (1980–1988)، تولّى مسؤولية التدريب، ثم قيادة “مقر رمضان” المعني بالحروب غير النظامية.
يمتد حضوره في المستويات العليا لقيادة الحرس الثوري على مدى 16 عامًا، بين رئاسة الأركان ونائب القائد العام، ضمن مسار يعكس موقعه داخل الجيل المؤسس للمؤسسة العسكرية
شكّل “مقر رمضان” إطارًا للعمل الخارجي للحرس، وتولّى إدارة عمليات عبر الحدود والتنسيق مع جماعات كردية وشيعية عراقية معارضة لنظام صدام حسين، ضمن نشاط ركّز على العمق العراقي، وأسهم في تطوير أنماط العمل غير النظامي التي تبلورت لاحقًا ضمن تشكيلات أكثر تخصصًا، من بينها “فيلق القدس”.
بعد الحرب، واصل ذو القدر مساره داخل القيادة العسكرية، فتولى رئاسة هيئة الأركان المشتركة للحرس الثوري لمدة ثماني سنوات، ثم منصب نائب القائد العام للحرس لثماني سنوات أخرى، قبل أن ينتقل إلى موقع مساعد شؤون التعبئة في هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة. وفي عام 2007، عُيّن نائبًا لرئيس هيئة الأركان العامة.
يمتد حضوره في المستويات العليا لقيادة الحرس الثوري على مدى 16 عامًا، بين رئاسة الأركان ونائب القائد العام، ضمن مسار يعكس موقعه داخل الجيل المؤسس للمؤسسة العسكرية، ودوره في تشكيل بنيتها التنظيمية والعملياتية.
من الحرس إلى إدارة الحكم
انتقل محمد باقر ذو القدر إلى العمل الحكومي عبر وزارة الداخلية، حيث عُيّن عام 2005 قائمًا مقامًا لوزير الداخلية، ومعاونًا للشؤون الأمنية والشرطية، في موقع وضعه ضمن دائرة إدارة الأمن الداخلي خلال مرحلة سياسية حساسة.
لاحقًا، انتقل إلى السلطة القضائية، إذ أعلنت وكالة “إرنا” مطلع عام 2010 تعيينه مستشارًا لرئيس السلطة القضائية، قبل أن يتولى في العام نفسه موقع مساعد شؤون الحماية الاجتماعية والوقاية من الجريمة.
وتدرّج لاحقًا داخل المؤسسة ذاتها ليشغل منصب معاون استراتيجي، ثم نائب رئيس السلطة القضائية للشؤون الاستراتيجية والأمن المجتمعي والوقاية من الجريمة، في مسار يعكس انتقال خبرته الأمنية إلى إدارة الملفات المجتمعية والقضائية.
وفي سياق توسّع حضوره داخل مؤسسات النظام، عُيّن أمينًا لمجمع تشخيص مصلحة النظام في 19 سبتمبر/أيلول 2021، بقرار من رئيس المجمع صادق آملي لاريجاني وموافقة المرشد الأعلى، كما شغل عضوية المجمع، بما أتاح له موقعًا داخل إحدى أهم دوائر صناعة القرار الاستراتيجي في إيران.
وفي 24 مارس/آذار 2026، عُيّن أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، في خطوة تنقل حضوره إلى مركز تنسيق القرار الأمني والسياسي الأعلى في الدولة.
تثبيت خط المحافظين
برز محمد باقر ذو القدر خلال مرحلة الإصلاحات كأحد الوجوه العسكرية المرتبطة بالمعسكر المحافظ داخل الحرس الثوري، في سياق سياسي اتسم بمحاولة الرئيس محمد خاتمي توسيع المجال العام وإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، امتدادًا لمسار إعادة الإعمار الذي قاده علي أكبر هاشمي رفسنجاني. في المقابل، تعاملت مراكز القوة الأمنية والعسكرية مع هذا المسار بحذر، مع سعيها للحفاظ على تماسك البنية السياسية والأمنية للنظام.
يحضر ذو القدر في هذا السياق بوصفه شخصية ذات ثقل أمني مؤسسي، تجمع بين خلفيته في الحرس الثوري وعضويته في مجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يضعه ضمن دائرة التأثير في معادلات القرار العليا، خصوصًا في الملفات التي تتقاطع فيها السياسة بالأمن.
ويعكس اختياره حاجة المؤسسة الإيرانية إلى شخصية قادرة على إدارة موقع شديد الحساسية، خلفًا لعلي لاريجاني، الذي ارتبط اسمه بدور مركزي في الربط بين المستويين السياسي والأمني داخل منظومة الحكم. ويطرح هذا الانتقال تحديًا يتعلق بالحفاظ على توازن الوظيفة بين البعدين السياسي والأمني في إدارة المجلس.
يأتي التعيين في سياق مسار تراكمي داخل النظام لاختيار شخصية تمتلك خبرة مركبة، تجمع بين الخلفية العسكرية والقدرة على التعامل مع الملفات الاستراتيجية، ضمن موقع يرتبط مباشرة بمكتب المرشد ومراكز القرار العليا.
كما يتزامن القرار مع لحظة تصعيد حادة، في أعقاب استهدافات طالت قيادات في البنية السياسية والأمنية الإيرانية، من بينها اغتيال أمين المجلس السابق علي لاريجاني، ضمن سلسلة عمليات استهدفت مستويات قيادية خلال الأسابيع الأخيرة، وهو ما يضع التعيين ضمن سياق إعادة تثبيت مركز القرار الأمني في مواجهة الضغوط.
بين التفاوض والاشتباك
جاء اختيار محمد باقر ذو القدر ليحسم مسار التكهنات التي تلت تداول اسم الجنرال حسين دهقان، قبل نفي تعيينه. وكان دهقان، بحكم صلاته بالرئيس الأسبق حسن روحاني، خيارًا منسجمًا مع توجهات الرئيس مسعود بزشكيان المدعوم من التيار الإصلاحي، إلا أن مساره لا يوازي من حيث الثقل المؤسسي ما راكمه ذو القدر داخل بنية النظام على امتداد عقود.

يحمل التعيين انتقالًا في نمط الديناميكية التي يحتاجها الموقع، فقد ارتبط علي لاريجاني بدور يقوم على التوازن وإدارة التفاوض والتنسيق بين المؤسسات، بينما يأتي ذو القدر من خلفية تميل إلى الانضباط البنيوي والإدارة الأمنية المباشرة، في مقاربة تعكس اختلافًا في طبيعة الدور المطلوب.
يتصل هذا التحول بطبيعة المرحلة، حيث تدفع بيئة الصراع المفتوح نحو تثبيت شخصيات تحظى بقبول داخل الشبكات الأمنية والعسكرية، وتملك خبرة في إدارة الملفات الحساسة ضمن إطار مركزي منضبط، بما ينسجم مع متطلبات إدارة المواجهة.
يتقاطع التعيين مع مؤشرات على تحرك مسار تفاوضي، بعد إعلان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن فتح قنوات تواصل محتملة مع شخصيات داخل النظام الإيراني. وفي هذا السياق، يبرز القرار بوصفه جزءًا من إعادة ضبط قنوات القرار، ومنع أي مسارات موازية قد تؤثر على تماسك الموقف الرسمي، في ظل ترتيبات القيادة الجديدة وسعيها إلى تثبيت الانسجام مع مؤسسة الحرس الثوري.
كما يعكس التعيين استمرار تغليب المقاربة الأمنية في إدارة المرحلة، مع حضور أكبر لمدرسة المواجهة والتصدي داخل بنية القرار، مقابل تراجع نسبي للتيار الذي يدفع باتجاه التدرج والانفتاح وتوسيع هامش المناورة عبر تسويات جزئية.


