شهد شهر مارس/آذار 2026 تطورًا أحدث ارتباكًا في سوق الطاقة التركية بعد ضربة إسرائيلية استهدفت منشآت حقل “جنوب بارس” العمود الفقري لمنظومة الغاز الإيرانية.
فقد قالت وكالة بلومبرغ ومواقع أخرى إن إيران أوقفت صادرات الغاز إلى تركيا عبر خط تبريز – أنقرة، وإن الأخيرة استعدت للسحب من مخزوناتها لتعويض فجوة تُقدَّر بنحو 14 ٪ من وارداتها، لكن وزير الطاقة التركي ألب أرسلان بيرقدار رد بأن التدفق مستمر وأن المخزونات ممتلئة بنسبة 71 ٪.
توزعت الروايات بين من يؤكد حصول قطع فعلي، ومن يتحدث عن”هزة” قصيرة أو تهديد محتمل لم يتحقق، لكن هذه اللحظة ليست مجرد اختبار لإمدادات الطاقة، بل مرآة لكيفية إعادة تركيا صياغة “سلة الغاز” بالتزامن مع انتهاء عقد طاقوي طويل الأجل مع إيران قريبًا.
وزن الغاز الإيراني داخل المنظومة التركية
يسمح عقد توريد الغاز بين شركة النفط الوطنية الإيرانية (NIOC) وشركة بوتاش التركية بتوريد 9.6 مليار متر مكعب سنويًا وتنتهي مدته في 31 يوليو/تموز 2026.
مع ذلك، لم تسحب أنقرة في السنوات الأخيرة كامل الكميات التعاقدية، إذ تشير بيانات الهيئة التركية لتنظيم سوق الطاقة (EPDK) إلى أن تركيا استوردت 52.2 مليار متر مكعب من الغاز عام 2024، حصلت منها على 7.04 مليار متر مكعب من إيران – أي نحو 13.4 ٪.
في عام 2025 زادت الواردات قليلًا إلى 8.17 مليار متر مكعب وفق إحصاءات إيرانية، لكن حصة إيران ظلت بين 13 و14 ٪ من إجمالي واردات تركيا. وتقل هذه الحصة كثيرًا عن اعتماد أنقرة في التسعينيات، لكنها لا تزال تُمثِّل شريانًا مهمًا لقطاعات حساسة.

وارتفع استهلاك تركيا عام 2025 إلى 60-61 مليار متر مكعب، منها 21.5 مليار للمنازل، و16-17 مليار لمحطات الكهرباء، و14-15 مليار للصناعة.
وإذا توقف خط تبريز–أنقرة لأسابيع، فإن القطاع الصناعي ومحطات الكهرباء العاملة بالغاز سيكونان الأكثر عرضة للانكماش، بينما يمكن حماية المنازل عبر آلية الأسعار المرنة التي تستخدمها الحكومة للتخفيف من تقلبات السوق.
ولإبراز أهمية الخط يمكن العودة إلى ما حدث في يناير/كانون الثاني 2022، حين انقطع الغاز الإيراني بسبب “خلل تقني” في محطة الضغط، ما دفع تركيا إلى طلب خفض استهلاك محطات الكهرباء بنسبة 40 ٪ وتقليص إمدادات المصانع.
آنذاك كان الاعتماد على إيران يقارب 16 ٪ من الواردات، وكانت سعة التخزين نحو 3.2 مليار متر مكعب فقط، ولم تكن وحدات التسييل العائمة تعمل بكامل طاقتها.
أما الأزمة الراهنة، سواء كانت انقطاعًا قصيرًا أو تهديدًا جديًا، فهي اختبار سياسي–أمني أكثر من كونها عطلًا تقنيًا.
كما أنها تأتي في وقت توسعت فيه سعة التخزين إلى 6.3 مليار متر مكعب وزادت قدرة التسييل إلى 161 مليون متر مكعب يوميًا، كما دخل الغاز المحلي دائرة الإنتاج، ما يجعل تركيا أقل هشاشة وأكثر قدرة على الصمود.
كيف تبني تركيا قدرة امتصاص الصدمات؟
1- المخزونات الأرضية
تمتلك تركيا منشأتين رئيسيتين لتخزين الغاز: موقع سيليفري على بحر مرمرة، ومغارات ملحية في توز غولو (بحيرة الملح) في أكسراي وسط الأناضول.
جرى توسعة منشأة سيليفري ليرتفع المخزون إلى 4.6 مليار متر مكعب مع قدرة سحب يومية تصل إلى 75 مليون متر مكعب.
تتسع مغارات توز غولو لنحو 1.2 مليار متر مكعب، ما يجعل الطاقة الإجمالية حتى نهاية 2025 حوالي 6.3 مليار متر مكعب.
وأكدت تقارير رسمية أن هذه الخزانات كانت ممتلئة بنسبة 71 ٪ في مارس/آذار 2026، أي حوالي 4.5 مليار متر مكعب.
لكن مع استهلاك يومي يقترب من 230 مليون متر مكعب، فإن المخزون يغطي في أفضل الأحوال بضعة أسابيع إذا جرى استخدامه وحده.
2- الغاز الطبيعي المسال (LNG)
يرتكز أحد أعمدة الاستراتيجية التركية على الغاز المسال، فلدى تركيا ثلاثة مرافئ عائمة لإعادة تحويل الغاز إلى الحالة الغازية (FSRUs) وثلاث محطات برية، مما يمنحها قدرة تحويل يومية تبلغ 151 مليون متر مكعب وتستهدف 200 مليون بفضل خطط توسيع الوحدات العائمة.
- وحدة “أرطغرل غازي” (سفينة عائمة) في هاتاي بالبحر المتوسط تستطيع ضخ 28 مليون متر مكعب يوميًا من الغاز إلى الشبكة، ويجري العمل على إضافة وحدة ثانية من الحجم نفسه لتتضاعف قدرة الضخ إلى الشبكة.
- مخطط آخر يشمل بناء سفينة أو منشأة عائمة جديدة من نوع FSRU على الساحل المتوسطي بقدرة 28 مليون متر مكعب يوميًا، ما يعني أن ثلاث وحدات كبرى يمكنها تلبية أكثر من نصف الاستهلاك اليومي.
- على صعيد التعاقدات، وقعت بوتاش منذ 2024 سلسلة اتفاقات قصيرة وطويلة الأجل مع سلطنة عمان و”سوناطراك” الجزائرية و”إكسون موبيل” و”شل” و”توتال إنرجيز” وغيرهم، يبلغ مجموعها نحو 15.8 مليار متر مكعب سنويًا وقد ترتفع إلى 25 مليار بحلول 2027.
تعتمد هذه العقود على مؤشرات تسعير مثل “تي تي إف” الأوروبي أو “هنري هاب” الأمريكي بدلًا من ربط الأسعار بالنفط كما هو حال العقد الإيراني، ما يمنح أنقرة مرونة أكبر.
3- الإنتاج المحلي من البحر الأسود
إدخال حقل “صقاريا” حيز التشغيل عام 2023 شكّل نقطة تحول، ففي أبريل/نيسان 2025 بلغ إنتاج الحقل 9.5 مليون متر مكعب يوميًا، وهو ما يعادل نحو 3.5 مليار متر مكعب سنويًا ويغطي احتياجات أربعة ملايين منزل.
وأعلن وزير الطاقة في يناير/كانون الثاني 2026 أن الإنتاج سيتضاعف خلال العام ويكفي 8 ملايين منزل. ومن المخطط أن يرتفع معدل الإنتاج إلى 40 مليون متر مكعب يوميًا بحلول 2028، ما يمكن أن يغطي نحو 30 ٪ من الطلب الوطني.
وإن كان هذا ليس حلًا فوريًا لأزمة مارس 2026، فإنه يسهم في تقليص اعتماد تركيا على واردات إيران وروسيا خلال السنوات القادمة.
4- روسيا وأذربيجان وتركمانستان
لا يزال الغاز الروسي يشكل العمود الفقري لإمدادات تركيا، فقد بلغت وارداته 21.16 مليار متر مكعب في 2025، كما مدد الطرفان عقود “بلو ستريم” و”تركي ستريم” لعام واحد حتى نهاية 2026 لضمان مرونة في التفاوض.
ويأتي الغاز الأذربيجاني عبر خط أنابيب “تاناپ” ويمثل حوالي 10 مليارات متر مكعب سنويًا، وهناك حديث عن توسيع السعة لكنه يتطلب استثمارات وزمنًا.
أما الغاز التركماني الذي يصل إلى تركيا عبر اتفاق المبادلة بين تركمانستان وإيران وأذربيجان، فيقدر بنحو ملياري متر مكعب سنويًا، وبالتالي لا يُعَد بديلًا مستقلًا إذا كانت العقدة في الشبكة الإيرانية نفسها.
سيناريوهات الانقطاع وتأثيراته
إذا كان ما حدث في مارس/آذار 2026 مجرد هزة قصيرة في خط تبريز–أنقرة، فإن منظومة الطاقة التركية قادرة على تعويض النقص عبر السحب المحدود من المخزون وزيادة واردات LNG.
أما إذا توقف الخط بالكامل لعدة أسابيع، فستضطر تركيا إلى اللجوء لمخزوناتها البالغة 4.5 مليار متر مكعب، لكنها ستستهلك منها فقط ما يعوض غياب الكميات الإيرانية (حوالي 8-9 مليارات متر مكعب سنويًا)، ما يسمح للمخزون بالاستمرار نحو 5-6 أسابيع إذا لم تُستَخدم لمقاصد أخرى.
وإذا امتد التعطل إلى شهور – وهو سيناريو لا ترجحه الحكومة ولا الخبراء – فستتغير قواعد اللعبة، وسيجبر ذلك أنقرة على تشغيل مزيج من كل الأدوات: استنزاف المخزونات، تكثيف استيراد LNG حتى حدود 200 مليون متر مكعب يوميًا، زيادة الاعتماد على روسيا وتسريع إنتاج “صقاريا”.

ويأتي انكشاف خط تبريز–أنقرة قبل أشهر من انتهاء العقد الإيراني، لكن وجود بدائل جاهزة يمنح أنقرة أوراقًا تفاوضية غير مسبوقة.
أولًا، تمتلك أنقرة طاقة كبيرة لاستقبال وإعادة تغويز الغاز المسال، إلى جانب إنتاج محلي متصاعد من البحر الأسود، ما يمنحها هامش مناورة أوسع.
ثانيًا، انتقلت العقود الحديثة من ربط سعر الغاز بالنفط إلى ربطه بمؤشرات الغاز العالمية، بينما ظل العقد الإيراني قائمًا على معادلة أقدم مرتبطة ببرنت وطويلة الأجل وأقل مرونة، ما جعل الغاز الإيراني يبدو أعلى كلفة مقارنةً بالبدائل.
مع ذلك، هناك اعتبارات أخرى قد تمنع أنقرة من الاستغناء عن الخط بالكامل، فجغرافيا، يظل الغاز الإيراني الأقرب، وهو يزود مناطق الأناضول الشرقية مباشرة، ما يقلل تكاليف النقل مقارنة بالغاز المسال الذي يُفرغ في مرافق بحرية.
ويفترض أن زيادة إنتاج “صقاريا” واللجوء إلى الغاز الروسي أو الأذربيجاني قد لا تلبي ذروة الطلب في الشتاء إذا تزامنت مع موجة برد.
لذلك قد تسعى تركيا لتقليل الكميات التعاقدية أو تحويل العقد إلى اتفاق موسمي بدلًا من إنهائه، أو المطالبة بشروط تسعير مرنة. ولا يُستبعد أيضًا أن تستغل أنقرة التقارب السياسي مع طهران للتفاوض على شراء الغاز التركماني عبر إيران بكميات أعلى.