منذ اندلاع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، أصبحت عبارة “فتح مضيق هرمز” متداولة بشكل يومي، بسبب عجز الولايات المتحدة عن حل أزمة أحد أبرز الممرات حول العالم.
فمن الناحية النظرية تملك البحرية الأمريكية أكبر قوة بحرية في العالم، وتنتشر سفنها وطائراتها في الخليج والبحرين الأحمر والمتوسط، لكن الواقع الميداني يُظهر أن هذا التفوق لا يترجم بالضرورة إلى قدرة سريعة على إعادة الملاحة التجارية عبر مضيق هرمز.
فالمعادلة لا تتعلق بوجود حاملات طائرات ومدمرات فقط، بل بإقناع شركات الشحن والتأمين وطواقم البحارة بأن المخاطر باتت مقبولة، وضمان أن مرور عشرات الناقلات يوميًا لن يؤدي إلى كارثة جديدة ترفع أسعار النفط إلى مستويات قياسية.
ما حجم القوة البحرية الأمريكية أصلًا؟
تمتلك البحرية الأمريكية 292 سفينة حربية ولوجستية ضمن ما يسمى قوة المعركة، من بينها 233 سفينة قتالية و59 سفينة دعم.
هذا الأسطول يضم 11 حاملة طائرات تعمل بالطاقة النووية، 10 منها من فئة “نيميتز” وسفينة واحدة من فئة “جيرالد فورد”، وتحمل كل حاملة نحو 60 طائرة قادرة على تنفيذ مئات الضربات يوميًا.
وتشكل الغواصات الأمريكية ركيزة الردع النووي، فالأسطول يضم 14 غواصة باليستية من فئة “أوهايو” تحمل صواريخ ترايدنت النووية، و4 غواصات هجومية من الفئة نفسها معدلة لإطلاق 154 صاروخ “توماهوك” لكل واحدة، و48 غواصة هجومية من فئات “فرجينيا” و”لوس أنجلوس” وغيرها.
وتضم القوة السطحية نحو 90 مدمرة وطرادًا مجهزة بمنظومات للدفاع الجوي والصاروخي وضرب الأهداف البرية، إلى جانب سفن أصغر مثل فرقاطات ولواقط السواحل ومراكب إنزال.
داخل منطقة الشرق الأوسط ارتفعت الحشود منذ يناير/كانون الثاني 2026، ففي تحليل لمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) بواشنطن أوضح الباحثون أن البحرية الأمريكية حشدت ما يلي:
- حاملتي طائرات و13 طرادًا ومدمرة وثلاثة قطع صغيرة في الشرق الأوسط، وهي أكبر قوة في المنطقة منذ حرب العراق عام 2003.
- مع وصول الحاملة “جيرالد فورد” منتصف فبراير/شباط ارتفع العدد إلى نحو 20 سفينة في أو بالقرب من المنطقة، أي أكثر من 40 % من السفن الأمريكية الجاهزة للعمليات البحرية.
- مع بدء الهجوم على إيران، أرسلت واشنطن حاملة “أبراهام لينكولن” وثلاث مدمرات إلى الخليج، ثم أعقبتها “جيرالد فورد” وثلاثة مدمرات إضافية، ليصبح مجموع القطع الأمريكية في المنطقة 16 سفينة بينها حاملتان إضافة إلى أكثر من 100 مقاتلة من طرازات F‑35 وF‑22 وF‑15.
ولهذه السفن قواعد متقدمة في البحرين وقطر وجيبوتي، وتستعين بدعم من طائرات الإنذار المبكر وكتائب الدفاع الجوي (باتريوت وثاد) المتمركزة في الخليج.
لماذا لا تكفي هذه القوة لفتح هرمز بسهولة؟
1- التخويف المتدرج
رغم الانتشار البحري الأمريكي الهائل، لا يبدو أن تسيير البوارج وحده يكفي لإعادة الملاحة التجارية، حتى من دون لجوء إيران إلى زرع ألغام بكثافة أو فرض حصار رسمي.
إذ تعتمد طهران ما يمكن وصفه باستراتيجية “التخويف المتدرج”، أي توجيه ضربات محدودة بالمسيّرات والصواريخ ضد ناقلات النفط والسفن التجارية، بما يكفي لرفع الخطر وتعطيل القرار التجاري، من دون الحاجة إلى إغلاق كامل ومعلن للمضيق.
أظهر هذا الأسلوب قدرته على خفض الحركة البحرية بصورة حادة، إذ أدى إلى انهيار حجم العبور بنسبة 90 %، وفق تحليل لمعهد RUSI البريطاني، بينما بقيت السفن الإيرانية والمرتبطة بها تستحوذ على نحو 60 % من الحركة المتبقية.
وبهذا لا يعود التحكم في المضيق قائمًا فقط على من يملك القوة العسكرية الأكبر، بل على من يستطيع فرض بيئة خوف تدفع جزءًا كبيرًا من السوق إلى التراجع.
2- تعدد أدوات التهديد
تكمن المعضلة العسكرية في أن التهديد الإيراني ليس واحدًا، بل مزيج من المسيّرات والصواريخ والألغام يرهق الحماية الأمريكية.
فطهران تمتلك قدرة على تصنيع نحو 10 آلاف مسيّرة شهريًا، ولديها مخزون من 2,500 إلى 6,000 صاروخ بحسب تقديرات متعددة، إضافة إلى 5,000–6,000 لغم بحري يمكن أن تُزرع في المضيق.
وتتوزع هذه الألغام بين قاعية ومتحركة وصاروخية، فيما يقول خبراء إن إزالة عدد منها قد يستغرق أشهرًا، ما يجعل أي محاولة لتأمين الملاحة عملية معقدة وطويلة، لا مجرد مهمة عسكرية سريعة.
3- تكلفة مرهقة
تزداد المشكلة لأن أي مدمرة أمريكية مهما بلغت قدراتها، لا تستطيع أداء كل المهام في وقت واحد. وأوضح تحليل لوكالة رويترز، أن حماية قافلة واحدة قد تتطلب نحو 12 سفينة حربية كبيرة مدعومة بطائرات مقاتلة وطائرات مسيّرة ومروحيات.
وذلك لأن السفينة الواحدة يمكنها اعتراض صواريخ لكنها لا تستطيع في الوقت نفسه كنس الألغام، والتصدي لزوارق مسلحة، ومواجهة أسراب المسيّرات. وهكذا يتحول التفوق العسكري النظري إلى عبء تشغيلي ثقيل حين يتعلق الأمر بحماية ممر ضيق ومزدحم مثل هرمز.
4- جغرافيا قاسية
المعضلة ليست في السلاح فقط، بل في المكان أيضًا، فالمضيق، بعرض يقارب ثلاثين كيلومترًا، يضع القطع الأمريكية الكبيرة داخل مساحة ضيقة ومعرضة لتهديدات متزامنة، بما يجعل المدمرات هدفًا مكشوفًا.
وحتى في ظل غياب أدلة على انتشار واسع للألغام، مع تقارير تشير إلى زرع نحو عشرة ألغام فقط حتى 25 مارس/آذار، يبقى الخطر الأكبر في قدرة إيران على استخدام عدد محدود من الوسائل لإحداث أثر واسع في قرار العبور.
كم تكلف حماية هرمز؟
تكلفة “فتح هرمز” باهظة، لأن إعادة الملاحة لا تعني فقط نشر مزيد من القطع البحرية، بل أيضًا خفض المخاطر التي رفعت أقساط التأمين على السفن العابرة من نحو 0.25 % قبل الحرب إلى 3 % في بعض الحالات، أي نحو 7.5 مليون دولار لتأمين ناقلة تبلغ قيمتها 250 مليون دولار.
ومع هذا الارتفاع، قدّرت شركات التأمين الكبرى وجود نحو ألف سفينة في الخليج بقيمة إجمالية تصل إلى 25 مليار دولار، وكلها تحتاج إلى تغطية منفصلة للمخاطر الحربية. كما أن كثيرًا منها رسا في المياه المفتوحة خارج المضيق، ما جعل حركة نقل نحو 20 مليون برميل من النفط يوميًا مهددة.
حتى المحاولات الرامية إلى طمأنة السوق لم تحقق أثرًا حاسمًا، فرغم إعلان شركة التأمين الأمريكية “تشب” برنامج إعادة تأمين بقيمة 20 مليار دولار بدعم حكومي للسماح للسفن بالمرور، لم ينجح البرنامج في جذب شركات الشحن، لأن المشكلة لم تكن مالية فقط، بل أمنية أيضًا.
ويعزز درس البحر الأحمر هذه الشكوك:
- فقد أنفقت الولايات المتحدة وشركاؤها أكثر من مليار دولار في الحملة ضد الحوثيين منذ 2023.
- أسقط هؤلاء مئات المسيّرات، لكن أربعة سفن غرقت، ولا يزال معظم الشحن التجاري يتجنب باب المندب.
- هذا يعني أن مرافقة القوافل العسكرية لا تعيد تلقائيًا الملاحة التجارية، ولا تخفض أقساط التأمين ما دامت المخاطر الأساسية قائمة.
وفي هرمز، تبدو المهمة أكثر تعقيدًا لا سيما أن منطقة الخطر فيه أكبر بخمسة أضعاف من باب المندب، وأن الخصم الإيراني أكثر تمرسًا وتسليحًا.
لذلك لا تبدو المشكلة في إرسال مزيد من السفن فقط، بل في القدرة على حماية ممر أوسع وأكثر حساسية واستراتيجية في الوقت نفسه.

عملياتيًا، لا تملك الولايات المتحدة وفرة مريحة في أدوات إزالة الألغام داخل الخليج:
- سُحبت سفن “أفنجر” المصممة لكسح الألغام من البحرين واستُبدلت بسفن “القتال الساحلية” التي يمكن تجهيزها بمعدات مضادة للألغام، لكن اثنتين منها كانتا قيد الصيانة بسنغافورة في مارس/آذار.
- اعترف مسؤول أمريكي بأن البحرية “لا تملك خيارات كثيرة”، وأن القدرات الحالية تشمل أربع سفن كسح ألغام، ومركبات بحرية غير مأهولة، ومروحيات وغواصين.
في المقابل، يملك الحرس الثوري الإيراني زوارق سريعة ومسيّرات وصواريخ “نور” و”قدير” المضادة للسفن، المنتشرة في كهوف وجبال تطل مباشرة على المضيق.
هذا التفاوت لا يعني أن إيران أقوى بحرًا، بل أن كلفة تحييد أدواتها المنتشرة على الساحل مرتفعة ومعقدة، خصوصًا في ممر ضيق وحساس مثل هرمز، وهو ما يفسر تردد واشنطن في تولي المهمة منفردة ودعوتها حلفائها لفتح المضيق.
فإرسال مزيد من السفن لا يرفع الكلفة المالية فقط، بل يزيد أيضًا احتمال الخسائر البشرية. إذ أن خسارة مدمرة واحدة تعني مقتل نحو 300 بحار، وهو ما يغيّر حسابات الرأي العام الأمريكي، كما أن تركيز القوات الأمريكية في الخليج يعرّي جبهات أخرى في المحيط الهادئ وأوروبا.
لهذا يرى خبراء RUSI أن الطريق الأكثر واقعية لعودة الملاحة الآمنة لا يمر عبر القوة العسكرية وحدها، بل عبر تسوية سياسية مع إيران تقنعها بوقف الهجمات.