تنطبق جملة “المال هو حليب الأم في السياسة” (Money is the mother’s milk of politics)، المنسوبة للسياسي الأمريكي جيسي أونرو (Jesse Unruh)، على طبيعة عمل جماعات الضغط “اللوبي” التي تعتمد على التمويل للتأثير في صنع السياسات والقدرة على الحشد والتنظيم، لا سيما في الولايات المتحدة الأمريكية حيث يعد المال محركًا أساسيًا للسياسة، سواء على المستوى الداخلي أو على مستوى الجماعات التي تمثل مصالح وقضايا مرتبطة ببلدانها.
يشكّل التمويل الأداة التشغيلية الأساسية للّوبي، فهو يمول فرق العمل من قانونيين وخبراء سياسات وعلاقات عامة، ويساعد على إعداد الدراسات، وتنظيم الحملات الإعلامية، وبناء شبكات اتصال مع صناع القرار، وكلما زادت الموارد، اتسعت قدرة الجماعة على الاستمرارية والتأثير.
في الولايات المتحدة، حيث يُقدَّر عدد السوريين بنحو 195 ألف شخص، وتنشط منظمات ومؤسسات ورجال أعمال وسياسيون شكلوا ما يُعرف بـ”اللوبي السوري الأمريكي”، يعد المال ركنًا أساسيًا في العمل السياسي، ووسيلة فعّالة لتحويل المصالح إلى سياسات وتشريعات.
يستعرض هذا التقرير تمويل “اللوبي السوري في أمريكا” من حيث مصادره وأشكاله، مع مناقشة نقاط القوة والضعف في النموذج المعتمد، وتأثير التمويل على القضايا السياسية وتحديد أولويات العمل عليها.
التبرعات أساس التمويل
وفق رصد “نون بوست”، يعتمد تمويل اللوبي السوري في الولايات المتحدة بشكل رئيس على التبرعات، التي تشمل التبرع عبر روابط مفتوحة على مواقع معظم المنظمات والمؤسسات السورية في أمريكا مع إمكانية الدفع بأموال نقدية أو عملات مشفرة أو أسهم، والتبرعات المقدمة من أبناء الجالية السورية، إضافة إلى مساهمات رجال ورواد الأعمال.
ويضاف إلى ذلك نشوء لجان العمل السياسي (PACs)، التي تقوم أساسًا بجمع التبرعات لدعم أو معارضة المرشحين الأمريكيين، وتنظيم فعاليات لخدمة قضايا بلدانهم، مثل لجنة “قائمة كايلا” (Kayla’s List PAC) التي انطلقت في مارس/آذار 2018، وتضم شخصيات من أبناء الجالية السورية.
وتؤكد “قائمة كايلا” أن التبرعات المقدّمة لدعم المرشحين ساهمت بشكل حاسم في توعية المسؤولين في الكونغرس الأمريكي بالقضايا المرتبطة بسوريا، كما ذكرت في تقريرها لنهاية عام 2019، بأنها قدمت خلال دورة الانتخابات 2017-2018 دعمًا لـ28 مرشحًا بإجمالي 73400 دولار خلال سنتين، بينما دعمت خلال دورة الانتخابات 2019-2020، 33 مرشحًا بإجمالي 89350 دولار خلال سنة واحدة.
ويقول الطبيب طارق كتيلة، أحد مؤسسي التحالف السوري الأمريكي للسلام والازدهار، إن العمل والضغط السياسي في أمريكا يعتمد بشكل حاسم ومباشر على التبرعات، إما لدعم الحملات الانتخابية لمرشحي الكونغرس أو مرشحي الرئاسة، أو لتأمين وجود كوادر سورية في واشنطن العاصمة ودوائر صنع القرار، مشيرًا إلى أن جمع التبرعات في بدايات العمل واجه صعوبات لأن الثقافة السورية لا تؤمن بتمويل العمل السياسي عبر التبرعات.
ويضيف كتيلة أن وجود دعم مالي، سواء من أموال شخصية أو من الجالية أو من الأصدقاء، يتيح إمكانية الوصول إلى دوائر صنع القرار في الولايات المتحدة، مشيرًا إلى أن الجالية السورية تمكنت من جمع أكثر من مليون دولار لدعم حملة هيلاري كلينتون عام 2016.
من جانبه، يوضح فاروق بلال، رئيس المجلس السوري الأمريكي (SAC) أقدم منظمات النشاط السياسي السوري في أمريكا، بأن المجلس يعتمد بشكل أساسي على دعم الجالية السورية الأمريكية، ويأتي معظم تمويله من تبرعات الأفراد الراغبين في دعم جهود المناصرة والتوعية بقضية الشعب السوري في واشنطن.
ويقول السياسي فاروق بلال لـ”نون بوست” إن تنظيم هذه التبرعات يتم بصفة المجلس منظمة غير ربحية، بما يسمح للمتبرعين بالاستفادة من المزايا الضريبية المرتبطة بالتبرعات الخيرية.
“تمويل غير مشروط”
اعتماد العمل السياسي، ولا سيما جماعات الضغط، على التمويل لاستمرار أنشطتها يفتح النقاش حول كيفية ترتيب الأولويات وتداخل المال في تحديد القضايا التي تركز عليها.
يوضح معاذ مصطفى، المدير التنفيذي للمنظمة السورية للطوارئ (SETF)، وهي من أوائل المؤسسات التي نشأت عقب انطلاق الثورة السورية، أن المنظمة تعتمد في تمويلها على تبرعات أفراد من داخل المجتمع الأمريكي، بصفتها منظمة غير ربحية. ويشير إلى أن هذه التبرعات تأتي من مواطنين أمريكيين في مدن وولايات متعددة، دون ارتباطات أو جذور سورية، مؤكدًا أنها تُقدَّم دون أي شروط تمس طبيعة عمل المنظمة الإنساني أو القانوني أو السياسي أو الإعلامي.
ويقول مصطفى في حديثه لـ”نون بوست”، إن المنظمة لا تأخذ أي دعم من أي حزب أو دولة أو حكومة، كما لا تقبل بأي دعم إذا كان مشروطًا، مشيرًا إلى تحديات مالية تواجه عملها، إذ بالكاد تواصل المنظمة عملها لعدم وجود ميزانية، وهي فقيرة بالمقارنة مع المنظمات الأخرى، لكنها تعمل بفعالية بما لديها، وفق معاذ مصطفى الذي يؤكد شكره لكل من يمكن أن يتبرع لها، وشعوره بالفخر بالاستقلال والقدرة على العمل بمبادئ الثورة.
أما رئيس المجلس السوري الأمريكي، فاروق بلال، فيقول لـ”نون بوست” إن أولويات عمل المجلس لا تحددها مصادر التمويل، بل احتياجات المجتمع الذي يمثله، مشيرًا إلى أن المجلس ينظّم لقاءً سنويًا يجمع الأعضاء والداعمين وقادة المجتمع لمناقشة الاستراتيجية وتحديد أولويات العمل للعام المقبل، بما يضمن أن تعكس أجندة المجلس الصوت الجماعي للجالية السورية الأمريكية، وليس توجهات أي متبرع فردي.
ويضيف بلال أن هذا النموذج القائم على المجتمع يساعد المجلس على الحفاظ على استقلاليته، مع ضمان أن تبقى جهوده في المناصرة متوافقة مع مصالح وقيم السوريين الأمريكيين في مختلف أنحاء الولايات المتحدة.
من جانبه، يؤكد الطبيب طارق كتيلة أن الجهات التي تساهم وتقود جمع التبرعات، بما فيها منظمات وجمعيات وأفراد من رجال الأعمال، تشارك في تحديد المطالب وأولويات العمل، حيث تؤثر القدرة على جمع الأموال في عملية اتخاذ القرار بشأن الملفات التي تُعطى الأهمية الأكبر، مشيرًا إلى اجتماع عدة مجموعات ومؤسسات سورية أمريكية وشخصيات مستقلة، وتكاثفت جهودها لتساهم للمرة الأولى في انتخابات رئاسية أمريكية عام 2016، مع تحديد أولوياتها.
ست نقاط ضعف.. خمسة عوامل للاستدامة
يتيح نموذج التمويل عبر التبرعات استقلالية للمؤسسات في إدارة أنشطتها ومتابعة أعمالها المتعددة، لكن هذا النموذج يصاحبه تحديات تتعلق بعدم انتظام الموارد وصعوبة التنبؤ بحجم التمويل، ما يؤثر على قدرتها في تنظيم الحملات والفعاليات وبناء العلاقات مع صناع القرار والدفع في القضايا المختلفة.
يقول الطبيب زاهر سحلول، رئيس منظمة “ميد غلوبال” الإنسانية، إن مسألة التمويل تمثل تحديًا للعمل السوري في أمريكا، مضيفًا أن نقاط القوة في نموذج التبرعات تكمن في أنه يحافظ على استقلالية المنظمات ويحررها من قيود التمويل الحكومي أو المؤسسي الذي قد يفرض شروطًا سياسية. كما أن التبرعات الفردية، عندما تأتي من قاعدة واسعة داخل الجالية، تمنح المنظمة شرعية مجتمعية وتجعلها أكثر قدرة على التعبير بحرية.
وفي حديثه لـ”نون بوست”، يرى الطبيب زاهر سحلول، الذي شغل سابقًا رئاسة الجمعية الطبية السورية الأمريكية (SAMS) وأسس مبادرة “الأديان من أجل سوريا”، أن نقاط الضعف في نموذج الاعتماد على التبرعات “خطيرة وجوهرية”، مقسمًا إياها إلى ست نقاط:
- عدم الاستدامة: التبرعات غير مضمونة وتتأثر بتقلبات الظروف الاقتصادية وأولويات المانحين التي قد تتغير مع مرور الوقت.
- ضيق الأفق التمويلي: معظم التبرعات تأتي من الجالية السورية نفسها، وهي جالية محدودة العدد مقارنة بجاليات أخرى، ما يجعل حجم التمويل دون المستوى المطلوب لتنفيذ حملات مؤثرة على مستوى الولايات المتحدة.
- إهمال بناء التحالفات: من أبرز العيوب في العمل السوري هو إهمال إنشاء تحالفات مبنية على المبادئ المشتركة مع مجموعات أخرى مثل الأفارقة الأمريكيين، واللاتينو، والعرب، والأوكرانيين، وغيرهم، فعدد السوريين قليل مقارنة بهذه المجموعات، وبالتالي فإن غياب هذه التحالفات يحد من التأثير ويفوّت فرصًا كبيرة لبناء تحالفات أوسع تخدم القضية السورية والقضايا المشتركة.
- ضعف التنسيق مع مؤسسات التوعية المدنية ومراكز التفكير الاستراتيجي: على الرغم من أهمية العمل المباشر في واشنطن، إلا أن هناك قصورًا في التنسيق مع المؤسسات التي تعمل على التوعية المدنية للجاليات المسلمة والعربية في أمريكا، مثل (Emgage وMPAC ، وMuslim Public Affairs Council). كما أن الدعم والشراكة مع مراكز التفكير الاستراتيجية (Think Tanks) مثل Middle East Institute وAtlantic Council وNew Lines Institute وNorth Star Initiative by Emgage لا يزال دون المستوى المطلوب. هذه المراكز تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام وصياغة السياسات في واشنطن، والاستثمار في العلاقة معها يضيف مصداقية وعمقًا للعمل السوري، ويفتح أبوابًا للتأثير لا تستطيع المنظمات الصغيرة وحدها تحقيقها.
- ضعف العمل المؤسسي الاحترافي: التمويل القائم على التبرعات الفردية غالبًا ما يذهب للأنشطة المباشرة مثل الفعاليات واللقاءات، دون ترك مساحة كافية لبناء بنية تحتية مؤسسية قوية من باحثين ومحترفين يعملون بشكل دائم.
- غياب التمويل للعمل طويل المدى: بناء علاقات مع صناع القرار يتطلب استمرارية وحضورًا دائمين، وهو أمر يصعب تأمينه عبر تبرعات متقطعة.
ويشير سحلول إلى حلول مقترحة، والحاجة إلى تنويع مصادر التمويل والانتقال تدريجيًا نحو نموذج يجمع بين خمسة محاور هي:
أولًا، بناء قاعدة واسعة (عريضة) من المانحين الأفراد داخل الجالية السورية.
ثانيًا، إقامة شراكات استراتيجية مع مؤسسات أمريكية فاعلة في السياسة الخارجية.
ثالثًا، الاستفادة من برامج المنح الأمريكية المتاحة للمنظمات غير الربحية العاملة في مجالات الحوكمة والديمقراطية وحقوق الإنسان.
رابعًا، بناء تحالفات حقيقية مع مجموعات عرقية ودينية وسياسية أخرى تشارك المبادئ والمصالح المشتركة.
خامسًا، تعزيز التنسيق مع مؤسسات التوعية المدنية مثل Emgage وMPAC، والاستثمار في شراكات طويلة الأمد مع مراكز التفكير الاستراتيجية مثل MEI وAtlantic Council وNew Lines Institute وNorth Star Initiative، بحيث تصبح القضية السورية حاضرة في الأبحاث والسياسات التي تنتجها هذه المؤسسات.
التبرعات وحدها، كما هي اليوم، لن تكون كافية لبناء لوبي سوري حقيقي قادر على المنافسة في واشنطن، يقول سحلول، الذي يشدد على الحاجة إلى احترافية في العمل، واستدامة في التمويل، ووحدة في الرؤية، وتحالفات استراتيجية تعوّض قلة العدد وتزيد الوزن السياسي للجالية السورية في أمريكا.