• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

خريف الطغاة: لماذا تُعد سوريا “البروفة” الحقيقية لسقوط طهران؟

لينا الخطيب٢٧ مارس ٢٠٢٦

تُظهر صورة التُقطت في حي اليرموك بالعاصمة السورية دمشق، بتاريخ 26 مارس/آذار 2024، لوحات تحمل صور الرئيس السوري السابق بشار الأسد والمرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي، في مشهد يعكس رمزية العلاقة الوثيقة بين النظامين. 

ترجمة وتحرير: نون بوست

هيمنت التقديرات التي تفيد بأن حرب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إيران قد تتحول إلى امتداد جديد للمغامرة الكارثية التي خاضها جورج دبليو بوش في العراق على النقاش العام، ولا سيما المخاوف المتعلقة بالتداعيات السلبية لفرض تغيير النظام من الخارج. غير أنه، رغم الحضور الطاغي للعراق في الذاكرة الجماعية، تبرز سوريا بوصفها نموذجًا أكثر دلالة وثراءً بالدروس.

فقد شكّل المسار السوري، من اندلاع الاحتجاجات المناهضة للنظام عام 2011 إلى سقوط بشار الأسد في عام 2024 وما أعقبه من انتقال في السلطة، مرجعًا تحليليًا أدق لفهم إشكالية تغيير النظام في إيران. وعلى امتداد ما يقارب خمسة عشر عامًا منذ انطلاق الانتفاضة، سادت سرديات مضللة تفترض حتمية بقاء النظام، بل ورأى كثيرون في الغرب وإسرائيل وغيرها أن استمراره خيار مفضل، مدفوعين بمخاوف من بدائل قد تكون أكثر تهديدًا لاستقرار سوريا والمنطقة. غير أن الدرس الأبرز لا يتمثل في تكرار السيناريو السوري في إيران، بل في أن الأنظمة غالبًا ما تبدو في ذروة قوتها قبيل بدء تآكل ركائزها السياسية.

وخلال سنوات الصراع، كرّست الحالة السورية جملة من الافتراضات التقليدية حول صمود الأنظمة، أبرزها أن الأنظمة المتجذرة لعقود طويلة عصيّة على الانهيار، وأن تغييرها يتطلب معارضة موحدة أو بديلًا جاهزًا، فضلًا عن ضرورة تدخل عسكري بري خارجي لقلب موازين القوى، مع الإقرار بإمكانية فشل هذه التدخلات كما حدث في العراق. وتكتسب هذه الفرضيات أهميتها في ضوء إسقاطها المتكرر على الحالة الإيرانية.

وعلى غرار نهج نظام الأسد لسنوات طويلة، تعتمد الجمهورية الإسلامية استراتيجية بقاء صارمة ترتكز على القمع الداخلي، وتصدير الأزمات إلى الخارج، واستنزاف الخصوم. غير أن هذه المقاربة تحمل في طياتها عوامل تقويضها الذاتي، فكما اعتُبر نظام الأسد قادرًا على الصمود وإدارة صراع مفتوح، يُنظر إلى النظام الإيراني بوصفه نموذجًا مماثلًا. إلا أنه، بخلاف الطابع الشخصاني لنظام الأسد، لا يقوم على أفراد بعينهم. وقد عُدّ التعيين السريع لمرشد أعلى جديد عقب مقتل علي خامنئي، إلى جانب إحلال قيادات أكثر تشددًا محل شخصيات مغتالة، مؤشرًا على متانة البنية المؤسسية. ومع ذلك، ومع تعمّق العزلة وتزايد الضغوط العسكرية، يُرجّح أن تتسع هوامش الانقسام داخل الأجهزة الأمنية.

ورغم أن التدهور العسكري لا يؤدي بمفرده إلى انهيار الأنظمة، فإنه قد يمهّد لحدوث تصدعات سياسية. وفي هذا السياق، تواصل الحملة الجوية الأمريكية-الإسرائيلية تقليص القدرات العسكرية الإيرانية تدريجيًا، في وقت يشهد فيه برنامج الصواريخ تراجعًا ملحوظًا. كما أن لجوء طهران إلى تفعيل حزب الله ضد إسرائيل وأصول حليفة للولايات المتحدة يشير إلى حالة من اليأس أكثر منه إلى قوة حقيقية. وكانت هجمات حزب الله مجرد إلهاء محدود، دون أن تُحدث تحولًا جوهريًا في ميزان القوى لصالح إيران.

ويعكس سلوك إيران في هذا السياق منطق البقاء ذاته الذي اعتمده الأسد، والقائم على رفع كلفة الضغوط الخارجية عبر توسيع نطاق المخاطر، بحيث يبدو ضعف النظام أكثر خطورة من استمراره. إلا أن التصعيد عبر تعطيل الملاحة في مضيق هرمز يكشف في المقابل عن مكامن ضعف عسكري، لا سيما أن استهداف الشحن المدني لا يتطلب موارد عسكرية كبيرة. وقد ركّزت إيران الآن على زيادة الكلفة الاقتصادية للحرب على خصومها (وعلى العالم) جزئيًا لأنها غير قادرة على مواصلة الرد العسكري بنفس الزخم الذي بدأت به الحرب.

لقد أكد الإغلاق شبه الكامل لمضيق هرمز هشاشة إيران العسكرية. وإذا ما تمكنت القوات الأمريكية من السيطرة على جزيرة خارك ومناطق على الساحل الإيراني، فإن فقدان السيطرة على الأراضي سيكون خسارة مادية ومعنوية كبيرة للنظام، كما سيؤدي إلى انهيار السردية التي حاول النظام تصويرها للقوة أمام الشعب الإيراني.

وطالما احتفظ النظام بقدرته على القمع الداخلي، يظل احتمال اندلاع تحرك شعبي واسع أو حدوث انقلاب عسكري منخفضًا. غير أنه مع تراجع القدرات العسكرية لإيران إلى حد كبير، من المرجح أن تتفاقم الخلافات الداخلية حول الاستراتيجية وهو ما يفتح المجال أمام التغيير السياسي. وكما أظهرت التجربة السورية، يمكن لمثل هذه اللحظات أن تُفرز قادة غير متوقعين وهياكل سلطة غير مألوفة، دون الحاجة إلى معارضة منظمة ومرئية.

وقد يشير البعض إلى أن الأسد صمد لسنوات حتى بعد إضعاف الجيش السوري بشكل كبير، لكن القصة الحقيقية لسوريا مختلفة. فقد استمر الأسد ليس بفضل قوة النظام، بل نتيجة سلبية الغرب وفشل القوى الخارجية في إعادة النظر في افتراضاتها. فقد ألقت حرب العراق عام 2003 بظلالها الثقيلة على سياسة الغرب تجاه سوريا، ما أغلق الباب أمام التدخل العسكري المباشر. وعلى عكس إيران اليوم، لم تواجه سوريا جهدًا مستمرًا من القوى الخارجية لإطاحة الأسد أو ممارسة ضغوط جدية عليه بعد بدء الانتفاضة. أما إيران، فهي اليوم تواجه الولايات المتحدة وإسرائيل اللتين تبدوان غير متسامحتين إطلاقًا مع استمرار دورها كعامل زعزعة للاستقرار في الشرق الأوسط.

وصمد الأسد لأكثر من عقد أيضًا لأنه تلقى إنقاذًا مبكرًا؛ فقد سارعت إيران إلى تقديم المشورة للنظام السوري لتطبيق نموذج القمع القاسي والمجرب ضد المتظاهرين العزل، ثم تدخلت روسيا لاحقًا لمنع هزيمته أمام معارضة مسلحة تزداد قوة يومًا بعد يوم. أما إيران اليوم، فهي تفتقر إلى شريان دعم مماثل. وتشير التقارير إلى أن روسيا قدمت مساعدة عسكرية ومعلومات استخباراتية محدودة، لكن لا روسيا ولا الصين تدخلتا بشكل فعّال لحماية إيران. فلم تعترضا على قرار مجلس الأمن رقم 2817 الذي أدان هجمات إيران على دول الخليج، كما لم تقم موسكو بإعادة تزويد إيران بأنظمة الدفاع الجوي. وقد أبرز سلوك روسيا في سوريا حدود دعمها حتى عندما قدمته، فعندما بدأ الانهيار النهائي للأسد عام 2024، اكتفت بالتصريحات بدل الإنقاذ، بعد أن خلصت إلى أن بقاؤه على رأس القيادة لم يعد ضروريًا لمصالحها. ومن غير المرجح أن تخاطر روسيا بأولوياتها الكبرى – وخاصة غزوها لأوكرانيا – من خلال مواجهة جدية مع الولايات المتحدة بشأن إيران.

وتعتبر الإشارة إلى “تغيير النظام” مضللة أيضًا عند مناقشة المرحلة النهائية لإستراتيجية الولايات المتحدة وإسرائيل في إيران. وغالبًا ما يُستشهد بالعراق كسابقة تحذيرية، حيث أدى إسقاط النظام حتى مع وجود قوات أجنبية على الأرض إلى فوضى داخلية وظهور جهات مسلحة غير حكومية. لكن إيران ليست العراق، كما أن الحملة الأمريكية الإسرائيلية لا تتبع النموذج الذي استُخدم في العراق عام 2003.

إن مزيج الضغوط المطبق حاليًا على إيران، من العمل العسكري المباشر والخنق الاقتصادي والتأثير على المزاج الداخلي وتقويض نموذج الردع القائم على الوكلاء، يشكل إستراتيجية مختلفة مصممة خصيصًا لنقاط ضعف إيران. وتشمل هذه نقاط الضعف الإفراط في استخدام الوكلاء المسلحين لتحقيق النفوذ الإقليمي، وبيئة داخلية عبّر فيها المواطنون بوضوح عن استيائهم السياسي، وعقيدة دفاعية تعتمد على الأدوات غير المتكافئة بدل التفوق التقليدي، ونموذج ردع يعتمد بقدر كبير على الصورة المتصورة للقدرات بقدر اعتماده على القوة الفعلية. وبذلك، فإن الإستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية ليست غزوًا واحتلالًا، بل استنزافًا، عبر استهداف الأدوات المحددة التي استخدمتها إيران لإسقاط قوتها.

ولا يُعد العراق دليلًا مفيدًا لما قد يحدث لاحقًا؛ فقد كان التمرد الذي أعقب الغزو ممكنًا إلى حد كبير بسبب دور الرعاة الخارجيين، وعلى رأسهم إيران، التي موّلت ودرّبت ميليشيات شيعية قاتلت القوات الأمريكية والبريطانية على الأراضي العراقية. أما اليوم، فلا يوجد راعٍ خارجي مماثل يمكن أن يدعم تمردًا بعد سقوط النظام إذ تبدو إيران معزولة نسبيًا في هذه المواجهة. وحتى لو شكّلت بعض قوى النظام الإيراني تمردًا مسلحًا، فإن غياب الدعم الخارجي سيحدّ من قدرتها على إحداث اضطراب، ما يجعل تكرار المسار الإقليمي نفسه أقل احتمالًا خاصة بعد أن تفقد إيران دورها كراعٍ.

وعلى نحو أعمق، فإن الحديث عن “تغيير النظام” يحجب السؤال الاستراتيجي الحقيقي؛ فالقضية لا تتعلق بما إذا كان ينبغي للقوى الخارجية السعي إلى انهيار النظام كغاية بحد ذاته، بل بكيفية تحييد التهديد الذي تمثله إيران بطريقة مستدامة. وظهور تيار براغماتي في طهران لن يكون كافيًا لإزالة هذا التهديد. وكما حدث في سوريا ولبنان بعد ظهور حكومات أكثر براغماتية أو مقبولة، قد تستمر العمليات العسكرية الإسرائيلية طالما بقيت ترسانات صاروخية يمكن استخدامها ضدها يومًا ما. بل إن القيادة البراغماتية قد تجعل استمرار مثل هذه الاستراتيجية أسهل، نظرًا لأنها أقل ميلاً للرد.

ويشكل التزام إيران بمواصلة الحرب نقطة ضعفها القاتلة؛ فعلى الرغم من تغيّر بيئتها الاستراتيجية، المتمثل في تقارب أكبر بين الولايات المتحدة وإسرائيل ودول الخليج، فإن إيران لم تُظهر أي دليل يُذكر على تكيف حقيقي. وبدلًا من ذلك، تتمسك طهران بالنموذج الذي ساهمت في ترسيخه في سوريا: قمع المعارضة الداخلية، والتحذير من أن انهيار النظام سيؤدي إلى فوضى إقليمية أوسع، والمراهنة على أن الخصوم سيفضلون في النهاية التكيف على مواجهة عدم استقرار طويل الأمد. وقد اتبع الأسد نهجًا مشابهًا، حيث قدّم حكمه كبديل وحيد للفوضى والتطرف، جزئيًا عبر تأطير الحرب الأهلية في سياق التهديد الجهادي. وتعكس هجمات إيران على دول الخليج وشبه إغلاقها لمضيق هرمز المنطق ذاته. غير أن النظام، من خلال ذلك، يستنزف تدريجيًا قدراته العسكرية وأدواته الوكيلة التي تقوم عليها قوته الإقليمية، ويقوّض في الوقت نفسه تماسكه الداخلي.

إن استحضار تجربة سوريا يتحدى الثنائيات المبسطة التي تهيمن على النقاش حول إيران: الاستقرار مقابل الفوضى، وبقاء النظام مقابل انهياره، والتدخل مقابل السلبية. فالدرس المستفاد من سوريا ليس أن إيران ستنهار بنفس الطريقة، بل أن الأنظمة المتجذرة قد تكون أضعف بكثير مما تبدو وأن الاستقرار الظاهري قد يمثل المرحلة الأخيرة قبل أن تبدأ أسسها السياسية في التآكل.

رابط المصدر: فورين بوليسي

علاماتأمريكا وإيران ، التدخل الإيراني في سوريا ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الدعم الإيراني للنظام السوري ، النظام الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الإيرانية

قد يعجبك ايضا

سياسة

خريطة الإمدادات.. كيف تنقل الإمارات السلاح إلى دارفور؟

يوسف بشير٢٧ مارس ٢٠٢٦
سياسة

إسرائيل تمدد إغلاق المسجد الأقصى حتى منتصف أبريل

لبنى مصاروة٢٧ مارس ٢٠٢٦
سياسة

خلف الكواليس: كيف تحاول تركيا وباكستان إبقاء الخليج خارج دائرة الحرب؟

ليفنت كمال٢٦ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑