• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بين الردع والانجرار: هل يصمد الحياد الخليجي؟

مرام موسى٢٩ مارس ٢٠٢٦

يتصاعد الدخان بعد أن أطلقت إيران هجومًا صاروخيًا استهدف مقر الأسطول الخامس التابع للبحرية الأمريكية في المنامة، 28 فبراير/شباط 2026.

وجدت دول الخليج العربي نفسها فجأة في عين عاصفة لم تخترها، إذ سرعان ما تحول مسعاها الدؤوب نحو تهدئة التوترات بين واشنطن وطهران، وتجنيب المنطقة شبح مواجهة مفتوحة، إلى ورطة وُجدت فيها دون أن تكون طرفًا فيها، وهو ما عبر عنه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي بصراحة، حين قال إن دول المجلس “لا ناقة لها في هذا الصراع ولا جمل”.

ففي 28 فبراير/شباط، وبعد ساعات قليلة من شن الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على طهران، ردت إيران بسيل من الضربات طالت مواقع حيوية موزعة على ست دول خليجية، وبينما أصرت طهران على أن أهدافها اقتصرت على القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، كشف الواقع عن صورة مغايرة؛ إذ امتدت الضربات لتشمل أحياء سكنية ومنشآت استراتيجية وبنى تحتية حيوية.

ومع كل تصعيد أمريكي ضد إيران منذ بدء هذه الحرب، كانت طهران ترد بالمثل، لكن عبر استهداف مواقع خليجية، في محاولة لرفع كلفة الحرب، إذ تشير الإحصاءات إلى أن نحو 83% من الهجمات الإيرانية منذ اندلاع الحرب استهدفت دول الخليج العربية، مقابل 17% فقط استهدفت “إسرائيل”.

في المقابل، تلقت دول الخليج الصدمة عبر التركيز على الردع والتصدي للهجمات دون تنفيذ أي عمليات عسكرية مضادة، في ما وُصف بـ”الصبر الاستراتيجي”، إدراكًا منها لرغبة الأطراف المتصارعة في زجها في الحرب لتحقيق مصالح قد تنعكس دمارًا على دولها، وفي أحدث تصريح له، أكد البديوي، أن دول المجلس تحلت بأعلى درجات ضبط النفس، وآثرت عدم الرد على الهجمات الإيرانية تفاديًا لتوسّع رقعة الصراع، مشددًا على أنها لن تشارك في أي عملية عسكرية ضد إيران، ولن تكون طرفًا فيها.

في الوقت ذاته، لم يخلُ الموقف الخليجي من التلويح بالتصعيد والرد على الهجمات الإيرانية المتزايدة، التي لا أفق لنهايتها حتى الآن؛ إذ أكد بيان خليجي على حق الدفاع عن النفس في مواجهة التهديدات الإيرانية، كما قال وزير الخارجية السعودي: “صبرنا على الاعتداءات الإيرانية له حدود”.

وهنا يبرز سؤال جوهري: ما القشة التي قد تكسر صمود الحياد الخليجي؟ وهل ستكون كلفة دخول الحرب أعلى من كلفة البقاء خارجها؟ وما العوامل التي قد تدفع هذه الدول إلى اتخاذ مثل هذا القرار الحرج؟

الخليج لن يقف أمام تجاوز طهران الخطوط الحمراء 

كررت دول الخليج العربي التزامها بالمسارات الدبلوماسية لإنهاء هذه الحرب وتجنب الانجرار إلى فخها، كما شدد مسؤولوها في أكثر من مناسبة على أن هذه الحرب ليست حربهم، لكن مع اتساع رقعة الأهداف الإيرانية في الخليج وتزايد خطورتها في تهديد الأمن الإقليمي، بدا وكأن صبر هذه الدول بدأ ينفد تدريجيًا.

يؤكد ذلك أستاذ العلوم السياسية في جامعة قطر، علي باكير، قائلًا إن إيران تلعب بالنار بتصعيدها هجماتها على البنية التحتية للطاقة في الخليج، معتبرًا أنه: “سيزداد الضغط على دول مجلس التعاون الخليجي للانتقال من الموقف الدفاعي إلى الموقف الهجومي، مع انخفاض مخزون الصواريخ الاعتراضية”.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

من جهته يرى الكاتب والمحلل السياسي السعودي سعد الحامد أن دول الخليج تواصل استخدام الجانب الدبلوماسي والسياسي بكثافة، بالتزامن مع رفع جاهزيتها العسكرية وتكثيف أنظمتها الدفاعية لمواجهة أي هجمات محتملة على منشآتها الحيوية.

وترتبط نقطة تحول الموقف الخليجي، بحسب الحامد، بتهديد مرافق الطاقة، ومعامل البترول ومصانع الغاز، لأن هذا يمثل ضربًا مباشرًا للمصالح الاقتصادية والأمن القومي لدول المنطقة، مؤكدًا أن دول مجلس التعاون لن تقف مكتوفة الأيدي عندما تجد أن طهران بدأت تتجاوز الخطوط الحمراء ما سيجعل من انخراطها بالحرب أمرًا واردًا.

ويتجلى تطور الموقف الخليجي في تزايد حدة تصريحات مسؤوليها إزاء الاعتداءات الإيرانية، فوصفت الخارجية القطرية استهداف طهران مدينة رأس لفان الصناعية أنه يمثل “تصعيدا خطيرًا وانتهاكًا صارخًا لسيادة الدولة وتهديدًا مباشرًا لأمنها الوطني واستقرار المنطقة”، كما جددت كل من الكويت والإمارات والبحرين والسعودية وقطر والأردن، حق الدول العربية في الدفاع عن النفس وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة، واتخاذ كافة التدابير اللازمة لحماية سيادتها وأمنها واستقرارها والذي اعتبره محللون أنه يهيئ لتنفيذ حق الرد. 

وصعّدت دولًا خليجية كقطر والسعودية والإمارات ديبلوماسيًا، حيث طردت الدوحة الملحقين العسكري والأمني الإيرانيين والعاملين معهما واتخذت الرياض إجراءات مماثلة، بينما أغلقت أبو ظبي سفارتها وسحبت سفيرها من إيران. 

وقد لا يقتصر الغضب الخليجي على ذلك، إذ كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” أن السعودية والإمارات تتجهان للانخراط في الحرب ضد إيران، حيث قال مصدر مطلع للصحيفة إن الرياض وافقت على استخدام القوات الأمريكية قاعدة الملك فهد الجوية الواقعة غرب شبه الجزيرة العربية لشن هجمات على إيران، وأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان على وشك أن يتخذ قرار الدخول بالحرب.

كما كشف تحقيق للصحيفة أن بعض عمليات إطلاق الصواريخ الأرضية التي استُخدمت لمهاجمة إيران انطلقت من البحرين، أما الإمارات فبدأت بشن حملة قمع على الأصول المملوكة لإيران، حيث أغلقت السلطات مؤسسات مرتبطة بالنظام الإيراني والحرس الثورية بالإضافة إلى المستشفى الإيراني والنادي الإيراني في دبي. 

وأكدت مصادر مطلعة للصحيفة أن الحكومة الإماراتية تناقش ما إذا كانت سترسل جيشها إلى القتال وتضغط ضد وقف إطلاق النار الذي يترك بعض القدرات العسكرية الإيرانية سليمة. 

الردع أم الهجوم.. أيهما أقل كلفة؟ 

رغم امتلاك بعض دول الخليج قدرات جوية متقدمة تتفوق على إيران، لا سيما السعودية والإمارات، يبقى قرار الانخراط في الحرب صعبًا ومكلفًا، فلطالما شكّلت هذه الدول عنوانًا للاستقرار في الشرق الأوسط، ومقصدًا رئيسيًا للعمالة والاستثمارات والفرص الواعدة، ما يجعل أي قرار من هذا القبيل مخاطرة قد تضع مستقبلها الاقتصادي والأمني في مهب الريح.

كما أن الخسائر التي تكبدتها الدول الخليجية حتى الآن، رغم عدم انخراطها المباشر في الحرب، تعزز من ترددها في اتخاذ قرار التصعيد، إذ قدّر تقرير حديث لشركة “ريستاد إنرجي” تكلفة إصلاح البنية التحتية المتضررة في قطاع الطاقة الخليجي بأكثر من 25 مليار دولار، فضلًا عن خسائر تتراوح بين 18 و20 مليار دولار من عائدات النفط والغاز، بعد 26 يومًا من إغلاق مضيق هرمز الحيوي.

وتتفاقم هذه الخسائر بسبب حساسية قطاع الطاقة، إذ إن الأضرار وإن بدت محدودة قد تتطلب شهورًا أو حتى سنوات لاستعادة مستويات التشغيل الكاملة، فعلى سبيل المثال، ورغم توافر الموارد المالية لإصلاح منشآت مجمع رأس لفان للغاز المسال في قطر، فإن الأموال وحدها لا تكفي لإعادة التشغيل الكامل، حيث قد تمتد عملية التعافي إلى نحو خمس سنوات.

وعلى الرغم من أن العامل الاقتصادي يُعد من أبرز أسباب التردد الخليجي في اتخاذ قرار الحرب، فإن ثمة عوامل أخرى لا تقل أهمية يمكن الإشارة إلى بعضها:

  • استهداف إيران البنى التحتية للطاقة والمنشآت الحيوية كالمطارات ومحطات التحلية التي تريد الدول الخليجية حمايتها.
  • قد تُترك الدول الخليجية وحدها في المعركة للاستنزاف إذا أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الحرب وأعلن “الانتصار”، ثم تتدخل لتأخذ دور المنقذ وتحصل على مكاسب مقابل ذلك.
  •  ستضرر سمعة دول الخليج إذا شاركت بجانب “إسرائيل” في مهاجمة إيران؛ كون السردية الناتجة عن ذلك ستكون خدمة الأهداف الإسرائيلية وليس الدفاع عن السيادة الخليجية فقط.
  • سيقع عدد أكبر من القتلى في الجانبين، ولن يستعيد الطرفان عافيتهما ويتجاوزان الأحقاد الناشئة إلا بعد سنوات طويلة، بخلاف الوضع حاليًّا حيث يمكنها رأب الصداع.
  • لا تتوافق أهداف هذه الحرب وأهداف دول الخليج على المدى البعيد؛ لأن دول الخليج تعطي الأولوية للرخاء الاقتصادي، بينما يكمن هدف الحرب الجارية بالقضاء على كل قوة إقليمية تحول دون هيمنة إسرائيل على المنطقة.
  • قد تدفع إيران ببعض الكيانات والخلايات التي تهدد أمن السعودية والبحرين، كالحوثي في اليمن التي سبق وأن شنت هجمات ضد السعودية. 
  • ستصل العلاقات بين إيران ودول الخليج العربي إلى مرحلة جديدة من القطيعة التامة مما سيعقد الأمور أكثر. 

ويذهب الباحث في دراسات العالم العربي، الحواس تقية، إلى أنه وبمقارنة الخسائر يبقى التمسك الخليجي بالموقف الدفاعي هو الإستراتيجة الأقل سوءًا؛ حيث تمنحها هوامش أوسع لبناء موقف إستراتيجي يضع في الحسبان مراجعة العلاقة مع الولايات المتحدة حتى لا تتخذ قرارات تضر بمصالحها، وحتى تعيد صياغة علاقاتها مع إيران.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

وفي السياق ذاته، يرى المدير العام لمجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية، خالد الجابر، موقع الدول الخليجية من هذه الحرب، مشيرًا أنها تقف أمام خيار استراتيجي بالغ الحساسية، فالردع يبقى ضرورة، لكن الانجرار إلى تورط غير محسوب سيكون سياسة ذات تكلفة باهظة، حيث حماية السيادة واجب، لكن صون المستقبل لا يقل أهمية عن ذلك.

واعتبر الجابر أن الحفاظ على التوازن السلاح الأكثر فاعلية في هذه الحرب، موضحًا أن التوازن بين امتلاك القدرة على الرد بقوة، والتحلي بالحكمة لإبقاء الصراع محصورًا في أضيق نطاق ممكن، يحرم الخصوم من تحقيق هدفهم بتوسيع ساحة المواجهة.

الضغط الأمريكي يصطدم بحسابات خليجية 

في خضم سعي الدول الخليجية إلى النأي بنفسها عن الانخراط في حرب قد تترتب عليها كلفة استراتيجية مرتفعة، تتعرض لضغوط أمريكية مباشرة وغير مباشرة تدفعها نحو مراجعة موقف الحياد والاقتراب من الاصطفاف إلى جانب واشنطن.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون بوست | NoonPost (@noonpost)

إذ أفادت مصادر لوكالة رويترز بأن الإدارة الأمريكية تمارس ضغوطًا على دول الخليج للانضمام إلى الحملة الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، في مسعى لإضفاء طابع إقليمي على المواجهة وتعزيز شرعيتها دوليًا، فضلًا عن توظيف هذا الدعم في الداخل الأمريكي.

في المقابل، تتجلى الضغوط غير المباشرة في طبيعة التصعيد العسكري نفسه، لا سيما استهداف البنى التحتية الحيوية داخل إيران، الأمر الذي قد يستدعي ردًا إيرانيًا يمتد إلى منشآت الطاقة في دول الخليج، ما يضع هذه الدول أمام معادلة أمنية معقدة قد تدفعها قسرًا إلى الانخراط في الصراع.

ومع ذلك، تشير المعطيات إلى أن واشنطن تواجه بدورها ضغوطًا خليجية لاحتواء التصعيد، في ظل تحذيرات من انزلاق المنطقة إلى مرحلة أكثر خطورة، لا سيما مع بدء انعكاس الخسائر على حركة الأسواق الأمريكية، وهو ما دفع الرئيس الأمريكي إلى تمديد المهلة الممنوحة للتصعيد أكثر من مرة، كان آخرها تمديدها لمدة عشرة أيام حتى 6 أبريل/ نيسان.

وعليه يمكن القول إن الضغط الأمريكي، لا يزال يصطدم بحسابات خليجية أكثر حذرًا، ترتكز على تجنب الانزلاق إلى حرب مفتوحة، والحفاظ على استقرار أسواق الطاقة، وتقليص المخاطر الأمنية المباشرة على أراضيها، ويبقى تغيّر القرار الخليجي محدودًا ومشروطًا بتطورات الميدان، ومدى اقتراب التهديدات من الخطوط الحمراء التي أعلنتها هذه الدول.

علاماتأزمة اقتصادية في الخليج ، أزمة الخليج ، أمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، السياسة الأمريكية
مواضيعأمن الخليج ، اقتصاد الخليج ، السياسة الأمريكية ، المشهد الإيراني

قد يعجبك ايضا

سياسة

الخلايا النائمة.. كيف تغيّر شكل التهديد في الخليج؟

نون إنسايت٢٩ مارس ٢٠٢٦
سياسة

إغلاق الأقصى وإقصاء الشهود: معركة السيطرة على المكان والذاكرة

علي حسن إبراهيم٢٩ مارس ٢٠٢٦
سياسة

هرمز وباب المندب.. ماذا لو أغلقا في نفس الوقت؟

نون إنسايت٢٩ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑