في وقت تتعرض فيه دول الخليج لسيل من الطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، ظهرت أوكرانيا الغارقة في حرب مع روسيا منذ 4 سنوات، كشريك غير متوقَّع يملك خبرة عميقة في اعتراض التهديدات الجوية.
واستقبلت عواصم خليجية الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في الأسبوع الأخير من مارس/آذار 2026 وسط اشتعال الحرب الأمريكية ‑ الإسرائيلية على إيران والتي وصلت نيرانها إلى الخليج وأرهقت منظوماتها الدفاعية.
كما أرسلت كييف خلال مارس/آذار أكثر من 220 خبيرًا في الدفاع الجوي إلى الشرق الأوسط لتدريب القوات الخليجية على مواجهة المسيّرات، ما يشير إلى أن التعاون بدأ فعليًا على مستوى الخبراء والاتفاقيات.
فما مدى التطور العسكري الأوكراني، وماذا يمكن أن تقدم أوكرانيا دفاعيًا إلى دول الخليج، وما طبيعة الاتفاقيات في هذا المجال بين كييف وتلك البلدان؟
أبرز الاتفاقيات الدفاعية المشتركة
السعودية: إطار تعاون دفاعي
قبل يوم من ذلك، أعلن زيلينسكي من السعودية في 27 مارس/آذار أنه وقّع “اتفاقًا على التعاون الدفاعي” يضع أساسًا لعقود مستقبلية وتعاون تكنولوجي واستثمارات.
نصّ الاتفاق بحسب بيان الرئاسة الأوكرانية، لا يحدد فترة زمنية مثل الاتفاق القطري، وإنما يهيّئ الأرضية لمشاريع مشتركة وتبادل الخبرات.
وأشارت صحيفة “وول ستريت جورنال” إلى أن شركة أرامكو السعودية تتفاوض مع شركتي SkyFall وWild Hornets الأوكرانيتين لشراء مسيّرات اعتراض، لكن هذه المفاوضات لم تسفر عن اتفاقات رسمية.
قطر: اتفاق دفاعي لمدة 10 سنوات
بعدها بيوم، وقّعت وزارتا الدفاع القطرية والأوكرانية اتفاق شراكة دفاعية مع قطر خلال زيارة زيلينسكي إلى البلاد. وأعلنت وزارة الدفاع القطرية أن الاتفاق يتضمن “تبادل الخبرات في مواجهة الصواريخ والطائرات المسيّرة” وإقامة استثمارات مشتركة.
فيما ذكرت تقارير أن الاتفاق يمتد لعشر سنوات، ويشمل إنشاء مشاريع دفاعية مشتركة، وشركات مشتركة، وتعاونًا تكنولوجيًا، فضلاً عن جذب الاستثمارات إلى “حلول أمنية”.
وهذا الاتفاق هو أول عقد دفاعي طويل الأمد بين الدوحة وكييف، ويتجاوز مستوى التدريب أو تبادل الخبرات ليؤسس لشراكة صناعية.
كما أفاد تقرير لمنتدى الخليج الدولي بوجود مباحثات أولية بين الولايات المتحدة وقطر لشراء مسيّرات اعتراض أوكرانية وأن الدوحة طالبت بنحو 2,000 مسيّرة.
الإمارات: تفاهمات لم تصل إلى التوقيع
في اليوم نفسه الذي وُقّع فيه اتفاق قطر، زار زيلينسكي أبوظبي وأعلن “الاتفاق على التعاون في مجالات الأمن والدفاع” مع الإمارات وأنه سيُوقع اتفاق لعشر سنوات “في غضون أيام”.
واكتفى البيان الصادر عن اجتماع الرئيس الأوكراني مع نظيره الإماراتي محمد بن زايد بالإشارة إلى استعداد الطرفين للاستثمار في مشاريع مشتركة وتحديث أنظمة الدفاع، وأن الفرق الفنية “تضع اللمسات الأخيرة على الاتفاقات”.

وحتى الآن لم يُعلن رسمياً عن توقيع اتفاق طويل الأمد مع الإمارات، إذ لا تزال المباحثات في مرحلة التفاوض، لكن أشار تقرير لمنتدى الخليج الدولي إلى أن الإمارات طلبت ما يصل إلى 5000 مسيرة أوكرانية.
وقبل الحرب على إيران، اقتصرت العلاقات بين أوكرانيا ودول الخليج على تعاونات تجارية محدودة، مثل صادرات الأغذية والشحن البحري. لذلك يمكن القول إن الاتفاق القطري والترتيب السعودي يمثلان تحولاً نوعياً فتحته الحرب الحالية.
لماذا تبدو أوكرانيا جذابة دفاعيًا للخليج؟
1- خبرة ميدانية
طورت أوكرانيا خلال سنوات الحرب مع روسيا منظومة دفاع متعددة الطبقات تعتمد على استخدام مسيّرات اعتراض مدفعية متنقلة وأنظمة رادار متصلة.
ويمكن إطلاق هذه المسيّرات من فرق متنقلة وتحقق نسبة اعتراض تتجاوز 50 %، ما يجعلها مناسبة للهجمات المكثفة. وتمنح التجربة الميدانية الأوكرانية كييف ميزة خبرة لا يملكها معظم مورّدي السلاح التقليديين.
هذه الخبرة جذبت اهتمام السعودية والإمارات وقطر، التي تطمح إلى بناء صناعات دفاعية محلية ضمن رؤاها بعيدة المدة.
ويرى المجلس الأطلسي أن دول الخليج تمتلك رؤوس الأموال والشبكات التجارية، بينما تملك أوكرانيا الخبرة الهندسية والمرونة، ما يجعل التعاون بينهما تكامليًا.
2- دفاع منخفض الكلفة
الكلفة الباهظة لاستخدام صواريخ باتريوت (نحو 4 ملايين دولار للصاروخ) ضد مسيّرات “شاهد” الإيرانية، التي تكلّف عشرات آلاف الدولارات، دفعت أوكرانيا إلى تطوير مسيّرات اعتراض تتراوح كلفتها بين 800 و3000 دولار.
وتشير رويترز إلى أن أوكرانيا تستخدم مسيّرات Merops القابلة لإعادة الاستخدام بسعر نحو 15 ألف دولار، إضافة إلى طرازات “أوكتوبوس” و”ستينغ” الأرخص، وأن هذه الأنظمة قد تكون ما يحتاجه الخليج لتعديل ميزان الكلفة لصالحه.
2- وفرة الإنتاج وكثافة الطلب
تعد أوكرانيا “قوة عظمى في مجال المسيّرات”، وفق ما يصفها المجلس الأطلسي، مبينا أن تميزها يشمل حجم الإنتاج وأيضا سرعة الابتكار وقدرة المهندسين على تحديث التصاميم في أيام بدل شهور.
وخلال خطاب سابق له، قدّر زيلينسكي قدرة بلاده على إنتاج 2000 مسيّرة اعتراض يوميًا مع احتفاظ الجيش الأوكراني بحاجته لنحو ألف منها، ما يسمح بتصدير حوالي 30 ألف مسيّرة شهريًا.
يحذر المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية IISS من أن الخليج استهلك مئات الصواريخ الاعتراضية خلال الأسابيع الأولى للحرب، وأن قطر والسعودية والإمارات تواصلت مع الحكومة والشركات الأوكرانية لشراء مسيّرات اعتراض منخفضة الكلفة وقابلة للنشر السريع.
أبرز التحديات أمام الشراكة الدفاعية
يمكن تفسير التحرك الخليجي نحو أوكرانيا بعنصرين أساسيين: الحاجة الطارئة لمنظومات اعتراض رخيصة خلال الحرب مع إيران، ورغبة بعض الدول في تنويع مصادر السلاح وبناء قاعدة صناعية محلية. مع ذلك، توجد تحديات مهمة أبرزها:
1- موافقة مسبقة: تحتاج شركات التصنيع الأوكرانية إلى موافقة حكومية للتصدير، إذ تفرض الحكومة قيودًا لضمان عدم تقويض دفاعات أوكرانيا.
2- غياب الاستمرارية: يحذر بعض الخبراء من أن الاهتمام العالمي بمسيّرات الاعتراض يخلق “نافذة مؤقتة” لأن دولاً أخرى، بما فيها الولايات المتحدة وروسيا، تتسابق لتطوير أنظمة مشابهة.
3- الخوف من التسرب: نقل التكنولوجيا الأوكرانية إلى الخليج قد يثير قلق أوروبا وواشنطن بسبب احتمال تسرب التقنيات إلى روسيا أو الصين عبر شبكات تجارية خليجية، وفق تحليل للمجلس الأطلسي.
ولذلك يتطلب التعاون وضع إطار حوكمة واضح لضمان الاستخدام المشترك دون تعريض أمن أوكرانيا أو حلفائها للخطر.
4- إنفاق دفاعي أكبر: كشفت الحرب على إيران أن منظومات الدفاع الغربية وحدها ليست كافية لحماية البنى التحتية الحيوية من هجمات المسيّرا، ورغم ذلك فإن دول الخليج لا يمكنها التخلي عنها.
إذ تؤكد مؤسسات بحثية مثل IISS وWar on the Rocks أن منظومة “الدفاع الصغير” الأوكرانية يمكن أن تكون طبقة تكميلية وليست بديلاً عن الصواريخ بعيدة المدى.
وهو واقع يعني أن الدول الخليجية ستستمر في شراء الأنظمة الأمريكية والأوروبية لكنها ستضيف لها طبقات أوكرانية أقل كلفة، ما يزيد نفقاتها الدفاعية.