• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

قبرص في المخيال الصهيوني.. من “غرفة انتظار” إلى “ملاذ احتياطي”

زيد اسليم٤ أبريل ٢٠٢٦

شكلت قبرص منذ أواخر القرن التاسع عشر، مساحة جيوسياسية تداخلت فيها الحسابات الاستعمارية البريطانية مع تصورات مبكرة داخل الحركة الصهيونية حول الجغرافيا الممكنة لليهود في شرق المتوسط، فقد ظهرت الجزيرة في الأدبيات الصهيونية كخيار محتمل لـ”وطن مؤقت” أو محطة عبور نحو فلسطين في ظل القيود التي فرضتها السلطنة العثمانية ثم سلطات الانتداب البريطاني على الهجرة. 

ومع أعقاب الحرب العالمية الثانية، تحول هذا التصور إلى واقع ميداني حين أقامت بريطانيا معسكرات احتجاز على أراضي الجزيرة لاستيعاب آلاف اليهود المهاجرين الذين منعوا من الوصول إلى فلسطين، لتغدو قبرص في تلك المرحلة “غرفة انتظار” راسخة في الذاكرة الجماعية المرتبطة بتأسيس “إسرائيل”.

صورة تظهر أحد مراكز الاحتجاز البريطانية في قبرص

هذا الإرث التاريخي ظل حاضرًا في الخلفية السياسية، قبل أن يعود إلى الواجهة في سياق مختلف خلال العقدين الأخيرين، مع تصاعد الاستثمارات الإسرائيلية في الجزيرة، خصوصًا في القطاع العقاري، وتزايد أعداد المقيمين الإسرائيليين فيها. 

وقد رافق ذلك تصاعد تحذيرات في الأوساط القبرصية من “استيطان صامت” يتشكل تدريجيًا عبر أدوات اقتصادية، إلى جانب نقاشات داخل دوائر إسرائيلية حول البحث عن “ملاذات آمنة” خارج الحدود، بما يشمل مقترحات لشراء جزر يونانية لاستخدامها في حالات الطوارئ.

وفي هذا السياق، اقترح مسؤول إسرائيلي في مارس/آذار الماضي، شراء جزر يونانية لتكون “ملاذًا آمنًا” أو “ملجأً في زمن الحرب” لليهود أثناء حالات الطوارئ، وبحسب ما نقلت وسائل إعلام عالمية، فقد جرت مناقشة الفكرة، التي قدمت تحت غطاء “غرض إنساني”، داخل هيئات مرتبطة بالصندوق القومي اليهودي.

An Israeli official proposed buying Greek islands as a “safe haven” or “wartime sanctuary” for Jews during emergencies.

The idea, framed as a “humanitarian purpose,” was reportedly discussed inside a Jewish National Fund-linked body.

Source: Keep Talking Greece pic.twitter.com/gtlwo8Ejd5

— Clash Report (@clashreport) March 25, 2026

وتتجاوز دلالة قبرص موقعها الجغرافي القريب لتتحول إلى رمز مركب في الوعي السياسي الإسرائيلي بصفتها نقطة عبور تاريخية، وامتداد استثماري في الحاضر واحتياطي جغرافي يستدعى في سياقات الأزمات. 

ويعكس هذا التحول امتدادًا لنمط تفكير طويل الأمد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن مع الاقتصاد، وتعود فيه الجغرافيا لتؤدي دورًا مركزيًا في إعادة تشكيل التصورات المرتبطة بفكرة “الملاذ الآمن” في شرق المتوسط.

سردية التأسيس

تعود جذور الارتباط بين قبرص والحركة الصهيونية إلى أواخر القرن التاسع عشر، حين طرحت الجزيرة ضمن تصورات مبكرة بوصفها خيارًا جغرافيًا مكملًا أو احتياطيًا إلى جانب فلسطين. 

فقد شهدت تلك المرحلة محاولات فعلية للاستيطان الزراعي بدعم من جمعيات مثل “جمعية الاستعمار اليهودي”، مع وصول موجات من اليهود الروس والرومانيين بين ثمانينيات وتسعينيات القرن التاسع عشر، وإقامة تجمعات محدودة لم تصمد طويلًا بفعل التحديات الاقتصادية والبيئية. 

بالتوازي، ظهرت أطروحات فكرية ربطت الجزيرة بالمشروع الصهيوني، من بينها كتيب دافيد تريتش عام 1899 الذي اقترح تحويل قبرص إلى محطة مؤقتة، وهي أفكار ناقشتها المؤتمرات الصهيونية وأثارت اهتمام ثيودور هرتزل، الذي سعى عام 1902 إلى طرح مشروع إنشاء مستعمرة يهودية في الجزيرة لدى وزير المستعمرات البريطاني جوزيف تشامبرلين. 

وقد استندت هذه التصورات إلى مزايا جغرافية واضحة، أبرزها القرب من فلسطين والخضوع للإدارة البريطانية، ما جعل قبرص تقدّم بوصفها “محطة وثوب” أو “نقطة ارتكاز” يمكن استخدامها عند تعثر المشروع في فلسطين. كما أسهمت القيود العثمانية على الهجرة اليهودية في تعزيز هذا الدور، إذ استقر بعض المهاجرين مؤقتًا في الجزيرة باعتبارها “نقطة استراحة” في انتظار الانتقال إلى فلسطين، وهو ما رسخ مبكرًا فكرة استخدامها كفضاء وظيفي ضمن مسارات الهجرة.

بلغ هذا الارتباط ذروته العملية في أعقاب الحرب العالمية الثانية، حين تحولت قبرص بين عامي 1946 و1949 إلى مركز احتجاز رئيسي ضمن سياسة بريطانية هدفت إلى كبح الهجرة اليهودية إلى فلسطين. فقد احتجز في الجزيرة أكثر من 52 ألف مهاجر يهودي في نحو 12 معسكرًا، بينها مواقع رئيسية في فاماغوستا وكاراولوس، وسط ظروف معيشية شبيهة بمعسكرات أسرى الحرب، حيث ولد أكثر من ألفي طفل ومات مئات المحتجزين. 

وتشير تقديرات إلى أن نحو 67% من المهاجرين اليهود إلى فلسطين بين عامي 1947 و1948 مروا عبر هذه المعسكرات، ما يجعل الجزيرة حلقة محورية في تكوين المجتمع الإسرائيلي لاحقًا. داخل هذه المعسكرات، جرت عمليات تنظيم وتدريب للمهاجرين قبل نقلهم إلى فلسطين بعد عام 1948، فيما تولت منظمات يهودية تقديم الدعم الصحي والتعليمي، لتتحول التجربة برمتها إلى جزء من “السردية التأسيسية” في الوعي الصهيوني.

وقد أطلق المحتجزون على قبرص تسمية “غرفة الانتظار”، في إشارة إلى موقعها كمساحة فاصلة بين أوروبا وفلسطين، سواء كخيار انتقال أو كاحتجاز قسري، وهو توصيف استقر لاحقًا في الذاكرة السياسية بوصفه رمزًا للمعاناة والانتظار و”مرحلة الطريق” نحو ما عُرف بـ”الوطن الموعود”.

انتقال ديمغرافي

شهد الوجود اليهودي في قبرص انحسارًا واضحًا بعد عام 1949، ليستقر عند بضع مئات فقط، قبل أن يعاود الصعود تدريجيًا خلال العقدين الأخيرين في سياق تحولات اقتصادية وأمنية أوسع. 

وتشير معطيات منشورة في تقارير إعلامية ودراسات رقابية قبرصية إلى أن عدد الإسرائيليين المقيمين في الجزيرة بلغ نحو 15 ألفًا بحلول عام 2025، أي ما يقارب 4 آلاف عائلة، مقارنة بمئات فقط في مطلع الألفية. هذا التحول الكمي ترافق مع تشكل بنية اجتماعية متكاملة، تضم مدارس يهودية ومعابد ومطاعم كوشير وأحياء ذات طابع شبه مغلق، ما يعكس انتقال الحضور الإسرائيلي من وجود فردي محدود إلى مجتمع شبه مستقر له مؤسساته وشبكاته الاقتصادية. 

ويعمل غالبية هؤلاء في قطاعات العقارات والتكنولوجيا والخدمات الطبية، ويقدمون الجزيرة بوصفها فضاء يوفر نمط حياة أكثر هدوءًا واستقرارًا، مع الحفاظ على القرب الجغرافي من “إسرائيل”.

تتغذى هذه الزيادة على موجة خروج ملحوظة من “إسرائيل” خلال السنوات الأخيرة، إذ تُظهر بيانات صادرة عن مؤسسات بحثية إسرائيلية أن صافي الهجرة السلبية بلغ نحو 145 ألفًا و900 شخص بين عامي 2020 و2024. 

ويأتي ذلك في ظل تراكب أزمات داخلية شملت تداعيات حرب غزة في أكتوبر 2023، وتصاعد الاستقطاب السياسي المرتبط بالإصلاح القضائي، إلى جانب ارتفاع تكاليف المعيشة. في هذا السياق، تبرز قبرص كخيار يجمع بين الأمان النسبي والكلفة الأقل، مع ميزة القرب الجغرافي، حيث لا تتجاوز الرحلة الجوية بين تل أبيب ولارنكا نحو 45 دقيقة. وتضيف السياسات الاقتصادية القبرصية، بما في ذلك الحوافز الضريبية وبرامج الإقامة المرتبطة بالاستثمار العقاري، عوامل جذب إضافية، خاصة لرجال الأعمال وأصحاب رؤوس الأموال.

كما تعززت هذه الديناميات مع تصاعد التوترات الإقليمية، بما في ذلك المواجهة بين “إسرائيل” وإيران، والتي دفعت شريحة من الإسرائيليين إلى البحث عن ملاذ قريب جغرافيًا وأقل عرضة للمخاطر المباشرة. ورغم تسجيل حوادث أمنية محدودة في الجزيرة، فإن شهادات المقيمين تعكس شعورًا عامًا بالاستقرار، ما يعزز موقع قبرص كوجهة تجمع بين البعد الاقتصادي والاعتبارات الأمنية ضمن معادلة الهجرة الإسرائيلية المعاصرة.

الاستيطان الصامت

تتسارع في السنوات الأخيرة وتيرة الجدل حول ما يوصف بـ”الاستيطان الصامت” في جمهورية شمال قبرص التركية، في ظل تقارير تركية تتحدث عن توسع ملحوظ في عمليات شراء الأراضي والعقارات من قبل إسرائيليين وشركات مرتبطة بهم، مستفيدة من ثغرات قانونية تتيح التملك عبر شركات محلية أو وسطاء متعددي الجنسيات. 

وتشير معطيات نشرتها الصحافة التركية إلى تقديرات مرتفعة لحجم هذا الحضور، حيث يقدر عدد الإسرائيليين أو اليهود المقيمين في الشمال بنحو 35 ألفًا من أصل نحو 380 ألف نسمة، مع استحواذات عقارية تصل إلى 25 ألف دونم، وقرابة ألفي شركة مسجلة بأسماء مستثمرين إسرائيليين أو عبر وسطاء. وتتركز هذه الأنشطة في مناطق ساحلية مثل إسكله وغازي فيرين وإيسنتيبه، وهي مناطق تتمتع بأهمية جغرافية نظرًا لإطلالتها المباشرة على شرق البحر المتوسط، ما يمنحها قيمة استراتيجية تتجاوز البعد العقاري البحت.

على الضفة الأخرى من الجزيرة، تصاعد الجدل سياسيًا في يونيو 2025 عندما حذّر ستيفانوس ستيفانو، الأمين العام لحزب أكيل، من أن عمليات الشراء الإسرائيلية تمثل تهديدًا للأمن القومي، مشيرًا إلى بناء مدارس يهودية وكنس ومجمعات سكنية مغلقة، وإلى بيع أراضٍ قرب موانئ وقواعد عسكرية. 

هذه التصريحات فجّرت سجالًا دبلوماسيًا مع أورن أنوليك الذي رفض الاتهامات واعتبرها خطابًا معاديًا، مؤكدًا أن عمليات الشراء تتم ضمن الأطر القانونية وأن “إسرائيل” تحترم سيادة قبرص. وبينما تعاملت الحكومة القبرصية مع الملف باعتباره جزءًا من التنافس السياسي الداخلي، فقد تعهدت بدراسة تشديد القوانين المنظمة لبيع الأراضي للأجانب، خاصة في المناطق الحساسة.

وتكشف التقديرات المتداولة فجوة واضحة بين الأرقام الرسمية وغير الرسمية، إذ تشير بعض المصادر إلى أن عدد الإسرائيليين المقيمين لا يتجاوز 2500 شخص وفق البيانات الرسمية، في حين ترفع تقديرات غير معلنة الرقم إلى نحو 15 ألفًا، مع حصول جزء منهم على جنسيات أوروبية واستقرارهم الدائم في الجزيرة. كما تثير عمليات شراء أراضٍ في الشمال عبر وسطاء أتراك حساسية إضافية في السياق القبرصي المعقد، حيث تتقاطع الاعتبارات القانونية مع الانقسام السياسي القائم في الجزيرة.

في المقابل، تعكس معطيات سوق العقارات في الجنوب صورة أكثر توازنًا، إذ تشير تقارير إلى أن الإسرائيليين أصبحوا رابع أكبر مجموعة من المشترين الأجانب في قبرص الجنوبية في مدن مثل بافوس وليماسول، خلف البريطانيين والروس واليونانيين، ما يضع الحضور الإسرائيلي ضمن سياق أوسع من الاستثمارات الأجنبية. ومع ذلك، تواصل القوى السياسية، وعلى رأسها حزب أكيل، الدفع نحو تشريعات تحد من عمليات البيع الجماعي للأجانب في المناطق القريبة من البنى التحتية الحساسة، في ظل تصاعد الضغط الشعبي والمخاوف المرتبطة بإعادة تشكيل الخريطة الديمغرافية للجزيرة.

استثمارات العقار أرقام رسمية واتجاهات سوقية

تظهر البيانات الرسمية الصادرة عن وزارة الداخلية القبرصية أن سوق العقارات في قبرص شهد نشاطًا ملحوظًا من قبل المشترين الأجانب خلال العام الماضي، حيث بيع ما مجموعه 1669 عقارًا لغير القبارصة. 

وتبرز الأرقام حضورًا قويًا للمشترين الإسرائيليين، خاصة في لارنكا، حيث تصدروا القائمة بشراء 850 عقارًا، متقدمين على اللبنانيين بـ723 عقارًا والبريطانيين بـ302. وفي ليماسول، جاء الروس في المرتبة الأولى بـ846 عقارًا، تلاهم الإسرائيليون بـ571، فيما حافظ البريطانيون على الصدارة في بافوس بـ890 عقارًا مقابل 683 للإسرائيليين. وتعكس هذه المعطيات صورة أكثر توازنًا مقارنة بالسجال السياسي والإعلامي، إذ لا يحتكر الإسرائيليون السوق، لكن حجم استثماراتهم يبقى مرتفعًا قياسًا إلى حجم مجتمعهم في الجزيرة.

على مستوى السوق، يشير فاعلون في القطاع العقاري إلى أن الطلب الإسرائيلي لعب دورًا محوريًا في تحريك الأسعار خلال السنوات الأخيرة. ويصف فاسوس زاكس، مدير شركة “فوكس للعقارات” في لارنكا، هذا الطلب قبل الحرب بأنه “كالمطر الغزير”، قبل أن يتراجع عدد الاستفسارات لاحقًا مع استمرار الرغبة في التملك. 

وتُعد لارنكا الوجهة الأكثر جذبًا، بفعل قربها من المطار وتنامي الحضور اليهودي فيها، وهو ما ساهم في رفع أسعار الشقق الجديدة بمساحات تتراوح بين 80 و85 مترًا مربعًا إلى ما يتجاوز 200 ألف يورو. كما سجل السوق زيادة في الطلب على الإيجارات قصيرة الأجل، خاصة بعد الحرب، ما أدى إلى ارتفاع متواصل في الأسعار، دفع رئيس جمعية وكلاء العقارات القبارصة مارينوس كينييرو إلى التحذير من أن أسعار لارنكا مرشحة لتجاوز مستويات العاصمة نيقوسيا.

في المقابل، تظل الصورة الإجمالية لملكية العقارات بيد الإسرائيليين غير محسومة بسبب غياب إحصاءات حكومية شاملة، غير أن تقديرات صحفية متداولة من بينها ما نشرته الصحافة اليونانية، تشير إلى أن الإسرائيليين اشتروا منذ عام 2021 نحو 4 آلاف عقار عبر برامج الإقامة، تتركز في لارنكا وليماسول وبافوس، مع تحول جزء منها إلى مجمعات سكنية مغلقة. 

لماذا قبرص واليونان؟

يعود تصاعد الحديث عن قبرص واليونان في المخيال الإسرائيلي المعاصر إلى تداخل طبقات تاريخية وأمنية واقتصادية وتنظيمية، جعلت شرق المتوسط يستعاد بوصفه فضاء احتياطيًا قابلًا للاستخدام عند الأزمات، لا مجرد جوار جغرافي قريب. 

فالمسألة هنا لا تتعلق فقط برغبة أفراد في شراء عقار أو الانتقال إلى بيئة أكثر هدوءًا، وإنما ترتبط أيضًا بنمط تفكير أعمق تشكّل داخل التجربة الصهيونية نفسها، حيث ظل هاجس “الملاذ” حاضرًا إلى جانب مشروع الاستيطان الأصلي، وظلت الجغرافيا تقرأ من زاوية الوظيفة الأمنية وإمكانية إعادة الانتشار عند الضرورة.

على المستوى التاريخي تحمل قبرص حمولة رمزية خاصة في الذاكرة الصهيونية، فالجزيرة ارتبطت في نهاية القرن التاسع عشر بمقترحات مبكرة نظرت إليها -كما ذكرنا- كمحطة مؤقتة أو خيار احتياطي إذا تعثر المشروع في فلسطين، ثم ترسخت هذه المكانة بصورة أشد خلال سنوات معسكرات الاعتقال البريطانية بعد الحرب العالمية الثانية، حين تحولت إلى فضاء انتظار قسري لآلاف اليهود قبل انتقالهم إلى فلسطين. 

هذا الإرث منح قبرص معنى يتجاوز حدودها المادية، فهي موقع محفور في الذاكرة الجماعية بوصفه “محطة نجاة مؤقتة”، وعندما تتجدد الحروب أو تتصاعد المخاوف الوجودية في “إسرائيل”، تعود هذه الرموز القديمة إلى التداول بصيغ جديدة، فيعاد تخيل الجزيرة باعتبارها “الخطة ب” أو المساحة التي يمكن اللجوء إليها من دون مغادرة المجال النفسي والجغرافي القريب.

أما على المستوى الجغرافي والأمني، فإن قبرص واليونان تقدمان ما تفتقر إليه “إسرائيل” في داخلها، هامش مناورة وعمقًا خلفيًا قريبًا، فالقرب الشديد من الساحل الفلسطيني المحتل يجعل قبرص أقرب نقطة أوروبية يمكن الوصول إليها خلال وقت قصير، بما يسمح بالإخلاء السريع، ونقل العائلات، وتحريك رؤوس الأموال، وحتى مواصلة الأعمال من خارج ساحة الخطر المباشر. 

وهذه ميزة تكتسب أهمية مضاعفة بالنسبة لدولة تعاني ضيق المساحة وكثافة التركز السكاني والاقتصادي، بحيث تبقى منشآتها الحيوية ومراكزها السكانية تحت ضغط أي مواجهة واسعة. من هنا تبدو قبرص وبعض الجزر اليونانية في نظر قطاعات إسرائيلية امتدادًا وظيفيًا للمجال الأمني، أي فضاء قريب بما يكفي للاحتماء وبعيد بما يكفي لتخفيف أثر الحرب.

وعلى المستوى الاقتصادي، تبدو أدوات التغلغل أكثر نعومة وأشد فاعلية في الوقت نفسه. فشراء الأراضي والعقارات لا يقدم في البداية إلا بوصفه نشاطًا استثماريًا عاديًا تحكمه السوق وقوانين العرض والطلب، لكن تراكمه مع الزمن يمكن أن يفضي إلى نشوء كتل سكانية مترابطة، ومصالح اقتصادية واسعة، ونفوذ اجتماعي يصعب فصله عن السياسة. 

وهذه الآلية تثير قلقًا خاصًا في قبرص لأن الذاكرة الإقليمية تربط بين تملك الأرض وبين التحولات اللاحقة في ميزان القوة والهوية والسيادة. فحين يتركز التملك في مناطق ساحلية أو حساسة، وحين يترافق مع بناء مدارس دينية ومعابد ومراكز خدمات ومجمعات سكنية مغلقة، فإن الأمر يتجاوز الاستثمار الفردي إلى إعادة تشكيل المجال العمراني والبشري على نحو تدريجي. ويصبح العقار أداة تثبيت طويل الأمد لا مجرد أصل مالي، ويغدو الاقتصاد مدخلًا إلى حضور أكثر ثباتًا وتأثيرًا.

وتعزز البيئة القانونية والضريبية في قبرص واليونان هذه الجاذبية. فبرامج الإقامة عبر الاستثمار، والضرائب المنخفضة نسبيًا، وسهولة تأسيس الشركات، تخلق حوافز إضافية لرجال الأعمال وأصحاب الثروات والأطباء والعاملين في التكنولوجيا. والميزة هنا أن الانتقال لا يبدو كمنفى أو قطيعة، بل كإعادة تموضع ذكية تسمح بالحفاظ على القرب من إسرائيل مع الاستفادة من مزايا أوروبية في الإقامة والتعليم وإدارة الأموال.

ويكتسب هذا الحضور بعدًا أكثر تنظيمًا مع الدور الذي تلعبه شبكات دينية ومجتمعية مثل حركة “حباد”. فهذه البنى لا توفر فقط خدمات دينية وثقافية، بل تساهم في خلق بيئة متماسكة تحافظ على هوية المقيمين الجدد، وتربط بينهم اجتماعيًا واقتصاديًا، وتمنع ذوبانهم السريع في المجتمع المحلي. وجود مدارس، ومعابد، ومطاعم كوشير، ومراكز استقبال وخدمات، يمنح الإقامة طابعًا جماعيًا لا فرديًا، ويحوّل الانتقال من قرار شخصي إلى تجربة قابلة للتكرار والتوسع. 

في المقابل، لا يمكن فصل هذا المسار عن السجال السياسي داخل قبرص نفسها. فخطاب”الاستيطان الصامت” يعكس مخاوف حقيقية لدى بعض القبارصة من التحولات الديمغرافية والعقارية، لكنه يستخدم أيضًا في بعض اللحظات ضمن المنافسة الحزبية والانتخابية. وهذا ما يجعل الملف مشحونًا بين قراءتين متعارضتين، قراءة ترى في تزايد التملك الإسرائيلي مجرد استثمار مشروع في إطار السوق الحرة، وقراءة أخرى تعتبره عملية تراكم هادئة يمكن أن تفضي مستقبلًا إلى نفوذ سياسي أو أمني يتجاوز وزن الجالية العددي. وبين هذين التفسيرين تبقى الحقيقة الأهم أن كثافة الشراء، وطبيعة التركز الجغرافي، وبناء البنية المجتمعية المرافقة، كلها عناصر تمنح الظاهرة بعدًا يتجاوز التبادل العقاري العادي.

لهذا كله، تطرح قبرص واليونان في بعض الأوساط الإسرائيلية بوصفهما ملاذًا آمنًا أو وطن احتياط لا لأن ثمة قرارًا معلنًا بإقامة بديل كامل عن “إسرائيل”، بل لأنهما تستجيبان معًا لمجموعة من الاحتياجات المتراكبة في العقلية الصهيونية المعاصرة، كالحاجة إلى مكان قريب قابل للإخلاء السريع وندمج في الفضاء الأوروبي، يوفر عمقا خلفيًا عند الحرب، ويتيح في الوقت نفسه حماية الثروة والأسرة واستمرارية نمط الحياة.

ومن هنا فإن فكرة الوطن البديل لا تفهم بوصفها مشروع إحلال مباشر، بل باعتبارها تصورًا وظيفيًا يتنامى كلما ضعفت الثقة بالأمن الداخلي، وكلما ازداد الإحساس بأن الجغرافيا على صغرها وكثافتها، لم تعد تكفي وحدها لامتصاص الصدمات الكبرى.

علاماتأمن إسرائيل ، إسرائيل ، الاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان الإسرائيلي ، السياسات الإسرائيلية
مواضيعإسرائيل ، إسرائيل من الداخل ، الاحتلال الإسرائيلي ، الاستيطان ، الصهيونية

قد يعجبك ايضا

سياسة

الجمعة السوداء للمقاتلات الأمريكية.. هل تتغير معادلة الحرب؟

عماد عنان٤ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

كيف يُموَّل اللوبي السوري في أمريكا؟

حسن إبراهيم٤ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

جدل التعيينات في سوريا: قرار الحكومة وغياب المجتمع

فتون استانبولي٤ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑