• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الإعلام السوري أمام اختبار جديد: تنظيم أم إعادة إنتاج الرقابة؟

محمد كاخي٥ أبريل ٢٠٢٦

في 15 تموز/يوليو 2025 أنهت وزارة الإعلام السورية وضع الشروط العامة للتراخيص للمؤسسات الإعلامية، ومن ضمن الشروط الخاصة بترخيص موقع إلكتروني أو راديو أن يكون لدى المتقدم مكتبًا خاصًا (مستأجرًا أو مملوكًا)، ودفع مبلغ 1000 دولار أمريكي، وغيرها من الشروط، ويحق للوزارة “مراقبة أداء الموقع أو الراديو والتأكد من استمراريته تحت طائلة إلغاء التصريح”.

وفي 25 آذار/مارس 2026، أصدرت الوزارة تعميمًا بخصوص منع كل من منصة “جسور نيوز” و”الدليل” و”هاشتاغ” من ممارسة أي نشاط إعلامي ضمن أراضي الجمهورية العربية السورية لعدم حصولهم على التراخيص اللازمة.

وبعد الجدل الذي أثاره التعميم، أصدر مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، عمر حاج أحمد، توضيحًا للتعميم، قال فيه إنه يمكن لكل المؤسسات والمنصات الاعتراض على قرار إلغاء الترخيص، وهذا حق مكفول ومعمول به ضمن وزارة الإعلام.

ومن جملة ما ورد في التوضيح، أن المنصات المذكورة عملت بشكل غير أخلاقي، وغير مهني، وغير قانوني، ابتداءً من آلية عمل مراسليهم، وانتهاءً بخطابهم التحريضي، بحسب حاج أحمد.

و⁠تمّ “تسجيل عشرات الانتهاكات الأخلاقية والمهنية للمحتوى الخاص بهذه المنصات، وكان الخطاب مرتفع الكراهية والتنميط، والافتراء، ومنعدم الدقة والموضوعية، وهذا ما تمنعه مدونة السلوك المهني، وكل مواثيق الشرف وأخلاقيات المهنة”.

نناقش في هذا التقرير خبراء الإعلام حول الجدل الذي أحدثه تعميم وزارة الإعلام، والدور الذي تترقبه المؤسسات الإعلامية من الوزارة، وما يجب على المجتمع المدني السوري والمؤسسات الإعلامية فعله تجاه مستقبل الإعلام في سوريا.

تنظيم العمل الإعلامي أم التحكم به؟

بحسب ما جاء في توضيح مدير الشؤون الصحفية في وزارة الإعلام، فإن المنصات المذكورة عملت “بشكل غير أخلاقي وغير مهني وغير قانوني وتم تسجيل عشرات الانتهاكات الأخلاقية والمهنية للمحتوى الخاص بهذه المنصات”، إلا أن السيد عمر حاج أحمد لم يتحدث عن الجهة المخوّلة التي راقبت محتوى تلك المنصات، والتي قامت بإجراء مراجعة وتقييم بشكل مستقل، وتفاصيل هذا التقييم.

وبحسب حاج أحمد، فإن عشرات التراخيص لمؤسسات ومنصات ودور نشر سيتم التعامل معها بتعميمات مشابهة، لعدم تجديد ترخيصها، و⁠سينطبق أيضًا على منصات صانعي المحتوى لاحقًا.

وبالرغم من أن الإعلان الدستوري في مادته رقم /13/، يكفل حرية الرأي والتعبير والإعلام والنشر والصحافة، وبالرغم من تبني وزارة الإعلام السورية خطابًا منفتحًا ومرنًا تجاه حرية التعبير والعمل الإعلامي، إلا أن التعميم الأخير أثار تساؤلات حول المستقبل الذي ينتظر وسائل الإعلام السورية، وعن الدور الذي ستلعبه وزارة الإعلام في المستقبل.

تحت شعار “إعلام مهني وكلمة مسؤولة”.. وزارة الإعلام تطلق مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا. pic.twitter.com/EUHVmSI6hc

— نون سوريا (@NoonPostSY) February 15, 2026

يرى رئيس اللجنة الوطنية للإشراف على صياغة مدونة السلوك المهني للإعلام في سوريا، علي عيد، أن النقاش حول تدخل الدولة في الإعلام لا ينبغي أن يُختزل في ثنائية المنع أو السماح، بل في كيفية بناء بيئة تنظيمية حقيقية تستند إلى قوانين واضحة وشفافة، قادرة على ضبط الفوضى دون الانزلاق إلى التحكم بالمحتوى، فغياب هذا الإطار القانوني يترك المجال مفتوحًا أمام انتشار خطاب الكراهية والتضليل والرسائل غير المنضبطة التي تهدد السلم الأهلي، خصوصًا في البيئات المنقسمة.

ويحذر عيد في حديثه لـ”نون بوست” من أن التنظيم لا يجب أن يتحول إلى أداة للسيطرة، بل ينبغي أن يقوم على مزيج من التشريعات والتنظيم الذاتي، بما يحافظ على هامش الحريات ويؤسس لإعلام مسؤول تدعمه بيئة إدارية ومهنية منضبطة.

كما يرى مسؤول ملف سوريا في مؤسسة “سمير قصير”، الباحث جابر بكر، أن الحديث عن “ضبط” العمل الإعلامي في السياق السوري لا يمكن فصله عن الحاجة الواقعية إلى قدر من التنظيم، لكنه يحذر في الوقت ذاته من انزلاق هذا الضبط إلى أداة تحكم ذات طابع سلطوي.

وبرأيه، يمكن تبرير التدخل التنظيمي في مرحلة انتقالية حساسة، شرط ألّا يتحول إلى ممارسة قائمة على الشجب أو الإقصاء أو فرض وصاية على المؤسسات الإعلامية، وأن التعامل مع المخالفات المهنية، كالتضليل أو نشر الأخبار الكاذبة، ينبغي أن يمر بسلسلة من الإجراءات التدريجية تبدأ بالتنبيه العلني، ثم المداخلات المتكررة، قبل الوصول إلى أي إجراء عقابي كإلغاء الترخيص، بدل القفز مباشرة إلى العقوبات القصوى. 

من حفل إشهار مدونة السلوك المهني والأخلاقي لقطاع الإعلام في سوريا 2026 15 شباط

من جهته، يرى مدير “المركز الصحفي السوري” ورئيس مجلس هيئة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين، أكرم الأحمد، أن الفارق بين تنظيم العمل الإعلامي وضبطه من جهة، والتحكم بالمحتوى والرواية بما يخدم السلطة من جهة أخرى، أمر أساسي يجب التفريق فيه خصوصًا في السياقات المشابهة لسوريا. 

فالتنظيم الإعلامي، وفق حديث الأحمد لـ”نون بوست”، مطلب عالمي متفق عليه في القواعد والمعايير الدولية والأخلاقيات المهنية، ويشمل مستويات عدة مثل الترخيص، وتنظيم البث، وإدارة الموارد، وحتى منح المساعدات، بحيث تكون الشروط موضوعية، وواضحة، وشفافة وغير تمييزية. 

أما آليات التنظيم، فهناك ثلاثة أنماط عالمية: وزارية حكومية بالكامل كما في كثير من دول الشرق الأوسط وآسيا وبعض دول أوروبا، أو تنظيم ذاتي من هيئات مستقلة مرجعيتها السلطات التشريعية، أو شكل تشاركي يجمع الدولة والقطاع وهيئات مستقلة لتنظيم القطاع.

ولا يمكن لسوريا أن تتحول من نظم إعلامية كانت سلطوية على مدى العقود الخمسة الماضية إلى إعلام حر مستقل بين ليلة وضحاها، بل تحتاج إلى مراحل انتقالية وخطط طويلة، كما حدث في بولندا والتشيك بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، حيث استغرق الانتقال من إعلام شيوعي يخدم الحزب إلى إعلام مجتمعي يركز على حماية وتنظيم المجتمع أكثر من ثماني سنوات، في ظروف مستقرة لم تتعرض فيها هذه الدول للتدمير أو القتل أو التهجير كما حصل في سوريا.

ولا يحق للدولة، بحسب الأحمد، أن تفرض مضمون سياسي محدد أو التحكم مسبقًا بما يجب أو لا يجب نشره، والدور الأمثل للدولة هو تنظيم الملكية والتمويل، وضمان شفافية القطاع، وليس التحكم بالرواية أو المحتوى. 

هل يمكن التخلي عن وزارة الإعلام؟

تخلت دول عديدة عن وزارات الإعلام التقليدية التي كانت تمارس الرقابة المباشرة، واستبدلتها بهياكل تنظيمية أو هيئات مستقلة تشرف على العمل الإعلامي بوصفه مهنة وتنظيمًا لممارسته، بعيدًا عن التحكم بالرسائل أو فرض الدعاية الرسمية.

وكان الهدف من هذه الخطوة هو خلق بيئة قانونية واضحة تحمي حرية الإعلام وفي الوقت نفسه تحافظ على المهنية والمصداقية، ففي بعض دول أوروبا مثل فرنسا وهولندا، أُنشئت هيئات مستقلة للإشراف على الإعلام الرقمي والتلفزيوني، تُعنى بضبط الإعلانات والمحتوى الإعلامي وحماية حقوق العاملين دون تدخل مباشر في مضمون الأخبار. 

وفي الشرق الأوسط، نلاحظ توجهًا مشابهًا في دول مثل الإمارات وقطر، حيث تم تأسيس هيئات تنظيمية للإعلام الرقمي تهدف إلى إصدار تراخيص وتشريعات واضحة، بدلًا من إبقاء الإعلام تحت سلطة وزارات تقليدية قد تتحول إلى أدوات تحكم أو رقابة صارمة.

الرئيس السوري أحمد الشرع: أقرأ من ينتقدني والمهم أن يكون النقد صحيحا ومنبها حتى لو كان جارحا

الشرع: العالم تجاوز أي فكرة لحصار الإعلام في بوتقة صغيرة خاصة مع وسائل التواصل الاجتماعي

الشرع: القانون هو الذي ينبغي أن يحمي حق السلطة ويحمي حق الشعب ويحمي حق المؤسسة نفسها

الشرع:… pic.twitter.com/mdmjukHOpP

— نون سوريا (@NoonPostSY) September 12, 2025

يرى رئيس اللجنة الوطنية للإشراف على صياغة مدونة السلوك المهني للإعلام في سوري، علي عيد، أن المشكلة الحقيقية تكمن في غياب تشريعات واضحة وفاعلة، وانتشار ظواهر التضليل الإعلامي والكتابة غير المسؤولة، سواء وُجدت الوزارة أم لم توجد. وفي حال عدم وجود وزارة الإعلام، يمكن تعويض دورها عبر هيئات تنظيمية مستقلة مثل المجالس العليا للإعلام أو الصحافة، وهيئات البث والرقابة، كما هو معمول به في دول أخرى، شرط أن تكون هذه الهيئات قادرة على ضمان تنظيم القطاع، ومراقبة الالتزام المهني والإعلامي.

ووجود الوزارة ليس جوهر الحل، بل الأهم هو وجود إعلام واعٍ ومسؤول، وإطار قانوني واضح يُلزم المؤسسات الإعلامية بالمعايير المهنية، مع دور قضائي قادر على معاقبة المخالفين عند فشل الالتزام الذاتي، بحسب عيد.

من جهته، يرى مدير “المركز الصحفي السوري” ورئيس مجلس هيئة ميثاق شرف للإعلاميين السوريين، أكرم الأحمد، أن الحديث عن إلغاء وزارة الإعلام في سوريا اليوم أمر غير واقعي، وأن الحل الأمثل لتنظيم المشهد الإعلامي لا يقوم على الإلغاء الفوري، بل على إعادة هيكلة الوزارة لتصبح جهة حكومية فاعلة في بناء السياسات العامة للاتصال ودعم الثقة بالإعلام، لا سيما الإعلام الحكومي، مع تعزيز دور القطاع الخاص والمستقل. 

وبحسب الأحمد، فإن أي إلغاء فوري للوزارة قد يخلق فراغًا خطيرًا لا يستطيع القطاع الإعلامي المستقل وحده سدّه على المستوى الوطني، لذلك يرى أن التحول يجب أن يكون تدريجيًا، حيث تبدأ الوزارة الحالية بتحويل دورها من الصيغة التقليدية إلى جهة داعمة للسياسات الإعلامية، مع تطوير هيكل إداري حديث، ليصبح القطاع أكثر استقلالية وفاعلية على المدى المتوسط والطويل، قبل الانتقال إلى نموذج الهيئة الشاملة التي يقترحها كحل مستقبلي لإدارة الإعلام في سوريا بشكل متكامل.

البداية من إصلاح النقابات

شهد المشهد الإعلامي بعد الثورة السورية، ولادة هياكل تنظيمية جديدة هدفت لتنظيم العمل الصحفي ومواكبة التحولات في القطاع، فتأسست اتحادات وروابط مثل رابطة الصحفيين السوريين، إضافة إلى تشكيلات محلية في الشمال السوري والغوطة ومناطق أخرى، لتوفير إطار قانوني وإداري يحمي الإعلاميين وينظم المهنة. 

إلا أنه وبعد سقوط النظام، يرى الخبراء أنه يجب إعادة النظر في هذه التشكيلات والهياكل، وإعادة إنتاج نقابة أو رابطة جامعة للإعلام الثوري، الذي أصبح إعلامًا وطنيًا اليوم.

وفي هذا الإطار، يرى مسؤول ملف سوريا في مؤسسة “سمير قصير”، الباحث جابر بكر، أن البداية في تنظيم المشهد الإعلامي السوري يجب أن تنطلق من إصلاح النقابات الصحفية، معتبرًا أن الترخيص وحده أو الهياكل الإدارية الحالية لا تكفي لحماية الإعلاميين وضمان حرية العمل. 

فالروابط والنقابات الحالية تعاني من ضعف هيكلي ومحدودية دورها، ولم تعد تتوافق مع البيئة الإعلامية الجديدة في سوريا، ويجب إعادة هيكلة هذه النقابات من البداية على أسس نقابية واقتصادية جديدة، تمنح الصحفيين الحماية المهنية، وتمثل الحل الأمثل لضمان تنظيم القطاع.

ويضيف بكر في حديثه لـ”نون بوست” أن ضعف النقابات يؤدي إلى تغول سلطة وزارة الإعلام، التي تحاول لعب دور الحامي للوسط الإعلامي، وهو ما يحمل جانبًا إيجابيًا في المتابعة، لكنه يصبح سلبيًا عند فرض القيود على من لا يحمل ترخيصًا وفق قوانين قديمة لا تتوافق مع التطورات الإعلامية العالمية.

وتشكل هذه النقابات البديل الفعال لوزارة الإعلام في المستقبل، بحسب بكر، إذ يمكن لهذه النقابات أن تحمي الصحفيين والإعلاميين، وتتدخل في تنظيم المشهد، فإعادة هيكلة جميع الروابط النقابية السورية تشكل الأرضية لبناء مؤسسة إعلامية وطنية متكاملة تحمي الصحفيين داخل سوريا وخارجها.

علاماتأهداف الثورة السورية ، الحريات الإعلامية ، الحريات الصحفية ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري
مواضيعالثورة السورية ، الشأن السوري ، حرية الإعلام ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

سياسة

“صداع المسيّرات”: كيف تُجبر إيران خصومها على حرب لا يمكن تحمل كلفتها؟

محمد عادل٥ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

فاتورة الطاقة السياسية: كيف كشفت الحرب حدود القوة الهندية؟

عماد عنان٥ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

6 محطات دمرت الجسور بين فرنسا و”إسرائيل”

نون إنسايت٥ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑