مع نهاية مارس/آذار 2026، تصاعد التوتر بين باريس و”تل أبيب” من الصيغة الخطابية إلى إجراء عملي جديد ضمن سلسلة تدهور بدأت بعد أسابيع قليلة من بدء العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2023.
في آخر خطوة، رفضت فرنسا مرور شحنات أسلحة أمريكية إلى “إسرائيل” عبر مجالها الجوي في سياق الحرب ضد إيران، فأعلنت وزارة جيش الاحتلال تعليق كل مشتريات السلاح من باريس، معتبرةً أنها لم تعد تُعد شريكًا.
فكيف تدهورت العلاقة خطوة بعد خطوة، وما الذي تكشفه هذه المسارات عن محدودية النفوذ الفرنسي في المنطقة وعن نظرة “إسرائيل” الجديدة لباريس؟
1- شرخ العدوان على غزة
عندما نفذت حركة حماس عملية طوفان الأقصى في المستوطنات والأراضي المحتلة في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، كان رد فعل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون متضامنًا، فقد أدان الهجمات بشدة وأكد أن بلاده “تقف في تضامن مع إسرائيل” وتدعم ما أسماه “حقها في الدفاع عن نفسها”.
استمر هذا الموقف الفرنسي المنحاز لـ”إسرائيل” أسابيع فقط، وبدأ بالتغير مع تصاعد العدوان العسكري الإسرائيلي على غزة وسقوط آلاف الضحايا المدنيين.
ففي 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2023 دعا ماكرون إلى “وقف القصف” على غزة، وصرَّح بأنه “لا يوجد أي مبرر” للغارات الإسرائيلية المتواصلة، مطالبًا بوقف إطلاق نار دائم.
هذا التحول من التضامن إلى الانتقاد أثار غضب حكومة الاحتلال خصوصًا مع تصاعد الدعوات الفرنسية لفتح ممرات إنسانية وعقد مؤتمر مساعدات في باريس.
2- تعمق الجرح في لبنان
مع انتقال الحرب من غزة إلى لبنان، حاولت باريس لعب دور الوسيط، فقدمت في فبراير/شباط 2024 خطة مكتوبة إلى بيروت لوقف القتال، تتضمن انسحاب مقاتلي حزب الله من الحدود بعمق 10 كم وانتشار الجيش اللبناني ووقف الغارات الإسرائيلية ثم التفاوض على ترسيم الحدود.
كما أعلن ماكرون في يونيو/حزيران 2024 أنه اتفق مع الولايات المتحدة و”إسرائيل” على تسريع دفع خريطة طريق لتهدئة الحدود.
لكن هذه الوساطة واجهت عراقيل: حزب الله رفض مناقشة أي اتفاق قبل انتهاء حرب غزة، و”إسرائيل” تمسكت بحرية “العمليات العسكرية”.
ويكمن “الاختبار الحقيقي لنفوذ فرنسا” بالشرق الأوسط، في لبنان تحديدا بوصفها المستعمر السابق، الذي يحتفظ بنحو 700 جندي ضمن قوة اليونيفيل الأممية، وبفعل نفوذها الدبلوماسي هناك.
3- رفح تكسر الغطاء الفرنسي
في مايو/أيار 2024 تحول التوتر إلى مواجهة علنية، فخلال الهجوم الإسرائيلي على رفح الذي استشهد فيه عشرات المدنيين، شدد ماكرون على رفض “العملية” وقال إن استمرارها سيقود إلى “كارثة لم يسبق لها مثيل”.
بعدها بأيام، قررت وزارة الدفاع الفرنسية منع مشاركة الشركات الإسرائيلية في معرض الأسلحة الدولي “يوروساتوري” في باريس لأن “الشروط ليست متوافرة” في ظل دعوات ماكرون لوقف “العمليات” في رفح.
وجسد هذا الإجراء الرمزي انتقال الخلاف من الحقل الدبلوماسي إلى القطاع الدفاعي، وأثار حفيظة “تل أبيب” التي رأت فيه استهدافًا سياسيًا.
4- سوق السلاح يدخل الخصومة
مع استمرار العدوان، تحولت فرنسا من الانتقاد إلى فرض قيود على التعاون الدفاعي.
ففي يونيو/حزيران 2025، خلال معرض باريس الجوي، أغلقت السلطات الفرنسية الأجنحة الرئيسية لشركات إسرائيلية (إلبيت، رافائيل، الصناعات الجوية) بعد رفضها إزالة أسلحة هجومية من العرض.
ووقتها، غُلِّفت الأجنحة بستائر سوداء، وسمحت باريس فقط للأجنحة الصغيرة الخالية من المعدات الهجومية بالبقاء.
وبرر رئيس الوزراء الفرنسي فرانسوا بايرو الخطوة بأن بلاده تحظر عرض الأسلحة الهجومية في ظل العدوان على غزة، فيما اعتبرتها شركات إسرائيلية خطوة “سياسية” وذكّرت بأزمنة تمييزية.
وفي أكتوبر/تشرين الأول 2024 حاولت الحكومة منع مشاركة “إسرائيل” في معرض يورونافال البحري، لكن المحكمة الإدارية الفرنسية ألغت هذا القرار، ما أبرز حدود قدرة باريس على فرض حظر شامل.
5- الاعتراف بدولة فلسطين
في صيف 2025 صعدت باريس موقفها السياسي، فقد كتب ماكرون إلى رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس معربًا عن نيته الاعتراف بدولة فلسطين خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة.
وفي 22 سبتمبر/أيلول من نفس العام، أعلن رسميًا في نيويورك الاعتراف بالدولة الفلسطينية إلى جانب دول أوروبية أخرى، وقال إن “وقت السلام حان”، ودعا لوقف الحرب والعودة إلى المفاوضات.
ردت “تل أبيب” بغضب، واعتبر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الخطوة “استسلامًا للإرهاب” وتدخلاً في سيادة “إسرائيل”، وفق تعبيره.
وفُهم هذا الاعتراف، الأول من دولة غربية كبرى، في “تل أبيب” كتغيير استراتيجي يعكس اصطفافًا مع حقوق الفلسطينيين، وزاد التوتر سوءًا.
6- حرب إيران.. مشتريات إلى الصفر
الحدث الأبرز الذي أكمل مسار التدهور جاء أواخر مارس/آذار 2026، ففي إطار الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران، طلبت الولايات المتحدة استخدام المجال الجوي الفرنسي لنقل ذخائر إلى “إسرائيل”.
إلا أن باريس رفضت في إحدى الحالات منح الإذن، وفق دبلوماسيين أوروبيين، ما دفع “إسرائيل” إلى القول إن فرنسا “تمنع نقل المساعدات”. وأوضحت الصحافة الفرنسية أن هذا ليس حظرًا شاملًا؛ إذ تتم مراجعة طلبات المرور حالة بحالة ويمكن تحويل المسارات.
مع ذلك، أعلن وزير جيش الاحتلال الإسرائيلي يسرائيل كاتس توقف “تل أبيب” عن شراء السلاح من فرنسا واعتبر أنها لم تعد “إحدى الدول الصديقة”.
وذكرت رويترز أن حصة فرنسا في تسليح ر”إسرائيل” صغيرة، لذا فإن الأثر العملي للقرار محدود، لكن رمزيته كبيرة لأنه يقطع العلاقة الدفاعية رسميًا.
هل يختفي النفوذ الفرنسي؟
يتضح من المحطات المتعاقبة أن فرنسا لم تنقلب فجأة على “إسرائيل”، بل انتقلت تدريجيًا من التضامن إلى الانتقاد، ثم إلى إجراءات رمزية دفاعية، ثم إلى مواقف سياسية حادة.
فبينما زادت “إسرائيل” من عدوانها العسكري واعتمدت على علاقة حصرية مع الولايات المتحدة، تضاءل استعدادها لاعتبار باريس شريكًا ضروريًا.
وتشير استطلاعات مراكز تحليلية إلى أن “إسرائيل” ترى في فرنسا دولة “مزعجة” لا يمكنها فرض أي ضغوط حقيقية.
وعلَّق محللون في مؤسسة البحوث الاستراتيجية الفرنسية (FRS) بأن “إسرائيل” باتت تنظر إلى باريس بوصفها طرفًا أوروبيًا غير ضروري، فهي تفضل الاعتماد على علاقتها الخاصة مع واشنطن وتعتمد على القوة العسكرية أكثر من الدبلوماسية.
ويحذر التقرير من أن إعادة تشكيل المنطقة بقيادة “إسرائيل” قد تهمِّش دور فرنسا وتعرضها للإقصاء من الشرق الأوسط، مبينا أن باريس تواجه خطر استبعادها من أي ترتيبات إقليمية بسبب “تآكل القانون الدولي” وتراجع التفاوض مع “تل أبيب”.
كما تُظهر مجلة منارة (التابعة لمنتدى كامبريدج للشرق الأوسط وشمال إفريقيا – MENAF) أن قدرة فرنسا على التأثير في لبنان محدودة وتعتمد على التنسيق مع الولايات المتحدة، ما يقلل من وزنها المستقل.