منذ اندلاع أحداث السابع من أكتوبر، تقف “الحاكمية الشيعية” في العراق عند مفترق طرق حاسم، في ظل تداعيات إقليمية متسارعة ألقت بظلالها الثقيلة على المشهد السياسي الداخلي.
فقد أسهمت الحرب التي شنتها إسرائيل على غزة وامتدت إلى لبنان، إلى جانب انخراط بعض الفصائل العراقية المسلحة في تلك المواجهات، في تعميق الانقسامات داخل القوى المنضوية تحت مظلة “الإطار التنسيقي” ، الذي يمثل النواة الصلبة للقوى الشيعية، التي تمسك بزمام السلطة في البلاد منذ العام 2005.
وخلال الأشهر الماضية، تصاعدت حدة التراشق الإعلامي والسياسي بين أطراف الإطار، لا سيما عقب الانتخابات التشريعية الأخيرة، بالتزامن مع بروز خلافات حادة بشأن ترشيح رئيس الوزراء، حيث رفضت أطراف رئيسية يتقدمها ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي تجديد الولاية لمحمد شياع السوداني، في حين انقسمت قوى أخرى بين مؤيد لترشيح المالكي ومعارض له، خصوصًا في ظل التحفظات والرفض الأميركي لهذا الخيار.
يأتي ذلك، في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل الإطار التنسيقي كتحالف جامع للقوى الشيعية، وسط تحذيرات من تدخلات خارجية قد تستهدف إعادة تشكيل موازين الحكم في العراق، بالتزامن مع تصاعد مظاهر الفوضى الأمنية، وقيام بعض الفصائل المسلحة بتنفيذ هجمات استهدفت مواقع حكومية، من بينها مطارات ومنشآت أمنية حساسة.
جذور النشأة الأولى
تعود جذور “الإطار التنسيقي” إلى التحالفات السياسية الشيعية التي تشكلت عقب الغزو الأميركي للبلاد عام 2003، بدءًا من “الائتلاف الوطني الموحد” عام 2005، مرورًا بـ”التحالف الوطني العراقي” بين عامي 2010-2014، وصولًا إلى صيغته الحالية التي تبلورت خلال سنة 2021.
ويضم الإطار أبرز القوى الشيعية في العراق، من بينها حزب الدعوة، وتيار الحكمة، ومنظمة بدر، والمجلس الأعلى الإسلامي، إضافة إلى أجنحة سياسية لفصائل مسلحة، مثل كتلة “صادقون” المرتبطة بعصائب أهل الحق، وحركة “حقوق” التابعة لكتائب حزب الله.
ويرأس هذا التحالف نوري المالكي، الذي يعتقد كثيرون أنه الرجل الأقوى في العراق منذ سنوات، إلا أنه يواجه الآن معارضة تتسع يومًا بعد الآخر، حتى ضمن الإطار التنسيقي.
ورغم أن هذا التحالف ظل على مدار عقدين قادرًا على احتواء خلافاته الداخلية، وإعادة إنتاج نفسه بعد كل استحقاق انتخابي، إلا أن المرحلة الراهنة تبدو مختلفة، في ظل اتساع رقعة الانقسام داخله، وتراجع قدرة قياداته على فرض التوافق بين مكوناته.
مطبات وعقبات
رغم أن خطى الأحزاب الشيعية العراقية افترفت في أوقات سابقة، خصوصًا قبيل انتخابات 2018، إلا أنها كانت تعود لتأتلف كل مرة بعد إعلان النتائج، من أجل تشكيل ما يعرف بـ”الكتلة الأكبر”، وهو ما يثير جدلًا دستوريًا وقانونيًا منذ عدة سنوات.
وخلال العقدين الأخيرين، واجهت القوى الشيعية الحاكمة سلسلة من التحديات المفصلية، بدءًا من أزمة انتخابات 2010، التي انتهت بفوز قائمة “العراقية” برئاسة إياد علاوي، ومنعها من تشكيل الحكومة، الأمر الذي فتح الباب على صراعات واضطرابات سياسية وأمنية؛ انتهت بسقوط الموصل وعدد من المناطق والمحافظات بيد داعش عام 2014.
ثم جاءت احتجاجات تشرين 2019 لتطيح بحكومة عادل عبد المهدي، وصولًا إلى تداعيات انتخابات 2021 التي أفرزت مشهدًا سياسيًا معقدًا، انتهى بانسحاب التيار الصدري من العملية السياسية رغم فوزه، وتفكك تحالفه الذي وُصف بـ”العابر للطائفية” مع حزب “تقدم” السني والحزب الديمقراطي الكردستاني، ثم قيام الإطار بتشكيل الحكومة برئاسة السوداني.
وهكذا، كانت هذه الكتلة الصلبة رغم اختلافها وتنازعها وانقساماتها تستعيد تماسكها باستمرار، وتوظف نفوذها لصالح بقاء هيمنتها السياسية مجتمعة، بحيث تحولت إلى “دولة داخل الدولة”، وفقًا لاتهامات معارضيها، إلا أن تصاعد التحديات الأمنية والسياسية الحالية، وتداخل العوامل الإقليمية، يضعان هذا التماسك أمام اختبار غير مسبوق.
7 أكتوبر وأبواب الجحيم
شكلت أحداث السابع من أكتوبر نقطة تحول بارزة؛ أنهت التهدئة الهشة بين واشنطن والفصائل المسلحة، ونقلت الصراع إلى مرحلة “كسر العظم”، إذ أعلنت فصائل عراقية انخراطها ضمن معركة ما يُعرف بـ”محور المقاومة”، ونفذت هجمات بطائرات مسيّرة على أهداف داخل الأراضي المحتلة، مما دفع وزارة الخزانة الأميركية لتصنيف جماعات تابعة للإطار مثل “النجباء”، وكتائب “سيد الشهداء”، و”أنصار الله الأوفياء”، وكتائب الإمام علي؛ والمؤسسات المالية التابعة لها على لائحة “الإرهاب”.
ومع عودة دونالد ترمب إلى السلطة في الولايات المتحدة، تصاعدت الضغوط على الحكومة العراقية لضبط سلوك الفصائل المسلحة، ومنع استهداف المصالح الأميركية، غير أن عجز الحكومة على احتواء هذه الفصائل وضبط إيقاعها العسكري؛ وضع مؤسسات الدولة في موقف حرج، وزاد من تعقيد المشهد الداخلي، وسط مخاوف من تحول العراق إلى ساحة مواجهة مفتوحة.
داخليًا، زادت حدة انقسامات الإطار بعد الرفض الأميركي لتسنم المالكي رئاسة الحكومة مجددًا، وجاءت تغريدة الرئيس ترمب عبر منصة “تروث سوشيال” في 27 يناير/ كانون الثاني المنصرم لتقطع الطريق على نيل المالكي للولاية الثالثة، وتضمنت تهديدًا بمنع المساعدات عن العراق.
وصاحب ذلك تصريحات لمسؤولين أميركيين حذروا فيها من عواقب المضي في هذه الخطوة، وهو ما عده البعض ضربة غير مسبوقة لوحدة الإطار، الذي اصطفت بعض مكوناته مع واشنطن في رفضها لترشيح المالكي.
View this post on Instagram
مستقبل “الحاكمية الشيعية”
ومنذ شهور، يتبنى عدد من منظري “الإطار التنسيقي” وأقطابه دعوات إلى حسم الخلافات الداخلية وتوحيد الصف، خشيةً على مستقبل ما يُعرف بـ”الحاكمية الشيعية”، وهو مصطلح يُستخدم على نطاق واسع مؤخرًا، للدلالة على طبيعة السلطة الحالية التي تهيمن عليها الأحزاب الشيعية.
وكانت صرخات غالب الشابندر، أحد منظري حزب الدعوة السابقين، بمثابة جرس إنذار لدى البعض من احتمال خسارة الشيعة التاريخية للحكم، حيث بات التركيز على هذه النقطة هاجسًا لديه، وكذلك لدى شقيقه عضو الدعوة السابق عزت الشابندر، الذي صرح في مناسبات عدة بأن القادة الشيعة لا يثقون بالسنة، في سياق حديثه عن احتكار المكون الشيعي للمناصب الرئيسية في مفاصل الدولة.
View this post on Instagram
وبالتزامن مع ذلك، أطلقت مؤسسات إعلامية وصفحات على مواقع التواصل الاجتماعي تابعة للإطار، حملات إعلامية واسعة ضد العرب السنة والكرد، فضلًا عن سوريا والمملكة العربية السعودية ودول الخليج.
وتضمنت هذه الحملات اتهامات بالعمالة لإسرائيل، والتآمر لإسقاط “النظام الشيعي” في العراق، إلى جانب الإساءة إلى الرموز الدينية السنية، مما ولد ردود فعل داخلية حادة، وتحذيرات من تأثير ذلك على السلم الأهلي في البلاد.
وشملت هذه الحملات أيضًا الترويج لمخاوف من حرب مفترضة قد يشنها الرئيس السوري أحمد الشرع على العراق، بالتعاون مع قوى سنية عراقية، فضلًا عن تحريك دعاوى قضائية ضد ناشطين سنة بتهم “الطائفية” و”الاستهانة بدماء الشيعة.
من الجبهات إلى الأسواق
تؤكد تقارير محلية ودولية أن جزءًا مهمًا من الفصائل الشيعية قد اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى عالم المال والأعمال، ودخل السوق من أوسع أبوابه منذ هزيمة تنظيم داعش عام 2017.
ويُعزى ذلك إلى تحولات بنيوية في طبيعة نشاط هذه الفصائل، الأمر الذي دفع بعضها إلى إبداء اعتراضه على ترشيح نوري المالكي، خشية من انعكاسات ذلك على المشهد الاقتصادي في العراق، وتضررها جراء هذا الأمر.
وتأتي في مقدمة هذه الفصائل كتلة “صادقون” التابعة لحركة عصائب أهل الحق، والتي حصدت 27 مقعدًا في الانتخابات الأخيرة.
ويثير موقف هذه الجماعات جملة من التساؤلات، حول مدى تأثير المال في إعادة صياغة علاقات القوى داخل “الإطار التنسيقي”، في ظل تقارير تتحدث عن إدارة هذه الفصائل لمشاريع اقتصادية كبرى في بغداد والمحافظات، وسيطرة بعضها على منافذ حدودية، بالتعاون مع شركاء من أحزاب وتيارات سياسية أخرى.
في السياق ذاته، شهدت المحافظات المحررة من سيطرة تنظيم داعش انتشار ما يُعرف بـ”المكاتب الاقتصادية“، وهي كيانات مرتبطة بفصائل مسلحة، تُتهم بفرض إتاوات على المطاعم والمجمعات السياحية والأماكن العامة في نينوى والأنبار وصلاح الدين وديالى وكركوك.
وقد أعادت حادثة غرق العبّارة في الموصل بتاريخ 31 آذار/مارس 2019، والتي أودت بحياة أكثر من 100 شخص، تسليط الضوء على نشاط هذه المكاتب، بعدما تبيّن أن ملكية العبّارة الغارقة تعود لجهة مسلحة، لم تلتزم بتوفير شروط ومعايير السلامة فيها.
وعلى الرغم من حجم الكارثة، فإن السلطات الحكومية لم تتخذ إجراءات حاسمة بهذا الخصوص، باستثناء إقالة محافظ نينوى آنذاك نوفل العاكوب.
وفي هذا الإطار، كشفت النائبة عن نينوى سمية الخابوري، أن أهالي الموصل باتوا مضطرين لدفع مبالغ مالية لجهات مسلحة مقابل السماح لهم ببناء منازلهم، داعية الجهات الحكومية إلى التدخل العاجل لوضع حد لما وصفته بالمخالفات الصريحة للقوانين العراقية.
القضاء يدخل على الخط
في خضم هذا التنازع، أثار مقال لرئيس مجلس القضاء الأعلى فائق زيدان جدلًا واسعًا، بعدما أكد فيه أن “الكتلة الأكبر” الفائزة هي التي تتشكل قبل الانتخابات لا بعدها .
وأعاد هذا الطرح فتح باب التساؤلات بشأن قرار المحكمة الاتحادية العليا عام 2010، والذي منح ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي حق تشكيل الحكومة، رغم فوز القائمة العراقية بالانتخابات آنذاك، بعد حصولها على 91 مقعدًا، مقابل 89 لدولة القانون، لكن المحكمة الدستورية قررت وقتها أن الكتلة الفائزة هي التي تتشكل بعد إعلان النتائج وليس قبلها، وسط اتهامات بوجود دوافع سياسية رافقت ذلك القرار.
وأتبع زيدان مقاله بآخر، حذر فيه من تفرد جهات باتخاذ قرار الحرب بعيدًا عن الأطر الدستورية، معتبرًا أن محاولات بعض الفصائل المسلحة الانفراد بقراري الحرب والسلم تمثل تهديدا خطيرًا لسيادة الدولة واستقرار المجتمع، فيما أشار إلى أن تعدد مراكز القرار العسكري “يخلق حالة من الفوضى وقد يجر البلاد إلى نزاعات داخلية أو إقليمية دون توافق وطني”.
ويرى محللون سياسيون أن مواقف القضاء تعكس حالة انزعاج متزايدة داخل مؤسسات الدولة العراقية من سلوك بعض الفصائل المسلحة، محذرين من أن استمرار هذه التصرفات قد يضع العراق في مواجهة مع المجتمع الدولي، ويعمق في الوقت ذاته مأزق “الإطار التنسيقي”، في ظل تراجع قدرة قياداته على ضبط الفصائل المنضوية ضمنه.
على حافة الانهيار
في ضوء التعقيدات المتداخلة هذه؛ لا تبدو أزمة “الإطار التنسيقي” مجرد خلافات سياسية عابرة، بقدر ما تعكس مأزقًا عميقًا يطال طبيعة النظام السياسي العراقي نفسه، فاستمرار التأخر في حسم الاستحقاقات الدستورية، وفي مقدمتها انتخاب رئيس الجمهورية وتكليف رئيس الوزراء، يعيد إلى الواجهة إشكالية “الكتلة الأكبر” وتفسيرها، ويكشف هشاشة التوافقات التي قامت عليها العملية السياسية منذ العام 2003.
ومع كل تأخير جديد، تتسع فجوة الثقة بين القوى السياسية، وتتعاظم المخاوف من دخول البلاد في فراغ دستوري، قد يفتح الباب أمام سيناريوهات أكثر تعقيدًا.
في موازاة ذلك، تتفاقم التحديات الأمنية، واحتمالات انخراط العراق في صراعات إقليمية مفتوحة، في ظل احتدام الصراع بين الولايات المتحدة وما يعرف بـ”محور المقاومة”، وهو ما يضع بغداد في موقع بالغ الحساسية، بين ضغوط متناقضة قد يصعب التوفيق بينها.
أما اقتصاديًا؛ فإن التحذيرات من أزمة سيولة، وتراجع الإيرادات غير النفطية، واستمرار الاعتماد شبه الكلي على النفط؛ تثير مخاوف حقيقية من دخول البلاد في دوامة اختلال مالي قد تصل حافة الإفلاس، خصوصا إذا ما ترافقت مع عقوبات أو ضغوط دولية محتملة.
ويزيد من حدة هذه المخاطر اتساع الاقتصاد الموازي، وهيمنة شبكات غير رسمية على مفاصل حيوية، بما يقوض قدرة الدولة على إدارة مواردها بكفاءة وعدالة؛ بحسب مراقبين.
وهكذا، فإن “الإطار التنسيقي” يقف اليوم أمام اختبار وجودي، ليس فقط لقدرته على البقاء كتحالف سياسي، بل لمدى استطاعته إعادة تعريف دوره ضمن دولة تعاني من أزمات مركبة ومتراكمة، فإما أن ينجح في إنتاج تسوية داخلية تستجيب لمتطلبات الدولة ومصالحها العليا، أو أن يستمر في مسار التآكل التدريجي، بما قد يفضي إلى إعادة تشكيل المشهد السياسي برمته، على نحو لا يمكن التنبؤ بمآلاته بشكل دقيق؛ كما يقول كثيرون.