• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

هذه ليست حرب الصين.. لكن بكين بدأت تستعد لها منذ سنوات

ألكسندرا ستيفنسون٦ أبريل ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

فاجأت صدمة الطاقة الناجمة عن الحرب في الشرق الأوسط الصين، أكبر مشترٍ للنفط في العالم، إلا أن بكين كانت تستعد لمثل هذه الأزمة منذ سنوات.

عكفت الصين على تكوين مخزونات ضخمة من النفط، كما استثمرت بقوة في مصادر الطاقة المتجددة، مثل الطاقة الشمسية والرياح والطاقة الكهرومائية، حتى تراجع طلبها على المشتقات النفطية كالديزل والبنزين. علاوة على ذلك، سخرت التكنولوجيا لتقليل اعتمادها على المواد الخام المستوردة التي تدخل في الإنتاج الضخم لمصانعها.

لطالما نظر الحزب الشيوعي الحاكم في الصين إلى صناعاته باعتبارها الركيزة الأساسية لاستراتيجية الأمن القومي، وقد زاد تركيزه على هذا النهج وتوسيعه منذ الولاية الأولى للرئيس ترامب، حيث كثفت الصين سياساتها الرامية إلى تعزيز صناعاتها المحلية، مما عزز بدوره هيمنتها العالمية على الموارد وسلاسل التوريد.

وقال هيواي تانغ، مدير معهد آسيا العالمي بجامعة هونغ كونغ: “لقد شهدنا مزيدًا من التوجيه المركزي لتطوير قطاعات استراتيجية ترى الصين أنها ضرورية لتجنب السيطرة الغربية”.

كانت الطاقة هي حجر الزاوية في هذه الاستراتيجية. فمنذ عقد من الزمان، كانت الصين أكبر سوق في العالم للسيارات التي تعمل بمحركات الاحتراق الداخلي، وأصبحت اليوم السوق الأولى للسيارات الكهربائية. كما كانت أكبر مشترٍ للبتروكيماويات المستوردة، وهي المواد الخام المشتقة من النفط والتي تدخل في صناعة البلاستيك والمعادن والمكونات المطاطية وغيرها من العناصر الحيوية للسلع التي تضخها مصانعها. لكنها تعتمد الآن بشكل أساسي على الفحم المحلي لإنتاج بعض المواد الكيميائية، مثل الميثانول والأمونيا الاصطناعية. وقد لعب التخطيط الحكومي والاستثمارات الضخمة دوراً حاسماً في تحقيق هذه الإنجازات.

محطة توليد كهرباء تعمل بالفحم، في مدينة ويفانغ بالصين، عام 2023.

ومع استمرار إغلاق مضيق هرمز، الممر الملاحي لمعظم إمدادات النفط إلى آسيا، أثبتت الصين حتى الآن أنها أكثر مرونة وتماسكاً مقارنةً بمعظم دول العالم.

بات بإمكان الصين الآن تشغيل نسبة كبيرة من سياراتها وقطاراتها بالطاقة الكهربائية، مما قلل بشكل جذري من اعتمادها على النفط. كما طوّرت تقنيات استخدام الفحم  بدلاً من النفط لإنتاج البتروكيماويات. وهذه التكنولوجيا التي ابتكرتها ألمانيا واستخدمتها لدعم اقتصادها خلال الحرب العالمية الثانية، تمنح بكين بديلاً استراتيجياً عن النفط لتصنيع المواد الخام التي تحتاجها مصانعها.

وفي الشهر الماضي، وجّهت كل من فيتنام والفلبين نداءات استغاثة للصين في ظل نقص حاد في النفط ومصادر الطاقة الأخرى. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الصينية: “الصين على أتم الاستعداد لتعزيز التنسيق والتعاون مع دول جنوب شرق آسيا، والعمل معا للتصدي لتحديات أمن الطاقة”.

لطالما استحوذت قضية الاعتماد على المصادر الخارجية للطاقة والمواد الخام على اهتمام الصين.

مع مطلع القرن الحالي، ساور القلق المسؤولين الصينيين بشأن ممر مائي ضيق آخر تعبر من خلاله إمدادات النفط نحو الصين، وهو “مضيق ملقا” الذي يفصل إندونيسيا وماليزيا عن سنغافورة. واستجابةً لهذه المخاوف، أنشأت الصين في عام 2004 احتياطياً نفطياً للطوارئ، وقد عكفت خلال الأشهر الأخيرة على تعزيز هذا المخزون بوتيرة متسارعة.

وفي أواخر التسعينيات، وبينما كانت الصين تتحول إلى “مصنع العالم”، كانت بحاجة إلى شركات كيماويات أجنبية كبرى مثل “دوبونت” و”شل” و”باسف” لإنشاء مصانع تمد منشآتها بالمواد الكيماوية اللازمة. أما في السنوات الأخيرة، فقد أحكمت الشركات الصينية قبضتها على جزء كبير من إمدادات الكيماويات عالميا. على سبيل المثال، تُنتج الصين حالياً ثلاثة أرباع احتياجات العالم من البوليستر والنايلون.

ألواح شمسية كهروضوئية تحوّل ضوء الشمس مباشرة إلى كهرباء، في مقاطعة تشينغهاي بالصين، العام الماضي.

لا تزال الصين أكبر مستورد للنفط والغاز في العالم، حيث تستورد ثلاثة أرباع احتياجاتها النفطية. بينما لا تكشف بكين عن الحجم الفعلي لاحتياطياتها، إلا أن بيانات الحكومة الصينية تشير إلى أن وارداتها من النفط الخام ارتفعت بنسبة 4.4 بالمئة في عام 2025 مقارنة بالعام السابق، بينما نما استهلاكها بنسبة 3.6 بالمئة.

مع ذلك، بدأت الجهود الصينية تؤتي ثمارها بعد ضخ مليارات الدولارات في هيئة إعانات مباشرة لمصنّعي السيارات الكهربائية، واستثمار مئات المليارات في مصادر الطاقة المتجددة. فقد انخفض الطلب على النفط المكرر والبنزين والديزل لعامين متتاليين، مما مما دفع الخبراء إلى التنبؤ بأن استهلاك الصين من النفط والغاز لن يواصل الارتفاع.

في الوقت نفسه، يتزايد استهلاك الصين للنفط في قطاع البتروكيماويات، في إطار سعيها لتعزيز أمن سلاسل الإمداد.

وفي هذا الصدد، يقول يورغ فوتكه، الذي شغل منصب الممثل الرئيسي لشركة “باسف” الألمانية للكيماويات في الصين لمدة 27 عاماً: “لقد ازدهرت الصناعة الصينية بفضل الاستثمارات الحكومية الضخمة، وتوفير القروض الميسرة، وتشجيع الجامعات على تلبية متطلبات تخصص الهندسة الكيميائية”.

وقد تسارعت وتيرة هذه الجهود في عهد الرئيس شي جين بينغ، وخلال ولاية ترامب الرئاسية الأولى. ويرى فوتكه، الذي يعمل حالياً في مجموعة “دي جي إيه-أولبرايت ستونبريدغ” الاستشارية، أن “كل خطوة يتخذها ترامب تدفع بكين نحو مزيد من الاعتماد على الذات”.

يُذكر أن ترامب دخل خلال ولايته الأولى في مواجهة مع الصين بشأن قضايا اقتصادية وتجارية، مما أشعل فتيل حرب تجارية وصدام تكنولوجي بين القوتين. وقد أثار أسلوب ترامب الهجومي تجاه الصين حالة من الاستنفار لدى القيادة الصينية.

اندفعت الصين بقوة نحو استغلال طاقة الرياح وغيرها من مصادر الطاقة المتجددة.

بدأ المسؤولون الصينيون بإرسال إشارات واضحة في هذا الصدد. ففي عام 2019، دعا رئيس الوزراء السابق لي كه تشيانغ، إلى الاعتماد على الفحم لتوليد الكهرباء وإنتاج الكيماويات، وذلك في إطار مساعٍ لتقليل اعتماد الصين على النفط المنقول بحراً. مثّل ذلك تحولاً عن توجهات الصين السابقة التي كانت تركز على التخلص تدريجيا من الفحم.

وفي أواخر عام 2020، مع تفشي الجائحة عالميا وتسببها في اضطرابات واسعة في حركة الشحن والتجارة العالمية، وبلوغ التوترات مع الولايات المتحدة مستويات غير مسبوقة، طرحت الصين خارطة طريق رسمية نُسبت إلى الرئيس شي، توضح كيفية عبور مرحلة الاضطرابات. 

وقد نُشرت الخطة في مجلة “تشيوشي” التابعة للحزب الشيوعي، وكانت بمثابة دعوة للصناعات الصينية إلى الاستعداد للتحديات وتطوير التكنولوجيا بوتيرة أسرع من المنافسين في الخارج لتحقيق الاكتفاء الذاتي وحماية الصين من اضطرابات سلاسل التوريد.

وقال لوري ميليفيرتا، أحد مؤسسي مركز أبحاث الطاقة والهواء النظيف (وهي منظمة بحثية مستقلة تتبعت توسع الصين في استخدام الفحم لإنتاج البتروكيماويات): “لقد مثّلت ولاية ترامب الأولى قطيعة واضحة غيّرت حسابات الصين الجيوسياسية، وأعادت إحياء مخاوف قديمة”.

وأضاف: “لقد تحدث شي جين بينغ بنفسه عن مرونة سلاسل التوريد. كل هذا ساهم في ازدهار صناعة البتروكيماويات”.

وقد منحت هذه التوجيهات الصادرة عن أعلى هرم السلطة الضوء الأخضر لتوسع هذا القطاع وبناء منشآت تعتمد على الفحم بدلاً من النفط لإنتاج المواد البتروكيماوية.

أكوام من الفحم في ساحة إحدى القرى بالصين، العام الماضي.

في عام 2020، استخدمت الصين ما يعادل 155 مليون طن من الفحم القياسي لإنتاج المواد الكيميائية. وبحلول عام 2024، ارتفع هذا الرقم ليصل إلى 276 مليون طن. أما في عام 2025، فقد سجل هذا الرقم زيادة إضافية بنسبة 15 بالمئة، متجاوزاً بذلك إجمالي استهلاك الفحم في الولايات المتحدة بأكملها، والبالغ 230 مليون طن.

وصرح المسؤولون الصينيون بأن الاعتماد على الفحم يمثل جسراً مؤقتاً نحو الاعتماد الكلي على الطاقة المتجددة، وقد استثمروا أيضا في تقنيات تستخدم الكهرباء لإنتاج البتروكيماويات. بدأ استخدام الفحم كبديل للنفط يؤتي ثماره الاستراتيجية في الوقت الراهن، لا سيما مع نقص إمدادات النفط والغاز الذي أدى إلى قفزات حادة في الأسعار العالمية.

لنأخذ الأسمدة النيتروجينية كمثال، إذ تنتج الصين ثلث الإمدادات العالمية، ويتم تصنيع 80 بالمئة منها باستخدام الفحم بدلاً من النفط. منذ اندلاع الحرب في الشرق الأوسط، قفزت أسعار اليوريا – وهي المكون الكيميائي الرئيسي للأسمدة – بنسبة تتجاوز 40 بالمئة، في حين ظل سعر المنتج المحلي المماثل في الصين عند مستوى يقل عن نصف السعر العالمي.

حتى قبل أن اندلاع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل مع وإيران، والتي تهدد واحدة من أهم مناطق الموارد الحيوية في العالم، كانت الصين تتمتع بموقف مهيمن، حسب جوانا كريبس الباحثة في معهد ميركاتور للدراسات الصينية في ألمانيا. وتقول: “من المرجح أن يرى الصينيون في هذه التطورات حافزاً إضافياً للمضي قدماً في طريق الاكتفاء الذاتي”.

المصدر: نيويورك تايمز

علاماتأزمة النفط ، أمن الطاقة ، إنتاج الطاقة في الصين ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران
مواضيعأسعار النفط ، الاقتصاد الصيني ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، النفوذ الصيني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

إنفوجرافات ورسوم شارحة: كيف تبدو الحياة في غزة بعد الإبادة؟

نون إنسايت٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

“ورقة الأكراد”: ماذا يكشف اعتراف ترامب بتسليح معارضي إيران؟

عماد عنان٦ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

ترامب وإيران.. وظلال أزمة السويس

إيشان ثارور٦ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑