انطلقت الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران محمّلة بأهداف واسعة، تصدّرها الحديث عن إسقاط النظام، إلى جانب استهداف البرنامجين النووي والباليستي بوصفهما ركيزة الاستثمار الاستراتيجي للجمهورية الإسلامية على مدار عقود.
إلا أن مسار المواجهة سرعان ما أفرز مأزقًا استراتيجيًا أعاد ترتيب أولويات الصراع، تمثل في قدرة إيران على الإغلاق الفعلي لمضيق هرمز منذ الأيام الأولى، ودفع سوق الطاقة العالمي إلى مستويات ضغط غير مسبوقة، بما حوّل المضيق إلى أداة مركزية في إدارة المواجهة.
في هذا السياق، تتبلور مقاربة إيرانية تقوم على تحويل مضيق هرمز إلى ورقة نفوذ استراتيجية تعوّض كلفة الحرب، وتعيد إنتاج موقع إيران الإقليمي والدولي عبر أصل حيوي مولّد للدخل والتأثير.
وتبرز المحادثات الثنائية الجارية بين طهران ومسقط كمدخل عملي لإعادة تكييف الوضع القانوني للمضيق، ضمن ترتيبات تمنح الدولتين الساحليتين الدور الحصري في إدارة العبور، بما يفتح المجال أمام صياغة نموذج جديد يجمع بين السيطرة الميدانية والتأطير القانوني.
كيف يتعامل القانون الدولي مع المضائق المائية؟
يقوم القانون الدولي على توازن دقيق بين النصوص المكتوبة والممارسة الفعلية للدول، يمتد لتشمل ما يتشكل عبر الزمن من سلوكيات دولية مستقرة، ضمن توازن يضع إطارًا ناظمًا يحول دون تحوّل كل “أمر واقع” إلى قاعدة قانونية، إذ يخضع الوقائع لاختبار مركّب يحدد ما يمكن أن يرتقي منها إلى مرتبة الإلزام.
وفي هذا السياق، يتبلور ما يُعرف بالقانون الدولي العرفي بوصفه المسار الذي تتحول عبره الممارسة إلى قاعدة قانونية، عبر تلاقي عنصرين: استقرار السلوك وتكراره من جهة، واقترانه بقبول دولي واسع مقرون باعتقاد قانوني بوجوب الالتزام به من جهة أخرى.
وانطلاقًا من ذلك، يُعالج التكييف القانوني للمضائق المائية ضمن مستويين متكاملين: مرجعية تعاقدية مكتوبة، وأخرى عرفية تراكمية. وتُعد اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الإطار القانوني الأهم في هذا المجال، بوصفها الوثيقة الشاملة التي نظمت استخدام البحار والمحيطات، ودخلت حيز التنفيذ عام 1994، مع امتداد جذورها إلى اتفاقيات سابقة وإلى قواعد عرفية مستقرة.
وبالعودة إلى الجذور، شكل حكم قضية قناة كورفو محطة تأسيسية في تنظيم المرور في المضائق، إذ أرست محكمة العدل الدولية قاعدة عرفية تقضي بحق السفن، بما فيها الحربية، في المرور غير القابل للإيقاف في المضائق الدولية في زمن السلم، وقد جرى ترسيم هذا المبدأ لاحقًا في اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي لعام 1958، قبل أن يُعاد تطويره وتوسيعه ضمن الإطار الأشمل لاتفاقية قانون البحار.
ضمن هذا الإطار، يخضع المرور في المضائق لثلاثة أنظمة قانونية رئيسية. أولها نظام المرور العابر (Transit Passage)، الذي أقرته اتفاقية قانون البحار، ويكفل حرية الملاحة والتحليق لجميع السفن والطائرات عبر المضائق التي تصل بين أجزاء من أعالي البحار أو المناطق الاقتصادية الخالصة، دون تمييز في الجنسية أو الطبيعة المدنية أو العسكرية.
ويشمل هذا الحق عبور الغواصات في حالة الغطس، باعتباره وضعها التشغيلي الطبيعي، وقد نشأ هذا النظام مع توسّع البحر الإقليمي إلى 12 ميلًا بحريًا، بما أدى إلى اختفاء معظم ممرات أعالي البحار داخل المضائق.
أما النظام الثاني، فهو المرور البريء (Innocent Passage)، وهو الأقدم والأكثر رسوخًا في القانون الدولي، ويُعرَّف بأنه المرور الذي لا يخلّ بأمن الدولة الساحلية أو نظامها العام. ويسري هذا النظام في البحر الإقليمي، وكذلك في المضائق التي لا تنطبق عليها شروط المرور العابر. ويمنح هذا النظام الدولة الساحلية صلاحية اتخاذ تدابير لمنع أي مرور يفقد صفة “البراءة”.
ويكمن الفارق الجوهري بين النظامين في نطاق صلاحيات الدولة الساحلية؛ إذ لا يجيز نظام المرور العابر تعطيل المرور أو تقييده، حتى في حالات المناورات العسكرية، كما يتيح للسفن والطائرات والغواصات الاستفادة الكاملة من حرية العبور. في المقابل، يتيح نظام المرور البريء هامشًا أوسع للدولة الساحلية للتدخل عند المساس بأمنها أو نظامها.
إلى جانب ذلك، يوجد نظام ثالث يسري في المضائق التي يتجاوز عرضها 24 ميلًا بحريًا، حيث تبقى أجزاء منها ضمن أعالي البحار أو المنطقة الاقتصادية الخالصة، فتسري فيها حرية الملاحة وفق قواعد تلك المناطق، إلى جانب تطبيق نظام المرور البريء في الأجزاء المحاذية للسواحل.
أهم المضائق الدولية ووضعها القانوني
لا تعمل المضائق الدولية ضمن نظام قانوني موحّد، رغم وجود اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار كإطار شامل لتنظيم استخدام البحار والمحيطات، إذ تتباين الأوضاع القانونية للمضائق تبعًا لخصوصياتها الجغرافية والتاريخية والسياسية، فتخضع بعض المضائق لقواعد الاتفاقية بشكل مباشر، بينما تُحكم أخرى بمعاهدات خاصة، وتوجد حالات تقع ضمن مساحات رمادية يتداخل فيها العرف مع الترتيبات السياسية.
يُعد مضيق جبل طارق أحد أبرز النماذج على المضائق ذات الطبيعة العرفية المستقرة، إذ يشكّل ممرًا استراتيجيًا يربط البحر الأبيض المتوسط بالمحيط الأطلسي، ويفصل بين أفريقيا وأوروبا. ويخضع المضيق لحرية الملاحة بوصفه ممرًا دوليًا راسخًا في الممارسة الدولية، رغم استمرار التنازع السياسي بين إسبانيا وبريطانيا حول السيادة على المناطق المحيطة به.
أما مضيق ملقا، فيمثل شريانًا حيويًا للتجارة العالمية، يربط المحيط الهندي بالمحيط الهادئ، ويمتد بين شبه جزيرة الملايو وجزيرة سومطرة. ويُدار هذا المضيق ضمن إطار تعاوني بين إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، مع خضوعه لقواعد الملاحة المنصوص عليها في اتفاقية قانون البحار، بما يضمن استمرارية التدفق التجاري في أحد أكثر الممرات ازدحامًا عالميًا.
وفي السياق ذاته، يحتل مضيق باب المندب موقعًا بالغ الحساسية، بوصفه البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، وحلقة وصل رئيسية بين أسواق الطاقة في الخليج والممرات التجارية نحو أوروبا. ويخضع المضيق للقواعد المنظمة في اتفاقية قانون البحار، إلا أن أهميته الاستراتيجية جعلته عرضة لاضطرابات متكررة، انعكست مباشرة على أمن الملاحة الدولية وسلاسل الإمداد.
في المقابل، تبرز مضائق تُحكم بأنظمة قانونية خاصة، كما هو الحال في مضيقي البوسفور والدردنيل، اللذين يخضعان لأحكام اتفاقية مونترو، التي منحت تركيا صلاحيات تنظيمية تتجاوز الإطار العام لاتفاقية قانون البحار، خصوصًا فيما يتعلق بتنظيم مرور السفن الحربية، ووضع قيود على سفن الدول غير المطلة على البحر الأسود.
وضمن هذا التنوع، يبرز مضيق هرمز كحالة مركبة تجمع بين الأهمية الاستراتيجية العالية والتعقيد القانوني، في ظل وقوعه بين مياه إيران وسلطنة عُمان، وارتباطه المباشر بأمن الطاقة العالمي.
مضيق هرمز والالتزامات القانونية لإيران
تتسم الحالة القانونية لمضيق هرمز بدرجة عالية من التعقيد، نتيجة تداخل الالتزامات التعاقدية مع المواقف التفسيرية للدول المعنية. فقد وقّعت إيران على اتفاقية جنيف للبحر الإقليمي، واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، واتفاقية فيينا لقانون المعاهدات، لكنها لم تُصادق على أيٍّ منها، ما يضعها في موقع قانوني يتيح لها هامشًا أوسع في تفسير الالتزامات المترتبة عليها.
في المقابل، تتمسك الولايات المتحدة و”إسرائيل”، -هما أيضًا غير طرفين في اتفاقية قانون البحار- بأن نظام المرور العابر يُشكّل قاعدة مستقرة في القانون الدولي العرفي، بما يجعله ملزمًا بغض النظر عن التصديق.
وعند توقيعها على اتفاقية قانون البحار عام 1982، أعلنت إيران أن بعض أحكامها، وفي مقدمتها نظام المرور العابر، لا تعكس قواعد عرفية قائمة، بل تمثل ترتيبات تعاقدية بين أطراف الاتفاقية، وهو ما يعني من وجهة نظرها، عدم انطباقها على الدول غير المصادقة.
وانعكس هذا الموقف في قانونها البحري الوطني الصادر عام 1993، الذي أقرّ نظام المرور البريء بشروط محددة، دون أي إشارة إلى المرور العابر، أو الاعتراف بمضيق هرمز كمضيق دولي بالمعنى الذي تقرّه الاتفاقية.
جغرافيًا، يمتد مضيق هرمز بطول يقارب 90 ميلًا بحريًا، ويضيق في بعض نقاطه إلى نحو 21 ميلًا بحريًا، ما يجعل مياهه واقعة بالكامل ضمن المياه الإقليمية لكل من إيران وسلطنة عُمان. ويمر عبره ما يقارب خُمس إمدادات النفط العالمية، أي نحو 20 مليون برميل يوميًا، ما يمنحه وزنًا استثنائيًا في معادلة أمن الطاقة العالمي. وتتم غالبية حركة الملاحة عبر المياه الإقليمية العُمانية، التي توفر مسارات أكثر أمانًا، ضمن نظام ممرات ملاحية أقرّته المنظمة البحرية الدولية لتنظيم حركة السفن.
رغم التوتر الذي يشهده مضيق هرمز بعد الحرب الأمريكية الإسرائيلية، تواصل إيران تصدير نفطها عبر شبكات معقدة، محققة مكاسب نسبية، لكنها غير مستقرة pic.twitter.com/BnVY1JruYA
— نون بوست (@NoonPost) March 13, 2026
ينبع التعقيد القانوني الجوهري من موقع المضيق، الذي يربط بين منطقتين من المنطقة الاقتصادية الخالصة، ما يجعله (وفق المادة 37 من اتفاقية قانون البحار) خاضعًا لنظام المرور العابر. إلا أن إيران تتمسك بتفسير مغاير، تعتبر فيه أن القاعدة العرفية السائدة تكرّس المرور البريء بوصفه النظام المنطبق، وليس المرور العابر.
أما سلطنة عُمان، الطرف الآخر المشرف على المضيق، فقد صادقت على اتفاقية قانون البحار عام 1989، لكنها تشترط، شأنها شأن إيران، حصول السفن الحربية على إذن مسبق للعبور، وهو ما ترفضه الولايات المتحدة التي ترى في ذلك قيدًا غير مشروع على حرية الملاحة.
في ضوء ذلك، يتشكل في مضيق هرمز وضع قانوني مركّب يمكن توصيفه بـ”دوامة قانونية”، تتقاطع فيها التفسيرات المتباينة مع المصالح الاستراتيجية، وتغيب فيها قاعدة حاكمة محل إجماع. هذا الواقع يفتح المجال أمام الأطراف المختلفة لفرض قراءاتها الخاصة، والتعامل مع المضيق وفق تصورات متعارضة، بما يعكس تداخلاً حادًا بين القانون والسياسة في إدارة أحد أكثر الممرات حساسية في العالم.
عقدة الحرب والحل
دخل مضيق هرمز منذ 28 فبراير/شباط 2026 طورًا جديدًا من الاضطراب الجيوسياسي، عقب الضربات العسكرية الأمريكية–الإسرائيلية المشتركة على إيران، والتي شملت اغتيال المرشد الأعلى علي خامنئي.
وقد ردّت طهران عبر الحرس الثوري والقوات المسلحة بسلسلة هجمات صاروخية وبطائرات مسيّرة استهدفت قواعد أمريكية، وأهدافًا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، ومواقع في دول خليجية، بالتوازي مع تحذيرات مباشرة بحظر الملاحة في المضيق، سرعان ما ترجمت إلى تعطيل فعلي لحركة الشحن.
في المرحلة الأولى، اتجهت إيران إلى الإغلاق الشامل للمضيق، حيث أعلنت في 3 مارس/آذار 2026 وقف المرور، ونفذت هجمات مباشرة على السفن التي حاولت العبور. وجاء ذلك فور انطلاق العملية العسكرية الأمريكية “الغضب الملحمي”، واستهدفت بنية القيادة والسيطرة الإيرانية، وقواعد الحرس الثوري، ومنظومات الصواريخ والسفن الحربية.
وخلال هذه الفترة، سُجلت 21 هجمة مؤكدة على سفن تجارية حتى 12 مارس، فيما أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب نيته فتح المضيق بالقوة، مع تأكيدات متكررة على تدمير القدرات البحرية الإيرانية. إلا أن مسار الأحداث أظهر استمرار السيطرة الإيرانية الفعلية على حركة الملاحة في المضيق.
قدرة إيران على تعطيل الملاحة لا ترتبط بالسيطرة التقليدية على البحر بقدر ما تعتمد على تكتيكات غير متماثلة، تتيح لها الاستمرار في فرض قيود فعالة على المرور
ومع تعذر فرض فتح عسكري مباشر، انتقلت إيران في المرحلة الثانية إلى نموذج إدارة انتقائي للمضيق، عبر إنشاء ممر آمن شمال جزيرة لارك قرب بندر عباس، تُخضع فيه السفن لإجراءات تفتيش وتدقيق قبل منحها حق العبور.
وقد وصفت تقارير ملاحية هذا الترتيب بأنه أشبه بـ”نظام كابينة جمركية” مفروض بالقوة، تزامن مع مساعٍ تشريعية داخل البرلمان الإيراني لفرض رسوم على السفن العابرة، مع تسجيل حالات دفع فعلية بعملة اليوان الصيني.
في المرحلة الثالثة، تطور هذا النموذج إلى تمييز سياسي صريح في منح حق المرور، حيث أعلن الحرس الثوري في 27 مارس/ آذار حظر عبور السفن المرتبطة بالولايات المتحدة و”إسرائيل” وحلفائهما، مقابل السماح لسفن دول محددة بالمرور، في مقدمتها الصين والهند وماليزيا وباكستان، مع توجه دول أخرى لإبرام ترتيبات مباشرة مع طهران لضمان عبور سفنها. كما أعلنت إيران لاحقًا إعفاء السفن العراقية من القيود، في خطوة تعكس تحويل المضيق إلى أداة ضمن السياسة الخارجية.
انعكست هذه التحولات على حركة الملاحة بصورة حادة، إذ لم تعبر المضيق حتى 31 مارس سوى 292 سفينة تجارية ضمن الرقابة الإيرانية، بانخفاض يقارب 95% مقارنة بمستويات ما قبل الحرب، وفق بيانات مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية. وعلى مستوى الأسواق، تجاوز سعر خام برنت حاجز 100 دولار للبرميل في 8 مارس، قبل أن يبلغ ذروته عند 126 دولارًا، في ما وُصف بأنه أكبر اضطراب لإمدادات الطاقة منذ سبعينيات القرن الماضي.
في هذا السياق، برزت إعادة فتح المضيق كعنوان مركزي في الخطاب الأمريكي، مع تصاعد التهديدات باستخدام القوة العسكرية، إلا أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن قدرة إيران على تعطيل الملاحة لا ترتبط بالسيطرة التقليدية على البحر بقدر ما تعتمد على تكتيكات غير متماثلة، تتيح لها الاستمرار في فرض قيود فعالة على المرور، بما يجعل خيار الفتح العسكري محفوفًا بتحديات كبيرة، ويُبقي المضيق ضمن معادلة مفتوحة بين التصعيد والاحتواء.
تحويل الأزمة إلى فرصة
تسعى إيران إلى توظيف أزمة مضيق هرمز بوصفها رافعة لإعادة صياغة وضعه القانوني، عبر إدخال مطلب جديد ضمن شروط التسوية المطروحة لإنهاء الحرب، يتمثل في تثبيت اعتراف دولي بسيادتها على المضيق. ويتقاطع هذا الطرح مع التصريحات الأولى للمرشد الجديد مجتبى خامنئي، التي أكدت ضرورة استمرار توظيف ورقة إغلاق المضيق ضمن أدوات النفوذ الاستراتيجي.
في هذا الإطار، تعمل طهران على بلورة بروتوكول جديد لإدارة المضيق، يقوم على اشتراط وجود ترتيبات مسبقة لجميع السفن العابرة، تتضمن اتفاقيات مع إيران وسلطنة عُمان، والحصول على تصاريح قبل المرور، بما يشمل فترات السلم.
ووفق هذا التصور، تتحول الدولتان الساحليتان إلى طرفين مسؤولين مباشرة عن تنظيم الملاحة وأمنها، وقد عبّر عن هذا التوجه نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي، بالإشارة إلى إمكانية إخضاع حركة السفن لإشراف وتنسيق مشترك يهدف إلى ضمان السلامة والحماية البيئية وتقديم الخدمات.
يستند الطرح الإيراني إلى مقاربة قانونية تعتبر أن عدم مصادقتها على اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار يحدّ من إلزاميتها تجاهها، وأن وجود مساحات تفسيرية في القانون الدولي العرفي، خصوصًا في المضائق الضيقة الواقعة ضمن المياه الإقليمية، يفتح المجال لإعادة تعريف قواعد المرور. وضمن هذا الإطار، تطرح طهران إمكانية فرض رسوم على السفن العابرة، شريطة ربطها بخدمات فعلية كالأمن والمراقبة البيئية والتنسيق الملاحي، بما يمنح هذا الإجراء غطاءً قانونيًا قابلًا للدفاع.
في المقابل، تواجه هذه المقاربة اعتراضات قانونية واضحة، إذ تشير اتجاهات فقهية إلى أن فرض رسوم عامة على العبور في مضيق دولي يتعارض مع القواعد المستقرة لحرية الملاحة، حتى مع قبول فرض رسوم مقابل خدمات محددة ومباشرة. ويستند هذا الرأي إلى أن نظام المرور العابر، بوصفه القاعدة المنظمة للمضائق الدولية، لا يجيز للدول الساحلية فرض قيود أو أعباء مالية تُقيد هذا الحق.
بالتوازي، بدأت عمليًا مسارات تفاوض ثنائية بين طهران ومسقط على مستوى نائبي وزيري الخارجية، بمشاركة فرق فنية وقانونية من الجانبين، لمناقشة ترتيبات إدارة المضيق وضمان استقرار الملاحة فيه، ويؤكد هذا المسار توجهًا نحو تثبيت دور الدولتين الساحليتين كمرجعية مباشرة في تنظيم العبور، في إطار تصور يقوم على حوكمة مشتركة للمضيق.
تكمن الأهمية الحقيقية لهذا التوجه في توقيته بقدر ما تكمن في مضمونه، فإبرام بروتوكول ثنائي قبل انتهاء العمليات العسكرية من شأنه أن يفرض واقعًا تفاوضيًا جديدًا، يصعب تجاوزه لاحقًا. إذ إن بقاء هذا البروتوكول قائمًا، حتى في حال التوصل إلى اتفاق أوسع، سيُبقيه كإطار قانوني مستقل بين دولتين ذات سيادة، ما يستدعي مسارًا منفصلًا لإلغائه أو تعديله.
وبذلك، يتحول المسعى الإيراني من محاولة انتزاع اعتراف قانوني مباشر بالسيادة على المضيق، إلى تثبيت هذه السيادة عبر الممارسة الفعلية المقننة باتفاق ثنائي، يُنشئ آلية حوكمة مشتركة تتجاوز الحاجة إلى إقرار دولي صريح، وهو ما يعكس انتقالًا مدروسًا من الصراع على النصوص إلى فرض الوقائع المنظمة قانونيًا، بما يعيد تشكيل قواعد التعامل مع أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
ماذا يعني أن يتحول هرمز إلى “أصل استراتيجي” لإيران؟
في البعد الاقتصادي، تسعى إيران إلى تحويل السيطرة على مضيق هرمز إلى مصدر دخل مستقر، عبر فرض رسوم على حركة العبور. وتشير التقديرات إلى أن نحو 20 مليون برميل نفط كانت تمر يوميًا عبر المضيق، ومع فرض رسوم على الناقلات قد تتولد عوائد شهرية بمئات الملايين من الدولارات، ترتفع مع احتساب شحنات الغاز الطبيعي المسال، لتشكل نسبة معتبرة من إيرادات الطاقة الإيرانية.
View this post on Instagram
وتكتسب هذه الأرقام دلالتها عند مقارنتها بعوائد قناة السويس، التي تُدرّ دخلًا شهريًا مقاربًا، رغم كونها ممرًا صناعيًا خاضعًا لسيطرة سيادية كاملة، في حين تسعى طهران إلى تحقيق نموذج مشابه في ممر طبيعي ذي وضع قانوني أكثر تعقيدًا.
أما في البعد السياسي، فيتجاوز الهدف الإيراني تحقيق عائد اقتصادي مباشر، ليصل إلى محاولة إرساء سابقة قابلة للتكرار في ممرات بحرية أخرى متنازع عليها، بما في ذلك مناطق مثل بحر الصين الجنوبي، حيث تتقاطع النزاعات السيادية مع أهمية طرق التجارة العالمية، ما يجعله نموذجًا لاختبار إمكانية إعادة تعريف العلاقة بين الجغرافيا والسيادة والقانون.
ويكتسب هذا المسار أهميته أيضًا من موقع سلطنة عُمان، الطرف الآخر المشرف على المضيق، والتي قد تجد في الترتيبات المقترحة فرصة لتحقيق مكاسب اقتصادية واستقرار نسبي، في ظل محدودية مواردها النفطية مقارنة بجوارها الخليجي، ما يعزز احتمالات القبول بصيغة مؤقتة لإدارة المضيق.
ضمن هذا الإطار، تعمل إيران وفق نمط يستهدف الانتقال من موقع المتلقي للخسائر الاقتصادية الناتجة عن الضربات العسكرية، إلى موقع الفاعل القادر على إنتاج واقع ميداني جديد يُعاد من خلاله تشكيل التكييف القانوني للمضيق، بالتالي تحول الحرب من عبء اقتصادي إلى فرصة لإعادة توزيع موازين القوة، عبر بناء مورد مستدام ورافعة تفاوضية طويلة الأمد.
وفي حال نجاح الترتيب الإيراني–العُماني، فإن طهران لن تكون قد فرضت فقط معادلة سيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بل ستكون قد دشّنت مسارًا لتراكم مكاسب استراتيجية تتجاوز حدود الحرب نفسها، وتُعيد تقديم المضيق بوصفه أصلًا سياديًا مولّدًا للدخل، ومصدرًا لتعزيز الاستقرار وتثبيت النظام وإعادة التموضع الإقليمي، ضمن غطاء قانوني قابل للتكريس مع مرور الوقت.