• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

معركة صامتة.. مرضى السرطان في سوريا وأزمة العلاج المتفاقمة

زينب مصري٧ أبريل ٢٠٢٦

منذ ست سنوات، تتلقى زينب المحمد العلاج من سرطان الدم الذي أصابها، لكن هذه التجربة، وعلى الرغم من مرارتها، تزداد صعوبة في ظل عدم توفر العلاج بشكل منتظم، واضطرارها مؤخرًا إلى شرائه على نفقتها الخاصة في معظم الأحيان.

وكحال زينب، يعاني مرضى السرطان في سوريا من صعوبات متزايدة في تأمين العلاج، في ظل نقص الأدوية، الذي تحوّل من أزمة طبية إلى حالة طوارئ في قطاع صحي يعاني أصلًا من ضعف في البنية التحتية الطبية، ونقص في التجهيزات الأساسية، وضغط متزايد على المراكز القليلة العاملة.

علاج مكلف وغير متوفر

بدأت قصة مرض زينب، المنحدرة من دمشق، قبل سبع سنوات، حين شُخّصت بمرض ابيضاض الدم النقوي المزمن، بعد أن لاحظ الأطباء تضخمًا في الكبد والطحال معًا، خاصة في الجهة اليسرى، حيث بلغ تضخم الطحال نحو ثلاثة أضعاف حجمه الطبيعي. وفي السنة الأولى، وضع الطبيب خطة علاجية، لكنها لم تبدأ مباشرة.

تقول زينب التي تتلقى العلاج في مستشفى “البيروني” لـ”نون بوست” إنها أُصيبت بحمّى مستمرة، وعندما ذهبت إلى الطبيبة كانت تظن أنها حامل، لكن بعد إجراء التحاليل واللطاخة والبزل مرتين، تبيّن أنها مصابة بسرطان الدم، لتبدأ بعدها رحلة العلاج الكيميائي.

“نحن عم نموت”.. مريضة سرطان تشكو واقع مستشفى البيروني الجامعي، في ظل غياب الخدمات الأساسية المجانية ونقص المعدات الطبية والأدوية اللازمة للمرضى. pic.twitter.com/Fo0fq9MzbH

— نون سوريا (@NoonPostSY) March 31, 2026

لم تستطع الشابة تلقي العلاج عبر الوريد، لذلك كان علاجها على هيئة جرعات فموية، بحسب ما أوضحته، مشيرة إلى أن الدواء كان يتوفر أحيانًا في السابق، وكان ينقطع لمدة شهر أو شهرين، وكانت أقصى مدة لانقطاعه ثلاثة أشهر، ثم يعود ليتوفر مجددًا.

لكن الوضع تغير في الفترة التي تلت إسقاط النظام البائد وحتى اليوم، إذ لم تحصل على الدواء من المشفى إلا مرة واحدة فقط، بينما اضطرت إلى تأمينه على نفقتها الخاصة في باقي المرات، رغم ارتفاع تكلفته التي تتراوح بين 800 و850 ألف ليرة (بحسب سعر الصرف).

وتضيف أنها في كثير من الأحيان لم تكن قادرة على تأمينه، فلجأت إلى جمعيات خيرية عديدة، إلا أن معظمها اعتذر عن المساعدة، في ظل غياب أي جهة تتكفل بشكل ثابت بتأمين العلاج أو التحاليل.

ولا تقتصر الأعباء على الدواء، إذ يُعد تحليل PCR مكلفًا جدًا، ويتم إجراؤه كل ستة أشهر على نفقة المريض، بسبب ارتفاع تكلفة مواده وعدم توفرها في المشفى. أما تحليل تعداد الدم (CBC) الشهري، فهو متوفر في المشفى وتبلغ كلفته نحو 35 ألف ليرة.

ومع ذلك، فإن تحليل PCR يُجرى دائمًا على نفقة المريض، والدواء مكلف جدًا وغير متوفر، بحسب الشابة، وقد مضى أكثر من عام وهي تشتريه من حسابها الخاص، مشيرة إلى انقطاعه أحيانًا في فترة ما قبل التحرير واضطرارها إلى شرائه، لكن ليس بهذه الصعوبة، بحسب وصفها.

أزمة قديمة مستمرة 

على مستوى أوسع، لم تكن أزمة نقص أدوية السرطان في سوريا وليدة اليوم، لكنها برزت بشكل أوضح في آذار 2025، حين ناشدت وزارة الصحة السورية، عبر مدير التخطيط والتعاون الدولي في الوزارة، زهير قراط، المجتمع الدولي لتقديم الدعم.

وأكد قراط في مؤتمر صحفي أن سوريا تعاني من نقص حاد في أدوية السرطان والأورام، واصفًا الأزمة بأنها أزمة صحية وإنسانية بامتياز، تطال واحدة من أكثر الفئات ضعفًا وهشاشة في المجتمع.

ودعا الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية واليونيسف، وصناديق المساعدات الإنسانية التابعة للاتحاد الأوروبي، والدول الصديقة والشقيقة، والمنظمات غير الحكومية الدولية، إلى تقديم الدعم الدوائي اللازم لمواصلة علاج مرضى السرطان، مؤكدًا ضرورة تخفيف القيود الدولية لإزالة العوائق الماثلة أمام توريد الأدوية.

من جانبه، أوضح رئيس اللجنة الوطنية الاستشارية للدم والأورام، جميل الدبل، أن وزارة الصحة لا يتوفر لديها حاليًا سوى 20% فقط من الاحتياجات الفعلية لأدوية بعض أنواع السرطان، بينما نفدت الكميات تمامًا لأنواع أخرى، ما ينذر بكارثة صحية هائلة تطال الأطفال والبالغين على حد سواء.

ولا تعود هذه الأزمة إلى سبب واحد، بل إلى مجموعة متشابكة من العوامل، أبرزها العقوبات الاقتصادية وتردي الأوضاع المعيشية، والتغيرات السياسية والميدانية خلال أكثر من عقد، إضافة إلى تضرر النظام الصحي، وصعوبة تأمين الأدوية، وضعف قدرة المستشفيات على تقديم خدماتها الأساسية.

وتضع هذه الظروف المرضى أمام خيارات صعبة، بين إيقاف العلاج لعدم توفر الدواء، أو اللجوء إلى بدائل أقل فعالية، ما يؤدي إلى تدهور الحالة الصحية وارتفاع نسب الوفيات.

المشكلة ليست في نقص الدواء فقط

كما أن أزمة مرض السرطان في سوريا لا تقتصر على نقص الأدوية فقط، بل تعكس ضعفًا شاملًا في منظومة رعاية الأورام، بحسب تقرير صادر عن الوكالة الدولية للطاقة الذرية ضمن برنامج تقييم تأثير السرطان (imPACT Review)، وبالتعاون مع منظمة الصحة العالمية والوكالة الدولية لأبحاث السرطان.

ويوضح التقرير أن نظام رعاية مرضى السرطان في سوريا تعرض لضرر كبير نتيجة سنوات الحرب، ما أدى إلى تراجع القدرة على تقديم خدمات تشخيص وعلاج متكاملة للمرضى.

ويشير إلى أن نقص الأدوية يمثل جزءًا من مشكلة أوسع، إذ يؤدي عدم انتظام توفر العلاج إلى انقطاع أو تأخير جلسات العلاج الكيميائي، ويمنع بعض المرضى من إكمال بروتوكولاتهم العلاجية، مع وجود تفاوت كبير في الوصول إلى العلاج بين المناطق، ما ينعكس مباشرة على فرص الشفاء والبقاء على قيد الحياة.

كما يلفت التقرير إلى نقص في المعدات والمختبرات والتقنيات الطبية، وضعف في أجهزة التشخيص والعلاج الإشعاعي والطب النووي، إلى جانب نقص الكوادر المتخصصة في الأورام والعلاج الإشعاعي، وهو ما يضع ضغطًا كبيرًا على المراكز المحدودة ويؤدي إلى تأخير في تقديم الخدمات وتفاوت في جودتها.

ويحذر التقرير من أن حالات السرطان والوفيات مرشحة للارتفاع بين عامي 2020 و2030، في ظل ضعف برامج الكشف المبكر وتشخيص المرض غالبًا في مراحل متقدمة، ما يصعّب العلاج ويزيد الاعتماد على الأدوية بشكل أكبر.

كما يشير إلى وجود ضعف في أنظمة تسجيل السرطان وجمع البيانات الوطنية الدقيقة والتخطيط المبني على الأدلة ما يجعل من الصعب تقييم الحجم الحقيقي للأزمة أو وضع سياسات فعالة لمعالجتها.

ورغم أن آخر تقييم شامل لمنظومة السرطان في سوريا يعود إلى عام 2021، فإن تحديثات الوكالة الدولية للطاقة الذرية خلال عامي 2024 و2025 تشير إلى استمرار التحديات ذاتها، مع تركيز متزايد على دعم التشخيص والعلاج ضمن مبادرات مثل “بصيص أمل”. 

وفي الوقت الذي تعلن فيه الوكالة الدولية للطاقة الذرية عن توسيع تعاونها مع سوريا في مجال دعم رعاية مرضى السرطان وتزويد المستشفيات بالمعدات والتدريب، تبقى المستشفيات المحلية تواجه يوميًا نقصًا في أبسط مقومات العلاج، من الدواء إلى أجهزة التشخيص المتقدمة.

ويخلق هذا التباين بين الخطط الدولية والواقع الميداني فجوة واضحة في منظومة علاج الأورام، إذ يبقى وصول المرضى للعلاج مرتبطًا بمدى توفر الدواء والإمكانات، أكثر من اعتماده على بروتوكولات علاجية مستقرة.

حملات أهلية لتأمين الدواء 

ضمن هذا السياق، تبرز مبادرات أهلية لمحاولة سد جزء من الفجوة، منها حملة “أصدقاء مرضى السرطان – سوريا” التي تشير إلى أن أبرز أشكال المساعدة المقدمة حاليًا تتركز في الدعم المالي المحدود، نظرًا لارتفاع كلفة العلاج وصعوبة تغطية جميع الحالات.

 

ويشير مسؤول التواصل والاستبيانات في الحملة، منيف أبازيد، في تصريحات لـ”نون بوست” إلى أن علاج السرطان يتطلب أحيانًا جرعات مكلفة تصل إلى آلاف الدولارات، ما يجعل توسيع نطاق الدعم بحاجة إلى تمويل ضخم يفوق الإمكانات المتاحة.

ويوضح أبازيد أن لجنة طبية مختصة داخل الحملة تعمل على تحديد الحالات ذات الأولوية، بهدف توزيع المساعدات بشكل عادل بين المرضى، خاصة في ظل وجود جهات أخرى قد تغطي جزءًا من العلاج لبعض الحالات دون غيرها، ما يخلق تفاوتًا في فرص الحصول على الدواء.

ويضيف أن التحدي الأكبر الذي يواجه الحملة هو تأمين التمويل، إذ إن توفره يتيح إمكانية استيراد الأدوية من خارج سوريا حتى في حال عدم توفرها محليًا، في ظل شح كبير في بعض أنواع الأدوية رغم ما تؤمّنه الجهات الرسمية جزئيًا.

ويربط ذلك بواقع الأزمة التي دفعت في الأصل إلى إطلاق الحملة، نتيجة اضطرار بعض المرضى لشراء العلاج على نفقتهم الخاصة، بينما يتمكن آخرون من الحصول على دعم عبر مؤسسات أو منظمات مثل “سامز”.

كما يلفت إلى حلول بديلة يلجأ إليها المرضى في ظل نقص الأدوية، مثل الاعتماد على شبكات غير رسمية لتأمين العلاج، أو تبادل الأدوية بين المرضى أو ذوي المتوفين أو المتعافين، في مشهد يعكس حجم الضغط الكبير على المنظومة العلاجية واستمرار أزمة توفر أدوية السرطان حتى اليوم.

وبين الحملات الأهلية والمحدودة والمناشدات الرسمية المتكررة للدعم، تبقى معاناة مرضى السرطان في سوريا معلّقة بانتظار حلول فورية لأزمة نقص الدواء، وسط أمل مستمر بأن يصل صوتهم إلى ما يضمن استمرار علاجهم والحد من تدهور حالاتهم.

علاماتأثر الحرب على المجتمع السوري ، الأزمة السورية ، الحكومة السورية الجديدة ، الشأن السوري ، المجتمع السوري
مواضيعالشأن السوري ، الصحة في العالم العربي ، المجتمع السوري ، سوريا حرة

قد يعجبك ايضا

مجتمع

“خرائط المخاطر الاجتماعية”: مشروع تركي لمنع الأزمات قبل وقوعها

زيد اسليم٣٠ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

عودة اللاجئين.. صمام أمان لسوريا ومسرّع لتعافيها

رغد الشماط٢٨ مارس ٢٠٢٦
مجتمع

“صفر تسامح”.. كيف تعيد تركيا صياغة حربها على الجريمة المنظمة؟

زيد اسليم٢٨ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑