• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

بين الذاكرة والسياق: كيف نفسر الغضب السوري من قانون إعدام الأسرى؟

رغد الشماط٧ أبريل ٢٠٢٦

دمشق، سوريا، في 1 أبريل/نيسان 2026. [حسن بلال – وكالة الأناضول]

بينما كان الرئيس السوري أحمد الشرع في معهد تشاتام هاوس في بريطانيا يجيب على سؤال متعلق بغزة، ويشبه معاناة أهل سوريا بمعاناة أهل غزة، ويتحدث عن تعاطف الشعب السوري معهم، كانت مدن سورية عدة، لا سيما تلك التي شكلت سابقًا حاضنة للاحتجاجات، تشهد موجة مظاهرات داعمة لغزة ومنددة بإقرار قانون إعدام الأسرى الفلسطينيين في إسرائيل. وتبدو هذه التحركات مؤشرًا على عودة الشعب السوري كفاعل سياسي في المنطقة العربية ومحيطها، وذلك بعد عودة سوريا كدولة فاعلة إقليميًا.

تتركز المظاهرات في المناطق التي عُرفت بأنها ثائرة، وهي الحاضنة الشعبية نفسها التي قادت الاحتجاجات ضد النظام سابقًا، وكان نشطاء قد دعوا إلى التظاهر يوم الجمعة الماضية، 03 نيسان 2026، تحت عنوان: “جمعة الأسرى والمسرى”، مما يعيد إلى الأذهان التقليد الذي دأب عليه الثوار في سنوات الثورة الأولى. وهذا يعكس استمرار فاعلية العقل الثوري الذي أنتج الحراك، والذي يعيد اليوم توجيه بوصلته نحو القضايا الإنسانية التي تتجاوز الداخل، ويعبر عن الهوية السورية التي ترى نفسها جزءًا من العالم العربي والإسلامي.

فلسطين في الوعي السوري خلال حكم الأسد

على مدى عقود، نصب نظام الأسد نفسه حاميًا للقضايا العربية، وخاصة القضية الفلسطينية، وكانت “المواجهة مع إسرائيل” جزءًا من سرديته في قمع الحياة العامة في سوريا، واحتكر النظام “مقاومة” إسرائيل، إذ لم يكن يسمح بأي حراك أو تجمعات خارج مؤسساته لدعم القضية الفلسطينية، وكانت المظاهرات الداعمة تخرج بإذنه وقراره وحاجته لاستخدامها في تثبيت نظام حكمه.

كما استضاف في دمشق عدة فصائل فلسطينية، وشكل روابط معها متفاوتة من حيث الولاء والتبعية وطبيعة التحالف، وظهر هذا بعد انطلاق الثورة، إذ انخرط بعضها، مثل “الجبهة الشعبية-القيادة العامة”، في القتال ضد الثوار، وكانوا جزءًا من الميليشيات والدفاع الوطني، بينما غادرت حماس دمشق بعد فترة قصيرة من اندلاع الثورة، ومن ثم أعلنت موقفها الداعم لثورة الشعب السوري.

وهنا تجدر الإشارة إلى فرع فلسطين سيئ الصيت في العاصمة دمشق، والذي كان الغرض منه متابعة شؤون الجماعات الفلسطينية والشأن الفلسطيني سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا.

مظاهرات أمام الأقصى تضامنًا مع سوريا 2013

وخلال سنوات الثورة السورية، تعرض السوريون لحملات تشكيك بانتماءاتهم من قبل الذين كانوا يرون في النظام داعمًا للمقاومة، وتصاعدت حملات التشويه هذه على وسائل التواصل الاجتماعي بعد سقوط النظام السابق، والموقف الحيادي الذي اتخذته سوريا تجاه الصراع مع إيران، وعمل السلطات السورية على إغلاق الحدود أمام شبكات تهريب الميليشيات الإيرانية، بالإضافة إلى ردود الفعل الشعبية المبتهجة بمقتل قادة إيرانيين وقيادات في حزب الله.

وتعرض السوريون على مدى عقود للأذى، ودمرت مدن بأكملها، وحوصر مئات الأشخاص في بعض المناطق من قبل الميليشيات التابعة لإيران بحجة فتح “طريق القدس”، الذي مر فوق أجساد أطفالهم مرارًا وتكرارًا، ولكن الشعب السوري، الذي كفر بـ”محور المقاومة”، استمر في دعمه للقضية الفلسطينية بشكل بديهي، وفتح خيمة عزاء في الشمال السوري حين استشهد قادة الطوفان في غزة.

من صيدنايا إلى سدي تيمان.. ذاكرة الألم المشتركة

في نهاية عام 2024، وعندما كانت المدن السورية تتحرر واحدة تلو الأخرى، كانت السجون وأقبية فروع المخابرات هي الوجهة الأولى لآلاف العائلات المكلومة التي انتظرت أبناءها سنوات طويلة، لكن الأغلبية الساحقة من هذه العائلات عادت خالية الوفاض، وكان من الواضح أن مصير مئات الآلاف من المعتقلين هو الموت، إما بالتعذيب أو بسبب ظروف السجن السيئة أو عبر الإعدامات التي كانت شائعة، وخاصة في صيدنايا، وقبلها في سجن تدمر.

وكانت الشهادات الواردة من معسكر سدي تيمان، الذي حوّله جيش الاحتلال الإسرائيلي عقب عملياته في غزة إلى مكان لاحتجاز المعتقلين، تتشابه كثيرًا مع ما كان يحدث في أقبية المخابرات السورية وسجنها الأشهر صيدنايا. وهنا يمكن قراءة أن الغضب الذي أثاره إقرار القانون الإسرائيلي يمتد إلى ذاكرة سورية مثقلة بتجارب مشابهة، ما يجعل من فكرة الإعدام مسألة شخصية تقريبًا بالنسبة للسوريين.

وحظي هذا الحراك بتغطية واسعة وتفاعل كبير، خاصة على منصات التواصل الاجتماعي، لا سيما بعد موجة الجدل الكبير التي رافقت نقاشات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وموقف السوريين منها، ووجه أبو عبيدة، الناطق باسم كتائب القسام، تحية للشعب السوري، مشيرًا إلى أن الأمل معقود عليهم في نصرة الأقصى والأسرى.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by نون سوريا (@noonpostsy)

على المستوى الإقليمي، تحمل هذه المظاهرات رسائل تتجاوز الداخل السوري. بالنسبة إلى إسرائيل، يمكن قراءة هذا الحراك كإشارة إلى أن المجتمع السوري، حتى في ظل سعيه إلى الاستقرار، لا يزال يحتفظ بحساسية عالية تجاه ما يجري في فلسطين، لكن الرسالة الأهم قد تكون أن الاستقرار في سوريا يؤثر في شكل التفاعلات على الحدود، وأن انهيار هذا الاستقرار قد يفتح المجال أمام فاعلين غير منضبطين، سواء كانوا جماعات مسلحة أو حركات شعبية يصعب احتواؤها.

هذا الزخم الشعبي السلمي والمسؤول يمكن أن يكون مصدر قوة سياسية للدولة، خصوصًا في أي مفاوضات محتملة، لكنه قد يتحول إلى عبء إذا تحول إلى تنظيم عسكري يتجاوز خطاب الدولة، بما يشبه نموذج “حزب الله” في لبنان مثلًا، أو قد يُستخدم كذريعة لتصعيد عسكري إسرائيلي، كما هو الحال إذا حدث أي توظيف سلبي للحراك في مناطق احتكاك مع إسرائيل، مثل درعا، لما قد يحمله من مخاطر جيوسياسية حساسة.

ومنذ بدء الحرب على إيران، نلحظ أن هناك محاولات لدفع سوريا نحو الانخراط في الصراع الدائر، سواء عبر الضغط المباشر أو من خلال خلق ظروف ميدانية معقدة. وفي هذا السياق، يُنظر إلى كل من إيران وإسرائيل كطرفين قد تكون لهما مصلحة، لأسباب مختلفة، في جر سوريا إلى المواجهة، إما ضد “حزب الله” في لبنان أو عبر تصعيد إسرائيلي على الحدود الجنوبية، وبسبب هشاشة التوازنات في المنطقة اليوم، فإن أي تصعيد محدود قد يتحول إلى مواجهة أوسع، وهو ما يفسر الحذر الظاهر في الموقف السوري.

التجربة التركية

يمكن لهذا الحراك أن يصبح أكثر رسوخًا واتساعًا، وأيضًا أكثر تأثيرًا، على غرار التجربة التركية، حيث يظهر ذلك بوضوح من خلال الازدياد المتسارع في عدد الجمعيات المهتمة بالشأن الفلسطيني واتساع دائرة تأثيرها وضغطها باتجاه مواقف سياسية أكثر صلابة، دون أن تكون عاملًا يجر الدولة إلى مواجهات عسكرية أو أزمات دبلوماسية مفتوحة، إذا استثنينا الأزمة التي أعقبت “أسطول الحرية” عام 2010. أو يمكن القول إن هذه التجارب المتتابعة خلقت نوعًا من الديناميكية بين مصلحة الدولة ودور المجتمع في الحفاظ على حيويته وفاعليته.

وهذا يمنح القيادة السياسية غطاءً شعبيًا في مواقفها، لكنه لا يسعى إلى تجاوزها أو فرض إيقاع لا تستطيع تحمله، إذ تستثمر الدولة هذا الزخم ضمن حدود مدروسة بحيث يتحول إلى عنصر قوة تفاوضي دون أن يكون عبئًا أمنيًا أو سياسيًا.

إن تحقيق هذا التوازن في سوريا يحتاج إلى فرص للتجربة ومساحة زمنية، كما أن هامش الخطأ فيه صغير للغاية، إذ ترزح سوريا تحت تهديد أمني مباشر من إسرائيل، وفي بيئة إقليمية أكثر هشاشة وتعقيدًا. وأي انزلاق، مهما كان محدودًا، قد يتحول بسرعة إلى تصعيد واسع يصعب احتواؤه.

الشعب السوري، الذي وزّع البقلاوة مساءً احتفالًا بمقتل علي خامنئي، يجد من الطبيعي أن يخرج صباحًا في مظاهرات داعمة لغزة ولقضية الأسرى في السجون الإسرائيلية. ويؤكد هذا الحراك والتفاعل أن فلسطين جزء من وعي الشعب السوري، بعيدًا عن استغلالها سياسيًا من قبل النظام السابق، وأن ما يحدث الآن هو إعادة تعريف للعلاقة بين الشعب السوري والحق الفلسطيني، بعيدًا عن الاصطفافات الإقليمية، وضمن إطار إنساني وحقوقي أوسع.

علاماتإعدام الأسرى ، التضامن مع الشعب الفلسطيني ، الحرب على غزة ، العرب والقضية الفلسطينية ، القضية الفلسطينية
مواضيعالأسرى الفلسطينيين ، الشأن السوري ، القضية الفلسطينية ، المجتمع السوري ، سوريا

قد يعجبك ايضا

آراء

أربعة أمور تتوقعها دول الخليج من الولايات المتحدة بعد حرب إيران

مهند سلوم٢٨ مارس ٢٠٢٦
آراء

وزير خارجية عُمان: أمريكا فقدت بوصلتها وعلى أصدقائها قول الحقيقة

بدر البوسعيدي١٩ مارس ٢٠٢٦
آراء

السوريون ومعادلة “إن لم تكن مع إيران فأنت مع إسرائيل”.. من تحت الدلف لتحت المزراب

عائشة خالد١٦ مارس ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑