• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

عسكرة المياه.. التوتر يتصاعد في بحر الصين الجنوبي

جوزيه غاليانو٧ أبريل ٢٠٢٦

ترجمة وتحرير: نون بوست

لا يمثل الاتفاق العسكري الموقع بين الفلبين وفرنسا مجرد خطوة في إطار التعاون بين بلدين صديقين، بل يشكل جزءا من استراتيجية أوسع بكثير تسعى من خلالها مانيلا إلى بناء شبكة حماية سياسية وعسكرية حول نفسها، في لحظة يتصاعد فيها الضغط الصيني في بحر الصين الجنوبي بصورة أكثر عدوانية واستمرارية ومنهجية. ويجب فهم الاتفاق الذي سيسمح بإجراء تدريبات مشتركة ووجود عسكري متبادل، ضمن هذا السياق، لا باعتباره اتفاقا معزولا، بل كجزء من مسار تدويل الأمن الفلبيني.

بالنسبة للفلبين، المسألة واضحة. فهي لا تستطيع بمفردها إعادة توازن القوى مع بكين، لكنها تستطيع تعزيز روابطها الدفاعية، وخلق قابلية تشغيل مشتركة مع الشركاء الخارجيين، ورفع الكلفة السياسية لأي تحرك صيني قسري محتمل، وتحويل كل أزمة محلية إلى قضية إقليمية، أو حتى عالمية. وفي هذا السياق، تدخل فرنسا على الخط بوصفها قوة أوروبية تمتلك مصالح في الهندي والهادئ، وقدرات عسكرية موثوقة، ورغبة في تقديم نفسها باعتبارها فاعلا رئيسيا في الأمن الآسيوي.

فرنسا تبحث عن موقعها في منطقة الهندي والهادئ

بالنسبة لباريس، يحمل الاتفاق مع مانيلا قيمة تتجاوز بكثير مجرد الدعم الدبلوماسي لنظام دولي قائم على القواعد. وتعد فرنسا واحدة من الدول الأوروبية القليلة التي تمتلك موقعا حقيقيا في منطقة الهندي والهادئ، ليس فقط بفعل الطموح الاستراتيجي، بل أيضا بحكم الجغرافيا، والوجود البحري، وأقاليم ما وراء البحار، والمصالح الاقتصادية. ومن ثم، فإن الاتفاق مع الفلبين يعزز نفوذها في منطقة تزداد أهميتها في التجارة العالمية وفي التنافس بين الولايات المتحدة والصين.

وراء اللغة القانونية للاتفاق، يكمن هدف أكثر واقعية، يتمثل في تعزيز الحضور الفرنسي في آسيا، وتعزيز الشراكات في مجال الأمن، وتقديم تعاون عسكري للدول التي تشعر بالضعف أمام التوسع الصيني، وخلق فرص جديدة لصناعات الدفاع الفرنسية. كل اتفاق من هذا النوع يمثل استثمارا سياسيا وصناعيا، إذ إن التدريب، وقابلية التشغيل المشترك، والمعايير الموحدة، والتعاون العسكري، غالبا ما يمهد الطريق أمام صفقات مستقبلية، ونقل للتكنولوجيا، وبرامج دفاعية.

الضغوط في بحر الصين الجنوبي 

جاء توقيع الاتفاق، وليس من قبيل الصدفة، مباشرة بعد جولة جديدة من الاحتكاكات بين وحدات صينية وفلبينية قرب جزيرة ثيتو، أحد أكثر المواقع الأمامية حساسية بالنسبة لمانيلا. وهذه التفاصيل حاسمة، فالصين لا تحتاج إلى حرب مفتوحة من أجل تغيير موازين القوى في بحر الصين الجنوبي. يكفيها أن تمارس ضغطا متواصلا يقوم على مناورات للترهيب والاستفزاز، وحضور بحري عدواني، واستخدام محسوب لتفوقها البحري. إنها استراتيجية استنزاف تهدف إلى تقويض حرية حركة خصومها تدريجيا من دون اللجوء إلى مواجهة واسعة النطاق.

بالنسبة للفلبين، كل حادث من هذا النوع يعزز القناعة بأن النزاع لم يعد من الممكن حله حصرا عبر المسار الدبلوماسي أو القانوني. فحكم عام 2016، الذي نزع الشرعية عن المطالبات الصينية، لم يغير سلوك بكين. على العكس، فقد أظهر محدودية القانون الدولي عندما لا يكون مدعوما بتوازن قوى مناسب. هذا بالتحديد هو الفراغ الذي تسعى مانيلا إلى ملئه عبر تعزيز اتفاقاتها مع واشنطن، وطوكيو، وكانبيرا، وويلينغتون، والآن باريس.

عودة اليابان وترسيخ الجبهة المناهضة للصين

لعل الحدث الأهم في المشهد الاستراتيجي العام يكمن في موضع آخر، وهو عودة اليابان إلى الميدان العملياتي في الفلبين للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية، ضمن مناورات باليكاتان. أما الدلالات الرمزية فهي هائلة، فالعلاقة التي كانت موسومة في السابق بذكريات الاحتلال والحرب، يجري اليوم تحويلها إلى تحالف استراتيجي في مواجهة تهديد مشترك محتمل، هو الصين.

ويكتسب هذا التحول أهمية بالغة لفهم التغير الجاري في شرق آسيا. فاليابان تتحرر تدريجيا من القيود السياسية والنفسية التي فرضها دستورها السلمي، فيما تقبل الفلبين الوجود الياباني لا بوصفه عودة إلى الماضي، بل باعتباره ضمانة للمستقبل. وتؤكد مشاركة اليابان في المناورات، إلى جانب تعزيز التعاون مع الولايات المتحدة، أن ملامح نظام أمني متعدد الأطراف وغير رسمي آخذة في التبلور، بحيث يسهم كل اتفاق ثنائي في بناء شبكة تتوسع باستمرار.

البعد الجيواقتصادي للأزمة

بحر الصين الجنوبي ليس مجرد ساحة للتنافس العسكري، بل هو أحد الشرايين الرئيسية للاقتصاد العالمي. في كل عام، تعبر هذه المياه تريليونات الدولارات من المبادلات التجارية. هذا يعني أن الأمر لا يقتصر على بسط السيادة على الصخور الجزر الصغيرة والشعب المرجانية والمياه الضحلة، بل السيطرة على الطرق البحرية، وحرية الملاحة، وبالتالي حصة حاسمة من التجارة العالمية.

وعندما تتحدث فرنسا والفلبين عن مرونة سلاسل الإمداد، فإنهما لا تكتفيان بإطلاق تصريح فضفاض في بيان دبلوماسي، بل تؤكدان أن الأمن البحري لم يعد ينفصل اليوم عن الأمن الاقتصادي. فكل من يهيمن على هذه البحار يستطيع التأثير في تدفقات الطاقة والصناعة والتجارة في مجمل المنطقة. ولهذا السبب، فإن الأزمة في بحر الصين الجنوبي لم تعد تعني آسيا والمحيط الهادئ وحدهما، بل باتت تعني أيضا أوروبا، وصناعاتها، وإمداداتها، وقدرتها على الحفاظ على حضورها في العُقد الرئيسية للتجارة العالمية.

بكين تواجه خطر التطويق التدريجي

من وجهة النظر الصينية، فإن تزايد الاتفاقات يمثل مشكلة استراتيجية متنامية. ليس لأنه يغير على الفور التوازن العسكري العام، الذي لا يزال يميل لمصلحة بكين في الساحة الإقليمية، بل لأنه يرسخ مع الوقت آلية احتواء واسعة النطاق. فالصين لا ترى فيما يحدث تحالفا آسيويا رسميا على غرار حلف شمال الأطلسي، بل شبكة من الاتفاقات والمناورات وعمليات الوصول المتبادل والدوريات وأشكال التعاون التي تقلص تدريجيا من حرية تحركاتها السياسية.

إنه شكل من أشكال التطويق التدريجي، أكثر مرونة وأقل جمودا مقارنة بالتحالفات السابقة، لكنه لا يقل عنها فاعلية. فكل اتفاق جديد يزيد من تعقيد قدرة بكين على عزل مانيلا دبلوماسيا أو ترهيب طرف معزول من دون التسبب في سلسلة من ردود الفعل. بعبارة أخرى، تسعى الفلبين إلى تحويل ضعفها إلى مسؤولية جماعية.

نحو آسيا أكثر تسلحا

النتيجة الإجمالية واضحة، وهي دخول منطقة آسيا والمحيط الهادئ مرحلة من العسكرة المتسارعة. فالصين تزيد ضغوطها البحرية، واليابان توسع دورها الاستراتيجي، والفلبين تبحث عن دعم خارجي، وفرنسا ترسخ حضورا أكثر وضوحا في المنطقة، بينما تظل الولايات المتحدة الركيزة الأساسية في البنية الأمنية. يؤكد الجميع رغبتهم في الحفاظ على السلام، لكنهم يستعدون لبيئة أكثر توترا.

هنا تحديدا تكمن المفارقة. كلما تم إبرام المزيد من الاتفاقيات لتجنب الحرب، تهيأت الشروط لمواجهة دائمة. لا ينذر الاتفاق بين فرنسا والفلبين بصراع فوري، لكنه يؤكد أن بحر الصين الجنوبي بات واحدا من أبرز مختبرات الحرب الباردة الجديدة في القرن الحادي والعشرين، وهي حرب تُخاض بالسفن، والقواعد، والتحالفات، والتجارة، والردع، حيث لا يريد أحد إطلاق الرصاصة الأولى، لكن الجميع يستعد لذلك.

المصدر: لو ديبلومات

علاماتاقتصاد الصين ، التحالفات الإقليمية ، التكنولوجيا العسكرية ، الشأن الفرنسي ، العلاقات الفلبينية الصينية
مواضيعالشأن الفرنسي ، النظام العالمي ، النفوذ الصيني ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

بين بغداد وأربيل.. صراع النفوذ يعود تحت ظلال الحرب الإقليمية

محمود القيسي٧ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

ماذا تفعل سفينة الحفر التركية “تشاغري بك” في الصومال؟

نون إنسايت٧ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

بين الانقسام والحرب.. “الإطار التنسيقي” العراقي في مهب العاصفة

مروان الجبوري٦ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑