خلف أبواب سجون الاحتلال الإسرائيلية، يقبع أكثر من 9600 أسير فلسطيني، بينهم 84 أسيرة ونحو 350 طفلًا، في واحدة من أوسع حملات الاعتقال الجماعي التي شهدها الفلسطينيون في السنوات الأخيرة، وفق أحدث إحصاءات صادرة عن مؤسسات الأسرى مطلع أبريل/نيسان 2026. وتعكس هذه الأرقام تصاعدًا غير مسبوق في سياسات الاعتقال، في ظل وجود آلاف المحتجزين دون تهم أو محاكمات، بالتوازي مع تزايد التقارير الحقوقية التي توثق الانتهاكات داخل السجون.
ولا تختزل معاناة الأسرى في الأرقام وحدها، بل تمتد إلى ظروف احتجاز قاسية، بحسب تقارير حقوقية، تشمل الاكتظاظ الشديد، وتراجع مستوى الرعاية الطبية، والحرمان من الزيارات، إلى جانب التوسع في استخدام الاعتقال الإداري بحق مئات الفلسطينيين دون تهمة. وتُفاقم هذه السياسات من معاناة الأسرى وعائلاتهم، محوّلة السجن إلى أداة ضغط جماعي تتجاوز الأفراد لتطال المجتمع بأسره.
شهور من الظلام والحرمان
من بين آلاف الأسرى الفلسطينيين، تبرز قصة عيسى القرناوي، مصور وصحفي يبلغ من العمر 28 عامًا، ومتزوج ولديه طفل صغير، بوصفها نموذجًا حيًا لمعاناة تتجاوز الأرقام، إذ يقول عيسى مستعيدًا لحظة اعتقاله: “لن أنسى ذلك اليوم أبدًا”، حين كان يؤدي عمله في مستشفى الشفاء بتاريخ 28 مايو/أيار 2024.
يروي كيف اقتحم جيش الاحتلال الإسرائيلي المستشفى، وأجبر المرضى والنازحين على الاصطفاف في طابور طويل وسط صراخ الجنود، حيث جرى تجريدهم من ملابسهم، وتعصيب أعينهم، وتقييد أيديهم خلف ظهورهم، فيقول: “كنا نقف في الساحة، والجنود ينهالون علينا بالشتائم، فيما كان الخوف يسيطر على كل حركة نقوم بها”.
ويستعيد عيسى مشاهد الرعب والإهانة خلال عمليات التفتيش القاسية، مشيرًا إلى أن الجنود كانوا يضربون من ينهار من التعب أو الخوف، ويضيف: “كان الجوع لا يُحتمل، والنوم شبه معدوم، وكل يوم يمر كأنه شهر كامل”، يقول، موضحًا أن التعذيب النفسي والجسدي استمر طوال فترة اعتقاله، ما أدى إلى فقدانه عشرات الكيلوغرامات من وزنه.
أُفرج عن عيسى خلال إحدى فترات الهدنة، في لحظة لم يكن يتوقعها، يصفها قائلًا: “خروجي كان أغلى لحظة في حياتي، شعرت أنني أُولد من جديد بعد شهور من الظلام والحرمان”. وتختزل قصته جانبًا من واقع يومي يعيشه آلاف الأسرى الفلسطينيين، حيث يتكرر الجوع والإهانة والعنف، إلى جانب ضغوط نفسية قاسية داخل سجون الاحتلال الإسرائيلية.
غياب ثقيل
تتواصل معاناة عائلة حسن بديع في ظل سياسة الاحتلال الإسرائيلي التي تحرم الأسرى وذويهم من معرفة مصيرهم، تاركة العائلات في دوامة مفتوحة من القلق والانتظار.
حسن، البالغ من العمر 19 عامًا، لم يكن منخرطًا في أي نشاط سياسي، بل توجه فقط لاستطلاع ما يجري على الحدود في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، قبل أن يقع ضحية الاعتقال العشوائي.
يروي والده حجم الألم الذي عاشه خلال بحثه المتكرر عن أي أثر لابنه، خصوصًا مع وصول جثامين مجهولة إلى مستشفى ناصر، قائلًا: “كنت أذهب على أمل أن أجد خيطًا يدلني عليه، لكنني لم أجد سوى أشلاء لشباب محروقين وممزقين، وكانت كل لحظة انتظار تزيد من وجعي وقلقي”.
أما والدته، فتعيش على ما تبقى من ذكرياته، في محاولة يومية لتخفيف وطأة الغياب. تتنقل بين أغراضه، تستحضر حضوره في تفاصيله الصغيرة، لعل ذلك يهدئ شوقها، لكنها تدرك في كل مرة أن الحنين أكبر من أن يُحتوى، وأن محاولاتها لا تبدد هذا الغياب الثقيل.
اعتداء جنسي وعنف جسدي ونفسي.. المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم” ينشر تقريرًا بتفاصيل مروعة عن معاناة الأسرى الفلسطينيين في سجون الاحتلال pic.twitter.com/FP6mrA0iM8
— نون بوست (@NoonPost) March 28, 2026
تروي والدته بحزن: “كان حسن من المتفوقين في مدرسته، شابًا ذكيًا ومجتهدًا، لا يزال في مقتبل العمر… لكن الاحتلال حرمه منا، وسلبه حقه في أن يعيش حياته بشكل طبيعي، ولم يترك لنا حتى طمأنينة على سلامته”.
تتعمد سلطات الاحتلال الإسرائيلي إخفاء المعلومات وخلق حالة من الضبابية، حيث تُبقي الأسرى وعائلاتهم تحت ضغط نفسي مستمر، وتُعمّق من معاناتهم، في انتهاك واضح لأبسط الحقوق الإنسانية، حيث يتحول الغياب إلى عبء يومي لا ينتهي.
طفولة مسلوبة
تُسلّط قصة محمود الحلبي الضوء على جانب آخر من هذه المعاناة، يتمثل في استهداف الأطفال وحرمانهم من أبسط حقوقهم، إذ كان محمود في السادسة عشرة من عمره عند اعتقاله، وهو الابن الوحيد لعائلة تضم ثلاث فتيات، بعد استشهاد والده.
في ظل المجاعة التي اجتاحت قطاع غزة، اضطر محمود إلى التوجه نحو منطقة نتساريم بحثًا عن مساعدات غذائية لإعالة أسرته، في محاولة يائسة لمواجهة الجوع والفقر اللذين دفعا كثيرين إلى المخاطرة بحياتهم من أجل تأمين قوت يومهم.
لكن تلك المحاولة انتهت باعتقاله، ضمن حملة طالت مجموعة من المدنيين في المكان. ومنذ لحظة احتجازه، وجد نفسه داخل بيئة قاسية وغير إنسانية، حيث جرى احتجازه مع بالغين وكبار في السن، وتعرض للعنف الجسدي والنفسي، والحرمان من النوم والطعام، في تجربة مزجت بين قسوة الاعتقال وفقدان الأمان الأسري، لتسلبه ما تبقى من طفولته.
“أطلق الجنود عليّ كلابًا هاجمتني، وأحد المعتقلين فقد خصيته بسبب التعذيب”.. شهادات مريرة لأسرى محررين من سجون الاحتلال الإسرائيلي نشرها المركز الإسرائيلي للمعلومات عن حقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم” pic.twitter.com/dd7WAcfXhE
— نون بوست (@NoonPost) March 28, 2026
كان كل يوم يمر على محمود بمثابة صدمة جديدة، طفل لم يستوعب كيف يمكن أن يصبح هدفًا لعنف ممنهج، أو أن يعيش في خوف دائم من الضرب والعقوبات الجماعية داخل الزنازين. في تلك البيئة القاسية، لم يكن هناك متسع لأي شعور بالأمان، بل واقع يومي يطغى عليه القلق والترقب.
قصة محمود الحلبي لا تقف عند حدود المعاناة الفردية، بل تفتح نافذة على جانب معتم من سياسات تستهدف القاصرين، حيث تتقاطع الانتهاكات الجسدية والنفسية لتجعل من الاعتقال تجربة تُختزل فيها قسوة الواقع الذي يعيشه الأطفال الفلسطينيون.
خوف يرافق الغياب الطويل
تمتد هذه المعاناة إلى عائلات الأسرى، حيث تعيش الأمهات على وقع انتظار مفتوح لا يحمل يقينًا. تقول والدة محمود، التي لا يزال ابنها أسيرًا: “كل يوم أترقب أي خبر عنه، وكأنني أعيش في فراغ لا ينتهي… الحنين يقتلني ببطء، والألم لا يهدأ”.
وتضيف أن مشاهدة المقاطع المصورة التي تُظهر الأسرى أثناء نقلهم، بوجوه متعبة ومثقلة بالخوف، تترك أثرًا بالغًا في نفسها: “رؤيتهم مقيدين، يتعرضون للضرب والسخرية، كانت لحظات تحطم قلبي، أشعر وكأن الألم ينتقل إليّ مباشرة”.
وتروي الأم ما تسمعه من شهادات عن التعذيب الذي يتعرض له الأسرى، من أساليب قاسية تهدف إلى انتزاع اعترافات، إلى ظروف احتجاز شديدة القسوة، ما يضاعف شعورها بالعجز والخوف على ابنها، فتقول: “كلما سمعت قصص الأسرى المحررين، أشعر وكأن قلبي يُمزق… لا أستطيع النوم، ولا التركيز، كل أفكاري معه، ومع ما قد يمر به، وكأن هذا الألم أصبح جزءًا مني”.
– حذر مكتب إعلام الأسرى من تدهور حاد وخطير في الحالة الصحية للأسير المقدسي أكرم القواسمي (52 عامًا) المحتجز في سجن جلبوع، مؤكدًا وصوله إلى “مرحلة صعبة” أفقدته القدرة على الحركة بشكل طبيعي.
– تسببت الاعتداءات الوحشية المتكررة من قبل السجانين في إصابة القواسمي بنزيف في الرأس، ما… pic.twitter.com/nzexk8WgYn
— نون بوست (@NoonPost) April 2, 2026
وفي السابع عشر من أبريل/نيسان من كل عام، يحيي الفلسطينيون يوم الأسير الفلسطيني، بوصفه تذكيرًا سنويًا بآلاف الحكايات المعلّقة خلف القضبان، وبالعائلات التي تعيش الاعتقال يوميًا خارج السجون، كما يعيشه أبناؤها في الداخل.
فالأسرى الفلسطينيون ليسوا أرقامًا في تقارير حقوقية، ولا ملفات عابرة في سجلات المحاكم العسكرية؛ إنهم أبناء وآباء وأمهات وأطفال، سُلبت منهم حياتهم الطبيعية، وامتد أثر غيابهم ليطال كل من ينتظر عودتهم.
وفي يومهم، يظل الأسرى حاضرِين في الذاكرة الفلسطينية، كوجوه وأسماء وقصص لم تكتمل، فيما تبقى حريتهم مطلبًا إنسانيًا ووطنيًا يتجدد مع كل يوم يمر خلف القضبان.