ترجمة وتحرير: نون بوست
بدأت يوم الاثنين في فيينا محاكمة ضابطين سوريين متهمين بالتعذيب وارتكاب جرائم حرب بعد أن اختفوا عن الأنظار في أوروبا لأكثر من عقد، في ختام عملية مطاردة استمرت سنوات طويلة، وفي سابقة تاريخية وغير مسبوقة في النمسا.
يعدّ أحد الضابطين، العميد السابق خالد الحلبي، أعلى مسؤول في نظام بشار الأسد يمثل أمام محكمة أوروبية بتهمة ارتكاب جرائم حرب. ووفقاً للادعاء العام، فقد تمكن الحلبي لسنوات من الإفلات من المحققين بمساعدة عناصر من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والنمساوية، إلى أن تم اعتقاله في عام 2024.
وأشار الادعاء إلى أن الحلبي (63 عاماً) الذي ينتمي إلى الأقلية الدرزية في سوريا، خدم في جهاز المخابرات السوري، وكان يعمل في الآن ذاته كعميل للمخابرات الإسرائيلية. وفي أواخر العام الماضي، وُجهت إليه تهمة المساعدة في قمع الاحتجاجات بين عامي 2011 و2013، أثناء توليه منصب رئيس فرع أمن الدولة في محافظة الرقة.
كما تم توجيه الاتهامات إلى مصعب أبو ركبة (54 عاماً)، وهو عقيد سابق شغل منصب رئيس قسم التحقيقات في دائرة الأمن الجنائي، وتولى لاحقاً رئاسة فرع الأمن السياسي في الرقة، وهو جهاز استخباراتي تابع لوزارة الداخلية.
وقد حصل كلاهما على حق اللجوء في النمسا، وعاشا هناك منذ عام 2015.
تُعد هذه أول قضية من نوعها تشهدها النمسا ضد مسؤولين في نظام الأسد، وتأتي بالتزامن مع ملاحقات قضائية في دول أخرى مثل ألمانيا والسويد ضد عدد من السوريين، في ظل غياب محكمة دولية للنظر في الفظائع التي ارتُكبت خلال الحرب الأهلية السورية.
وقد مثل المتهمان في فيينا أمام هيئة محلفين من خمسة أعضاء، أربع نساء ورجل واحد.
ودخل الحلبي قاعة المحكمة محاطاً بأفراد شرطة ملثمين، وهو يرفع دفتر ملاحظات أمام وجهه ليتوارى عن عدسات المصورين. جلس المسؤول الاستخباراتي السابق منحنيا فوق أوراقه شاخصا ببصره نحو الأرض.
أما أبو ركبة، وهو رجل ضخم البنية، فقد دخل في الدقيقة الأخيرة مرتدياً بدلة وربطة عنق. لم يتم احتجازه حتى الآن لأنه لا يُعتبر قانونياً ممن يُخشى فرارهم.
جلس الرجلان على مقعدين متباعدين. كان أبو ركبة ينظر بتمعن إلى الحلبي ويلتفت في أرجاء القاعة مقطبا جبينه، في حين لم يلتفت الحلبي إلى أبو ركبة.
يواجه كلاهما تهمًا بالإكراه الجنسي، وإلحاق الأذى البدني، بهدف قمع حركة الاحتجاج المدني السورية، وفقًا للائحة الاتهام التي أعدها الادعاء العام في فيينا.
بالإضافة إلى ذلك، أفاد الادعاء العام أن الحلبي وُجهت إليه تهمة التعذيب على خلفية أحداث وقعت في أوائل عام 2013، مع وجود شاهدين. وذكر الادعاء أن العقوبة القصوى في قضايا الإكراه الجنسي أو التعذيب هي 10 سنوات.
في مرافعة الدفاع، قال تيمو غيريرسدورفر، محامي الحلبي، إن موكله لم يكن يملك في ظل نظام الأسد حرية رفض الأوامر أو الاستقالة من منصبه. وأشار غيريرسدورفر إلى أن الحلبي كان أحد خمسة ضباط يشرفون على فرع الأمن في الرقة، لكنه الوحيد الذي ينتمي إلى الأقلية الدرزية، في حين كان البقية ينتمون إلى الطائفة العلوية الحاكمة، مؤكداً أن الحلبي لم يكن هو من يتخذ القرارات.
من جانبه، قال فيليب فولم، محامي أبو ركبة، إنه لا توجد الكثير من الأدلة ضد موكله، وأن الاتهامات واهية نظراً لاحتمال الخطأ في تحديد الهوية.
تمهد هذه المحاكمة الطريق أمام الشهود السوريين لمواجهة الرجلين داخل قاعة المحكمة.
ومن المتوقع أن يدلي 18 مدنياً سورياً بشهاداتهم، من بينهم متظاهرون وطبيب ومسؤول سابق، يفيدون بأنهم تعرضوا للتعذيب في مكتب الحلبي خلال الأيام الأولى للحرب الأهلية السورية.
ووفقاً للائحة الاتهام، فقد تعرض الشهود للضرب والصعق بالكهرباء وانتهاكات جنسية خلال عمليات استجواب في مكتب الحلبي، وكان التعذيب يتم في بعض الأحيان بحضوره. وأشارت اللائحة إلى أن البعض عانى من كسور في العظام، وتعذيب على أداة تُعرف باسم “بساط الريح”، وهي آلة خشبية تُطوى فوقها أجساد المعتقلين إلى نصفين مما يتسبب في أضرار بالعمود الفقري، فضلاً عن إخضاعهم لـ”فترات طويلة من التعذيب استمرت لأسابيع”.
لا توجد محكمة دولية لمحاكمة مرتكبي الجرائم خلال سنوات الحرب الأهلية السورية، ويعود ذلك جزئياً إلى استخدام روسيا والصين حق النقض ضد مساعٍ بُذلت في بداية الحرب لتمكين المحكمة الجنائية الدولية من النظر في القضايا المتعلقة بسوريا.
في الآونة الأخيرة، بدأت الحكومة السورية الحالية، التي يرأسها القيادي السابق في المعارضة المسلحة أحمد الشرع منذ الإطاحة بنظام الأسد في أواخر عام 2024، بمقاضاة المسؤولين السابقين في نظام الأسد داخل سوريا.
لكن طوال سنوات الحرب الطويلة، تُرك الأمر لجهود فردية لرفع مثل هذه القضايا في المحاكم. وكان المحرك الأساسي لهذه التحقيقات ناشطون سوريون معارضون لنظام الأسد ومنظمات غير ربحية تركز على توثيق جرائم الحرب وجمع الأدلة المتعلقة بها.
وتحوّلت عملية تعقب الحلبي وأبو ركبة وملاحقتهما، ثم مثولهما أمام المحكمة، إلى واحدة من أطول التحقيقات وأكثرها تعقيداً على الإطلاق.
يحقق أعضاء إحدى المنظمات غير الربحية، وهي “لجنة العدالة والمساءلة الدولية”، في ملف الحلبي منذ 12 عاماً. وأفادت نيرما يلاتشيتش، المتحدثة باسم المنظمة، بأن اللجنة كانت قد أخطرت الحكومة النمساوية بوجود الحلبي على أراضيها منذ عام 2016.
وقالت: “بدء المحاكمة في هذه القضية يؤكد مجدداً أن تحقيق العدالة أمر ممكن، حتى إن استغرق وقتاً أطول من المتوقع. الحلبي هو أحد كبار مسؤولي النظام السوري الذين يمثلون أمام القضاء، وهو يواجه قائمة طويلة من التهم والجرائم بالغة الخطورة”.
وقد انضمت منظمات أخرى إلى جهود ملاحقة الحلبي وتقديمه للمحاكمة، وقدمت الدعم للشهود الموجودين في مختلف أنحاء أوروبا، والذين لا يزال الكثير منهم يعاني من متلازمة ما بعد الصدمة جراء ما عاشوه من محن وتجارب مريرة خلال الحرب.
أدت هذه التحقيقات، في إطار قضية منفصلة، للكشف عن أن الحلبي كان عميلاً لجهاز الاستخبارات الإسرائيلي “الموساد”، الذي ساعده على السفر إلى النمسا والتقدم بطلب لجوء في عام 2015.
في أبريل/ نيسان 2023، بدأت محاكمة خمسة نمساويين، وهم أربعة مسؤولين سابقين في جهاز الاستخبارات الداخلي النمساوي ومسؤول سابق في وكالة اللجوء، بتهمة استغلال مناصبهم لتأمين حق اللجوء للحلبي، بموجب اتفاق مبرم مع الموساد.
وحسب ما أفاد به الادعاء العام، فإن الرئيس السابق لجهاز الاستخبارات الداخلي النمساوي كان قد سافر إلى إسرائيل بمبادرة شخصية، وأبرم اتفاقية التعاون مع الموساد في عام 2015.
ولم تجب الحكومة الإسرائيلية ولا جهاز الموساد عن الاستفسارات المتعلقة بارتباطهما بالحلبي.
تم تبرئة أربعة من المسؤولين النمساويين في هذه القضية، في حين لا يزال المسؤول الخامس الذي تغيب لأسباب صحية، مطلوباً بموجب مذكرة اعتقال دولية. لكن تلك المحاكمة كشفت عن وجود الحلبي على الأراضي النمساوية، حيث استُدعي للمثول أمامها كشاهد.
أما أبو ركبة، المتهم بالاعتداء شخصياً على المعتقلين، فقد شاهده لأول مرة في مخيم للاجئين بالنمسا عام 2014 رجلٌ يُعد الآن أحد المدعين في القضية.
هذا الرجل، وهو المحامي السوري أسيد الموسى، التقى وجهاً لوجه مع أبو ركبة في المخيم وحاول مواجهته، قبل أن يبعده أصدقاؤه لتجنب وقوع مشادة أو اشتباك. قام الموسى لاحقاً بإبلاغ السلطات النمساوية بوجود أبو ركبة على أراضيها.
بعد فترة وجيزة، نُقِل أبو ركبة من المخيم، غير أنه حصل على حق اللجوء وبقي يعيش مع عائلته في مسكن مستأجر لأكثر من عقد. لكن الموسى واصل تعاونه مع الادعاء العام والمحققين بهدف محاكمته.
وقال الموسى مؤخرا: “لقد عشنا لحظات من الرعب بسبب رؤساء الأجهزة الأمنية، لذلك فإن مشاعرنا اليوم رائعة جداً. أشعر بالسعادة لأن العدالة ستأخذ مجراها”.
المصدر: نيويورك تايمز