• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أول حرب ضد الذكاء الاصطناعي: الحرب الإيرانية تكشف سوء التقديرات الجيوسياسية في سباق التكنولوجيا

حامد ضاحوي١٢ أبريل ٢٠٢٦

ضيوف يشاهدون نموذجًا لأكبر مركز بيانات في الإمارات قيد الإنشاء في أبوظبي، ضمن مبادرة "ستارغيت"، وهي مشروع مشترك بين شركتي جي42 ومايكروسوفت وأوبن إيه آي، وذلك خلال معرض ومؤتمر "أبوظبي الدولي للبترول" بتاريخ 3 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025.

ترجمة وتحرير: نون بوست

في مطلع مارس/ آذار، استهدفت طائرات إيرانية مسيرة مركزين للبيانات تابعين لشركة “أمازون ويب سيرفيسز” في الإمارات، كما تضرر مركز ثالث في البحرين. ونتيجة ذلك، توقّفت الخدمات المصرفية وتجمدت منصات الدفع وظلت الخدمات السحابية في منطقة الخليج معطلة جزئياً لأسابيع.

لطالما تحدث قطاع التكنولوجيا عن “السحابة” وكأنها خفيفة الوزن وموزعة ومرنة وعابر للحدود. لكن الحرب مع إيران جاءت لتصحّح هذه الاستعارة بالنار، فللسحابة “عنوان”، وهذا العنوان يمكن استهدافه بطائرة مسيرة تكلفتها أقل من تكلفة سيارة مستعملة.

حتى الآن، تم تأطير أحداث الحرب الإيرانية إلى حد كبير بمصطلحات مألوفة ركّزت على إغلاق مضيق هرمز وتعطيل تدفقات الطاقة والحملة الجوية الأمريكية الإسرائيلية والضربات الصاروخية الإيرانية في جميع أنحاء المنطقة. لكن هذا التأطير يغفل طبقة أعمق وأكثر أهمية للنزاع وهي المعركة على مراكز البيانات والبنية التحتية الرقمية في المنطقة.

ما انكشف في الخليج لم يكن مجرّد صراع إقليمي تسبب في أضرار جانبية للاقتصاد الرقمي، بل كان انكشافاً لخطأ استراتيجي في الحسابات سبق الحرب بفترة طويلة، وهو الافتراض بأن الممر الأكثر تنازعاً في العالم هو مكان مناسب لبناء العمود الفقري لعصر الذكاء الاصطناعي. والاعتقاد بأن رأس المال يمكن أن يكون بديلاً عن تحليل المخاطر لم يكن مجرد سوء فهم للتكنولوجيا، بل كان قراءة خاطئة للحقائق الأساسية للجغرافيا.

عندما اختتم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب جولته في الشرق الأوسط في مايو/ أيار 2025، كان حجم الطموح غير مسبوق، حيث قُدِّمت تعهدات استثمارية تتجاوز تريليوني دولار من السعودية وقطر والإمارات، مع توجيه جزء كبير منها نحو البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. وكان مشروع “ستارغيت الإمارات”، الذي يربط بين “أوبن إيه آي” و”إنفيدِيا” وشركة “جي 42” في أبوظبي وعمالقة تكنولوجيا آخرين، يُتصور على أنه أكبر مجمع للذكاء الاصطناعي خارج الولايات المتحدة. كما خصصت أمازون أكثر من 5 مليارات دولار للرياض، وتعهدت مايكروسوفت بـ 15 مليار دولار للإمارات. وأُعلن حينها أن الخليج سيصبح “الركيزة الثالثة” للبنية التحتية العالمية للذكاء الاصطناعي جنباً إلى جنب مع الولايات المتحدة والصين.

كان هذا المنطق سليمًا إلى حد ما، نظرا لأن صناديق الثروة السيادية الخليجية وفّرت رأسمال صبور وبأحجام ضخمة، مدعومة بطاقة وفيرة وموقع استراتيجي كبوابة للجنوب العالمي، وحكومات تتوق للاندماج في منظومة الذكاء الاصطناعي الأمريكية. لكن ما بدا منطقًا اقتصاديًا كان في الواقع رهاناً جيوسياسياً على أن رأس المال والتحالفات والضمانات الأمنية الأمريكية يمكن أن تعوض التعرض الهيكلي للمخاطر الجيوسياسية.

جاءت مبادرة “باكس سيليكا” لتعزيز هذا الانحياز، وجذبت الإمارات وقطر إلى كتلة تكنولوجية تقودها الولايات المتحدة، تهدف إلى تقييد وصول الصين إلى أشباه الموصلات المتطورة. كما تعهدت “هوماين”، شركة الذكاء الاصطناعي السعودية، بعدم شراء معدات صينية، مقتفية أثر شركة “جي 42” التي قطعت علاقاتها مع “هواوي” في وقت سابق. وبذلك، لم يعد بناء الذكاء الاصطناعي في الخليج مجرد بنية تحتية تجارية، بل أصبح جزءاً من خط المواجهة في الصراع الأمريكي الصيني على السيادة التكنولوجية. وهذا تحديداً ما جعله هدفاً.

في أبريل/ نيسان 2025، صاغ إريك شميت، الرئيس التنفيذي السابق لشركة غوغل، بصراحة غير معهودة، المنطق الناشئ لصراع الذكاء الاصطناعي: “إذا لم يتمكن المنافس من سد الفجوة التكنولوجية من خلال التجسس أو التخريب، فإن البديل يصبح العمل الاستباقي: قصِف مركز بياناتهم”. وحذّر من أن هذه لم تكن سيناريوهات مجردة، بل نقاشات تجري بالفعل بين دول مسلحة نووياً. وكان شميت يصف صراعاً مستقبلياً بين الولايات المتحدة والصين، كان من المتوقع حدوثه في غضون عقد من الزمن.

لكن للمفارقة أن الحرب مع إيران كشفت عن شيء أكثر إزعاجاً. فقد أثبتت قوة إقليمية خاضعة للعقوبات، تعمل بقدرات غير متماثلة من طائرات مسيرة وصواريخ بدلاً من قدرات حوسبة فائقة، أن منطق حرمان البنية التحتية للذكاء الاصطناعي يمكن تنفيذه بجزء بسيط من التكلفة المتوقعة.

هناك بُعد إضافي لم تدركه معظم التحليلات الغربية بالكامل بعد. تشير الأدلة إلى أن إيران لم تعمل بمفردها في تحقيق دقة الاستهداف. وتفيد التقارير أنها تمكنت من الوصول إلى نظام الأقمار الصناعية الصيني “بيدو”، الذي توفر إشاراته المشفرة دقة استهداف تتجاوز نطاق التشويش الأمريكي على نظام “جي بي إس”. وفي الوقت نفسه، نشرت شركات أقمار صناعية صينية صوراً عالية الدقة للانتشارات العسكرية الأمريكية في جميع أنحاء المنطقة، مما زود إيران بما وصفه المحللون بـ “بيانات استهداف مجانية”. لم تطلق بكين صاروخاً واحداً، بل اكتفت بتقديم الإحداثيات.

إن ما يبدو في ظاهره حرباً إقليمية هو، على مستوى أعمق، صراعًا غير مباشر على الهيمنة على البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. فالصين ليست بحاجة لضرب مراكز البيانات المتحالفة مع الولايات المتحدة بشكل مباشر، ما دام بإمكان شريك مثل إيران القيام ذلك بتكلفة أقل ومخاطر أدنى فيما يخص إسناد المسؤولية. وفي الخليج، لم يكن هذا المنطق نظرياً، بل نُفِّذ عملياً على أرض الواقع.

لقد أصبح بناء الذكاء الاصطناعي في المنطقة مكشوفاً بسبب فخ هيكلي صنعته قوانين إلزامية توطين البيانات. فقد اشترطت الدول العربية استضافة البيانات الحساسة فعلياً داخل مناطقها الساحلية الوطنية، مما حرم مزودي خدمات الحوسبة السحابية العملاقة من أي مرونة جغرافية. وكان الوصول إلى رأس المال والطاقة والأسواق يتطلب وجوداً محلياً، إلا أن المنطق التنظيمي اصطدم بالواقع الجيوسياسي. الخليج ليس مجرد منصة للربط والاتصال، بل هو أحد أكثر الفضاءات الاستراتيجية نزاعاً في التاريخ الحديث. وما فسّره رأس المال على أنه ممر للنمو، كانت الجغرافيا قد عرّفته مسبقاً بأنه ساحة معركة. وحتى أكثر أنظمة الدفاع الجوي الإماراتية تطوراً أثبتت عجزها عن ضمان حماية مجمعات البيانات الضخمة والثابتة والمعتمدة كلياً على الطاقة.

بدأت التبعات غير المقصودة لضربات الخليج بالفعل في إعادة تشكيل خريطة بناء الجيل القادم من البنية التحتية للذكاء الاصطناعي. ولسنوات، ظلت مراكز البيانات الفضائية على هامش التخطيط الجدي، يعيقها منطق اقتصادي لا يمكنه تبرير التكلفة. لكن الحرب ضد إيران غيرت تلك الحسابات عبر مهاجمة ركيزتي البنية التحتية الأرضية للذكاء الاصطناعي في آن واحد، حيث أثبتت ضربات إيران المتواصلة أن مجمع بيانات بقيمة مليارات الدولارات يمكن تعطيله بطائرة مسيرة لا تكلف سوى بضعة آلاف. وفي الوقت ذاته، كشف إغلاق مضيق هرمز – الذي يمر عبره نحو 20 بالمئة من النفط المنقول بحراً في العالم وحصة كبيرة من الغاز الطبيعي المسال – مدى هشاشة إمدادات الطاقة التي تغذي هذه المرافق.

هذان الضغطان معًا — الضعف الحركي فوق سطح الأرض وانعدام الأمن في إمدادات الطاقة تحت سطح الأرض — يجعلان من البنية التحتية المدارية ليس طموحًا مستقبليًا بل ضرورة استراتيجية. قدمت شركة سبيس إكس طلبًا سريًا لإجراء طرح عام أولي في الأشهر المقبلة بتقييم يبلغ 1.75 تريليون دولار، بعد استيعاب شركة xAI وتوظيف مهندسي البنية التحتية للذكاء الاصطناعي بوتيرة سريعة. تضيف مهمة Artemis II التابعة لوكالة ناسا، التي انطلقت في 1 أبريل حاملةً البشر إلى ما وراء المدار الأرضي المنخفض لأول مرة منذ عام 1972، إشارة لا لبس فيها: السباق الفضائي الثاني، مثل الأول، يبدأ عندما يصبح الدفاع عن شيء ما على الأرض مكلفًا للغاية. لم تنتظر القوى العظمى أبدًا حتى تتضح الأوضاع الاقتصادية قبل أن تقرر ما لا يمكنها تحمل خسارته. فقد حسمت الحرب ضد إيران الجدل حول ما إذا كانت هناك مبررات أمنية لوجود الحوسبة الفضائية.

قد لا ينتهي دور دول الخليج كمراكز للبنية التحتية للذكاء الاصطناعي، فرأس المال، والطاقة، والتشريعات السيادية، والتحالف الجيوسياسي مع واشنطن قد تستمر في جذب الاستثمارات. لكن الضربات الإيرانية بالمسيرات والصواريخ غيرت حسابات المخاطر بشكل دائم. فقد ارتفعت تكاليف التأمين ضد الحرب لمرافق مراكز البيانات التي تبلغ قيمتها 100 مليون دولار في الشرق الأوسط بنسبة 1900 بالمئة منذ فبراير/ شباط. وقد صاغ الرئيس التنفيذي لشركة “كونستيليشن إنرجي” الأمر بوضوح في قمة صناعية عُقدت في مارس/ آذار: “من سيقوم بالتأمين على منشأة بقيمة 20 مليار دولار في الشرق الأوسط يمكن تدميرها بطائرة مسيرة تكلفتها 5 آلاف دولار؟”. لم يعد العائق هو رأس المال، بل القدرة على البقاء.

إن هذا النمط من الصراع يتسم بالديمومة. في الحروب، دأبت الدول دائماً على استهداف البنية التحتية التي تمنح خصمها ميزة حاسمة. وهذا ليس بالأمر الجديد، بدءاً من قطع كابلات التلغراف في الحرب العالمية الأولى، إلى قصف الإنتاج الصناعي في الحرب العالمية الثانية، وصولاً إلى استهداف المنشآت النفطية وأنابيب الإمداد في أواخر القرن العشرين، ومؤخراً الهجمات السيبرانية على الأنظمة المالية وشبكات الطاقة. أما ما تغير في عام 2026، فهو أن طبقة البنية التحتية المعنية هنا هي حوسبة الذكاء الاصطناعي، والدرس المستفاد من حرب إيران هو أن هذه الطبقة ليست بمنأى عن هذا المنطق أكثر من أي شيء سبقتها.

شُيّدت بنية الذكاء الاصطناعي في الخليج على افتراض أن هذا المنطق لم يعد ذا صلة. لكن ثبت خطأ الاعتقاد بأن الاستثمارات الضخمة من صناديق الثروة السيادية، المدعومة بشراكات تقنية ثنائية وضمانات أمنية أمريكية، يمكن أن تتجاوز الجغرافيا. وقد أظهرت الحرب الإيرانية مرة أخرى أن التكنولوجيا وحدها لا يمكنها ترويض الجيوسياسة، لأن البنية التحتية تتبع الجغرافيا، والجغرافيا تتبع التاريخ. وفي الخليج، كان التاريخ دائماً واضحاً بشأن المخاطر.

سوف تتكشف المرحلة التالية من سباق البنية التحتية للذكاء الاصطناعي على جبهتين: على الأرض، سيكون السؤال هو أي المواقع يمكنها حماية الأصول الحيوية بمصداقية؛ وفي الفضاء، سيكون السؤال هو ما إذا كان يمكن إخراج تلك الأصول من دائرة الخطر تماماً. لا توجد إجابة واضحة على أي من الجبهتين حتى الآن، لكن الحرب الإيرانية جعلت من المؤكد أن الإجابة على كلا السؤالين ستتم الآن على وجه السرعة، من قِبل كل قوة تدرك حجم ما هو على المحك.

المصدر: فورين بوليسي

علاماتأمن الخليج ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، الحرب الأمريكية على إيران ، الذكاء الاصطناعي

قد يعجبك ايضا

سياسة

محمد باقر قاليباف: صلة الوصل بين العسكر والسياسة في زمن الحرب

أحمد الطناني١٢ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

كيف تحول “مجلس السلام” إلى كيان مشلول؟

نون إنسايت١٢ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

سباق تسلح صامت.. هل تُسلّح بكين طهران في الخفاء؟

عماد عنان١٢ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑