بدا “مجلس السلام” العالمي في بدايته مشروعًا طموحًا لإدارة غزة وما بعدها ضمن إطار دولي جديد رُوّج له باعتباره أكثر فاعلية من الأمم المتحدة، ومدعومًا بعضوية باهظة وصلاحيات واسعة للرئيس الأمريكي.
لكن سرعان ما فقد زخمه مع تعثر التمويل واضطراب البناء المؤسسي وتراجع قدرته على تنفيذ ما وُعد به، ثم جاءت حرب إيران لتدفعه أكثر إلى الهامش، ويتحول إلى كيان متعثر يواجه أسئلة جدية حول جدواه ومصيره.
هذا التقرير يتتبع محطات صعوده وتعثره، ويفكك كيف تداخلت أزمته المالية والسياسية مع الحرب، وما إذا كان ما يزال قابلًا للحياة.
مجلس السلام.. 4 محطات للتعثر السريع
1- الإطلاق والشرعية (22 يناير/كانون الثاني 2026)
أطلق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المجلس في دافوس بحضور بعض الزعماء وجعله رأس الحربة في خطته لإنهاء العدوان الإسرائيلي على غزة.
ونصَّ الميثاق على أن الدولة التي تريد مقعدًا دائمًا تدفع مليار دولار، بينما تُمنح العضوية العادية لمدة ثلاث سنوات.
وضمَّت قائمة المؤسسين بلدانًا عربية مثل السعودية وقطر ومصر والإمارات والمغرب بالإضافة إلى تركيا و“إسرائيل”، إلى جانب دول من آسيا الوسطى وأمريكا اللاتينية.
في المقابل، رفضت دول غربية كبرى الانضمام مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا وكندا، كما امتنعت الصين وروسيا.
وانصبت الاعتراضات على أن المجلس يعطي ترامب سلطة غير مسبوقة، إذ يمنحه الميثاق حق تعيين الأعضاء الدائمين، تعديل اللوائح، واختيار قائد قوة الاستقرار الدولية.
ومع أن مجلس الأمن تبنّى قرارًا في نوفمبر/تشرين الثاني 2025 يعترف بالمجلس كإدارة انتقالية لغزة حتى 2027 ويجيز نشر قوة استقرار دولية، فقد قيد التفويض وجعل المجلس يقدّم تقارير كل ستة أشهر، ما أثار تساؤلات حول شرعيته.
ورأى بعض المنتقدين في المجلس نسخة “استعمارية” لأن من يرأسه يضع السياسة ويمولها بينما يُستبعد الفلسطينيون من عضويته.
2- مؤتمر التعهدات والرهان على المال (19 فبراير/شباط 2026)
بعد أقل من شهر على الإطلاق، عقد المجلس أول اجتماع لقادته في المعهد الأمريكي للسلام بواشنطن.
وأعلن ترامب أن الدول الأعضاء تعهدت بمبلغ 7 مليارات دولار كـ”دفعة أولى” ضمن تعهدات تصل إلى 17 مليار دولار لإعادة إعمار غزة.
إذ تعهدت الولايات المتحدة نفسها بمبلغ 10 مليارات دولار (مشروط بموافقة الكونغرس)، بينما تعهدت الإمارات بـ1.2 مليار، وقطر والسعودية والكويت بمليار دولار لكل منها.
كما قدمت دول أخرى مساهمات غير نقدية، فإندونيسيا عرضت إرسال 8 آلاف جندي إلى قوة الاستقرار الدولية، فيما وعدت مصر وتركيا والمغرب بتدريب الشرطة وتقديم الدعم اللوجستي.
وقدّرت الأمم المتحدة تكلفة إعادة إعمار غزة بـ70 مليار دولار، لكن الحماس في القاعة أوحى بأن المجلس ينتقل من مرحلة الإعلان السياسي إلى آلية دولية ممولة.
ورغم ذلك، لاحظ مراقبون أن المؤتمر لم يضم أي ممثلين فلسطينيين وأنه أغفل تساؤلات حول كيفية إدارة الأموال وتوزيعها.
ورسخ هذا المؤتمر الاعتماد المفرط على المال الخليجي والأمريكي، فجعل نجاح الخطة رهينة بقدرة هذه الدول على الوفاء بالتعهدات.
3- اختبار التنفيذ الذي تعثر (فبراير/شباط – مارس/آذار 2026)
في 14 يناير/كانون الثاني، أي قبل انعقاد مؤتمر التعهدات، أعلن ترامب عن تشكيل اللجنة الوطنية لإدارة غزة (NCAG) المكونة من 15 تقنيًا فلسطينيًا برئاسة علي شعث، مهمتها استلام الوزارات وإعادة الخدمات ونزع سلاح الفصائل.
لكن اللجنة ظلت عالقة في فندق بالقاهرة ولم يسمح الاحتلال الإسرائيلي لأعضائها بدخول غزة، فيما واصلت حماس إدارة المؤسسات.
بالتوازي، قدم المجلس لحماس خطة لنزع السلاح على خمس مراحل تستغرق ثمانية أشهر، تبدأ بتسليم إدارة الأمن للجنة الوطنية وتنتهي بانسحاب جيش الاحتلال بعد التحقق من خلو غزة من السلاح.
وتتطلب الخطة تدمير شبكة أنفاق حماس وتجميع أسلحتها الثقيلة خلال الأيام 31-90، ثم جمع الأسلحة الصغيرة على مدى 250 يومًا. بدورها، رفضت حماس الخطة علنًا قبل ضمان إعادة إعمار قطاع غزة والانسحاب الإسرائيلي بالكامل.
ولأن المجلس لم يضمن مشاركة الفلسطينيين في صياغة آلية النزع أو منحهم ضمانات سياسية، فإن أول اختبار عملي له – إدخال لجنة إدارة غزة ونزع السلاح – فشل فعلًا.
4- التمويل وحرب إيران والاختفاء من المشهد (منذ نهاية فبراير/شباط 2026)
في 28 فبراير/شباط، أطلقت الولايات المتحدة و”إسرائيل” هجمات واسعة على إيران، فتدحرجت المنطقة إلى حرب جديدة سحبت معظم الاهتمام الدولي والموارد. ووفقًا لمصادر مطلعة، توقفت المفاوضات بين حماس و”تل أبيب” حول نزع السلاح عندما اندلعت الحرب.
وقال وزير خارجية إندونيسيا سو جيونو إن جميع مناقشات مجلس السلام باتت “معلقة” نتيجة الحرب، مشيرًا إلى أن بلاده ستتشاور مع شركائها الخليجيين قبل تنفيذ تعهدها بإرسال ألف جندي، كما دعا علماء دين إندونيسيون الحكومة إلى الانسحاب من المجلس.
وتزامنت هذه التطورات مع عدم انعقاد أي اجتماع آخر للمجلس بعد مؤتمره الأول، فقد ذكرت وكالة أسوشييتد برس أنه لم يجتمع مجددًا منذ تسعة أيام قبل الهجوم على إيران وأن الدبلوماسية تركزت على جبهات أخرى.
وأثرت الحرب أيضًا على استعداد دول الخليج لدفع الأموال، إذ تعرضت منشآتها النفطية لقصف إيراني وتشككت قياداتها في جدوى تمويل مشروع في ظل مواجهة مباشرة مع إيران.
وفي 10 أبريل/نيسان كشفت رويترز أن المجلس تلقى أقل من مليار دولار من أصل 17 مليار دولار جرى التعهد بها مصدرها ثلاث دول فقط – الولايات المتحدة والإمارات والمغرب –، فيما لم تدفع قطر والسعودية والكويت وغيرها من الدول شيئًا، بينما اكتفت دول أخرى بتعهدات شفوية.
وقال مسؤول بالمجلس إن حرب إيران أثرت على كل شيء وزادت صعوبة توفير الأموال، مما أبقى اللجنة الفلسطينية عاجزة عن العمل، وفق رويترز.
واعترف عضو فلسطيني بلجنة التكنوقراط أن مبعوث المجلس نيكولاي ملادينوف أبلغهم بأنه “لا توجد أموال متاحة حاليًا”، ما يناقض بيانات سابقة للمنصة الدولية قالت إن الأموال “سترصد عند الحاجة”.
ما الذي ينتظر المجلس؟
في ظل التعثر الحالي، هناك أربعة سيناريوهات ممكنة لمستقبل المجلس:
1- التجميد أو الموت البطيء: يبدو أن المجلس يتجه إلى تجميد عملي، إذ لم تُعقد اجتماعات جديدة منذ فبراير ولا توجد أموال تُصرف، كما أن صلاحية التفويض الأممي تنتهي في 2027، وإذا لم يتمكن المجلس من توفير الأموال ونزع السلاح، فمن المرجح أن يتحول إلى هيئة اسمية.
2- إعادة الهيكلة أو الدمج: دعا خبراء من مؤسسة كارنيغي إلى إعادة هيكلة المجلس ووضع آليات رقابة شفافة قبل التبرع بأموال. ويعني ذلك توسيع مشاركة الفلسطينيين وتقليص صلاحيات رئيسه وربط خطة إعادة الإعمار ببرنامج سياسي واضح.
وقد يضطر إلى العمل تحت مظلة الأمم المتحدة أو في شراكة مع البنك الدولي – الذي أعلن رئيسه آجي بانغا أنه سيعمل كأمين صندوق لكن المجلس يقرر الصرف.
3- التقليص والاندماج في ترتيبات أخرى: هناك احتمال بأن تُدمج مهام المجلس في مبادرات أخرى تُشرف عليها الأمم المتحدة أو الجامعة العربية، خصوصًا إذا اتفقت القوى الدولية على إطار بديل بعد توقف الحرب في إيران، إذ أن غياب الدعم الأوروبي ورفض دول كبرى الانضمام يضغط بهذا الاتجاه.
4- التحول إلى مشروع شخصي لترامب: تشير قراءة ميثاق المجلس إلى أنه يمنح الرئيس الأمريكي سيطرة شبه مطلقة، بما في ذلك تعيين الأعضاء وحل المجلس، ولذلك فإن استمراره دون تمويل أو اعتراف دولي قد يحوله إلى أداة سياسية للضغط أو للصراع مع الأمم المتحدة.
وبمعنى آخر، يتوقف مصير المجلس على عوامل عدة: انتهاء الحرب مع إيران بالكامل، مدى التزام المانحين بتعهداتهم، قدرة اللجنة الفلسطينية على دخول غزة، ونجاح المجلس في معالجة الانتقادات القانونية التي تشكك في شرعيته.