• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

أحمد وحيدي: حامل مفاتيح “الجمهورية العسكرية” ومركز الثقل الحقيقي في إيران

أحمد الطناني١٣ أبريل ٢٠٢٦

في المشهد الإيراني، غالبًا ما تتقدّم الوجوه السياسية إلى الواجهة، فيما تُدار موازين القوة من خلفها. تتكرر أسماء مثل محمد باقر قاليباف في مسار التفاوض، ومجتبى خامنئي في دوائر النفوذ الديني، ومسعود بزشكيان في موقع الرئاسة، إلا أن مركز الثقل يتشكل في مكان آخر، حيث يقف أحمد وحيدي بوصفه حامل مفاتيح القوة الفعلية.

في الأول من مارس/آذار 2026، تولّى وحيدي قيادة الحرس الثوري الإيراني عقب اغتيال سلفه محمد باكبور خلال ضربات أمريكية إسرائيلية، وجاء التعيين في سياق ضاغط، عكس طبيعة المرحلة التي تمر بها إيران، حيث تتبدل القيادات تحت وطأة الاستهداف، وتُعاد هندسة مراكز القرار بسرعة تواكب إيقاع المواجهة.

وحيدي لم يكن اسمًا طارئًا على هذا الموقع، إذ يُعد فعليًا أحد أبرز مهندسي الحضور الإيراني خارج الحدود، ووجهاً راسخًا داخل بنية الحرس، امتد حضوره لعقود في الملفات الأكثر حساسية، ما منحه موقعًا متقدمًا في منظومة القرار، حتى قبل انتقاله إلى الواجهة.

ابن شيراز الذي اختار البندقية

وُلد أحمد وحيدي عام 1958 في مدينة شيراز، تحت اسم “وحيد شاه چراغي”، في بيئة تحمل إرثًا ثقافيًا عميقًا جعل من المدينة أحد أبرز رموز الهوية الفارسية، وفي تلك الجغرافيا التي تختزن الشعر والتاريخ، تشكّلت ملامح شخصية اتجهت مبكرًا نحو مسار مختلف، أقرب إلى الأمن والعسكرة، في انعكاس لطبيعة التحولات التي كانت تعيشها إيران في تلك المرحلة.

تزامن شبابه مع تصاعد الحراك السياسي في سبعينيات القرن الماضي، وصولًا إلى الثورة الإيرانية 1979، التي شكّلت نقطة الانطلاق الفعلية لمساره، إذ انخرط في صفوف الحرس الثوري الإيراني منذ لحظة تأسيسه، ليكون جزءًا من جيل ساهم في بناء المؤسسة وتحديد ملامحها الأولى.

خلال الحرب العراقية الإيرانية، راكم وحيدي خبرة ميدانية مبكرة، وارتبط اسمه سريعًا بدوائر العمل الاستخباري والتنظيمي داخل الحرس، وفي عام 1981، ومع تولي محسن رضائي قيادة الحرس، انتقل إلى موقع نائب رئيس وحدة الاستخبارات، حيث شارك في تنظيم بنيتها وتطوير أدواتها، إلى جانب الإسهام في إنشاء معسكرات التدريب.

بالتوازي مع مساره العسكري، واصل تحصيله الأكاديمي، فحصل على درجات في الإلكترونيات والهندسة الصناعية، قبل أن ينال الدكتوراه في الدراسات الاستراتيجية من جامعة الإمام الصادق، ويتولى لاحقًا رئاسة جامعة الدفاع الوطني، وهو مسار عكس توجّهًا نحو بناء معرفة متكاملة بالحرب، تجمع بين الجانب التقني والتخطيطي والاستراتيجي.

على امتداد أربعة عقود، تنقّل وحيدي بين مواقع مفصلية داخل بنية الدولة، شملت قيادة فيلق القدس في مرحلته التأسيسية، والعمل نائبًا لوزير الدفاع للتخطيط والبرامج، ثم وزيرًا للدفاع، وعضوية مجمع تشخيص مصلحة النظام، وصولًا إلى وزارة الداخلية في حكومة إبراهيم رئيسي، ثم موقع نائب القائد العام للحرس الثوري.

وتحمل هذه الانتقالات بين هذه المواقع دلالة على نمط خاص في بناء النفوذ داخل إيران، قائم على التراكم الطويل داخل المؤسسة الأمنية، مع حضور دائم في مفاصل القرار، إذ يبرز وحيدي بوصفه نموذجًا لجيل تشكّلت رؤيته خلال الحرب، وتعمّقت عبر العمل الاستخباري والاستراتيجي، ما انعكس في مقاربة تقوم على حماية بنية النظام وتعزيز أدواته في مواجهة التحديات.

تفصيل اسمه الشخصي يلخّص هذا المسار؛ فقد استبدل “شاه چراغي” باسم “وحيدي”، في إشارة إلى هوية أكثر تجردًا وتركيزًا، إذ يُعرف بكونه شخصية متشددة متجذرة في بنية الحرس، تستند إلى قناعة راسخة بدور القوة في حماية مشروع الثورة، وإدارة صراع طويل مع الضغوط الخارجية.

الرجل الذي صاغ سلاح إيران الحقيقي

السؤال الذي يختصر مسار إيران خلال العقود الماضية يدور حول قدرتها على توسيع نفوذها الإقليمي رغم القيود الاقتصادية والعسكرية، عبر حضورها الممتد من لبنان إلى اليمن، ومن العراق إلى سوريا، الذي يرتبط بأداة واحدة شكّلت عمود هذا النفوذ: فيلق القدس، فيما البنية الأولى لهذه الأداة فتقود إلى اسم أحمد وحيدي.

تأسس الفيلق عام 1988 في سياق إعادة هيكلة الحرس الثوري الإيراني بعد الحرب مع العراق، بوصفه الذراع المكلفة بالعمليات الخارجية، ومنذ تلك اللحظة، تولّى وحيدي قيادته الأولى، ليشرف على تحويل هيكل تنظيمي ناشئ إلى جهاز يعمل وفق عقيدة واضحة، وشبكات ممتدة، وآليات عمل متداخلة بين الاستخبارات والعمل العسكري.

النموذج الذي تبلور تحت قيادته تأسس على فكرة إدارة الصراع عبر ساحات متعددة، من خلال فاعلين محليين يرتبطون بطهران بعلاقات تنظيمية وأيديولوجية، ضمن مقاربة منحت إيران قدرة على التأثير دون الانخراط المباشر في الحروب، وفتحت المجال أمام بناء شبكة نفوذ تتوزع جغرافيًا ووظيفيًا.

في هذا الإطار، شكل الفيلق أداة الدعم الرئيسية لحلفاء إقليميين في أكثر من ساحة، من بينهم حزب الله في لبنان، وفصائل مقاومة فلسطينية، إضافة إلى أنصار الله الحوثيين في اليمن، وشبكات مسلحة في العراق وسوريا وأفغانستان، إذ عمل الفيلق في هذه الساحات عبر التدريب، وتبادل الخبرات، وبناء القدرات، ضمن صيغة تجمع بين العمل الاستخباري وإدارة العمليات غير المباشرة.

شكّلت الساحة اللبنانية نقطة الانطلاق الأبرز لهذا النموذج، عقب الغزو الإسرائيلي للبنان 1982، حيث أسهم الفيلق في تنظيم وبناء حزب الله، وتطويره تدريجيًا إلى فاعل يمتلك حضورًا عسكريًا وسياسيًا واجتماعيًا متكاملاً. لاحقًا، انتقل هذا النموذج إلى ساحات أخرى، مع تعديلات تتناسب مع خصوصية كل بيئة.

في 18 أبريل/نيسان 2010، أحمد وحيدي يشارك في عرض يوم الجيش بطهران بحضور الرئيس محمود أحمدي نجاد. AP Photo/Vahid Salemi

في التسعينيات، توسع نشاط الفيلق شرقًا، حيث قدّم دعمًا لتحالف الشمال في أفغانستان في مواجهة حركة طالبان، كما انخرط في دعم قوى كردية في سياق الصراع مع نظام صدام حسين، قد عكس هذا الامتداد من غرب آسيا إلى شرقها قدرة على إدارة شبكة علاقات معقدة، تقوم على مزيج من الدعم العسكري والروابط السياسية.

تجربة وحيدي في قيادة الفيلق وضعت الأسس التي استند إليها لاحقًا قاسم سليماني، الذي طوّر هذا الإرث ووسّع نطاقه، وتعكس العلاقة بين الرجلين استمرارية داخل المؤسسة، حيث تبلورت القواعد الأولى للعمل في مرحلة التأسيس، قبل أن تأخذ أشكالًا أكثر تعقيدًا في المراحل اللاحقة.

خلال الأعوام الأخيرة، واجهت هذه المنظومة تحديات متزايدة، مع تعرض حلفاء إيران لضغوط عسكرية وأمنية في أكثر من ساحة، إلى جانب تحولات سياسية أثّرت على توازنات الإقليم، بما في ذلك التطورات في سوريا وسقوط نظام بشار الأسد في نهاية 2024، ضمن متغيرات أعادت طرح أسئلة حول قدرة الشبكة التي بُنيت على مدى عقود على التكيّف مع بيئة أكثر تعقيدًا خصوصًا مع التراجع الكبير في دور الفيلق بعد اغتيال سليماني.

في هذا السياق، يكتسب صعود وحيدي إلى قيادة الحرس دلالة خاصة، باعتباره أحد أبرز مهندسي هذه البنية، ووجوده في موقع القرار يعكس حضور المقاربة الأمنية-العملياتية في إدارة المرحلة، ويشير إلى استمرار اعتماد إيران على مزيج من الأدوات المباشرة وغير المباشرة في إدارة صراعها الإقليمي.

قائد الحرس المطلوب دوليًا

يقف أحمد وحيدي في موقع يجمع بين قمة السلطة الأمنية داخل إيران وحضور دائم في ملفات قضائية دولية مفتوحة، إذ إن مساره المهني الممتد من قيادة فيلق القدس إلى وزارة الدفاع، ثم وزارة الداخلية، وصولًا إلى قيادة الحرس الثوري الإيراني، تواكب مع ملاحقات قانونية وعقوبات متعددة، ما جعله أحد أكثر الشخصيات إثارة للجدل في بنية النظام الإيراني.

تعود أبرز هذه الملفات إلى تفجير آميا في بوينس آيرس عام 1994، الذي استهدف مبنى مركز الجالية اليهودية في الأرجنتين وأسفر عن مقتل 85 شخصًا وإصابة المئات، وقد ربطت التحقيقات الأرجنتينية الهجوم بشبكة معقدة من التخطيط والدعم، وأدرجت اسم وحيدي ضمن المسؤولين المشتبه بدورهم في اتخاذ القرار، لتصدر في عام 2006 مذكرة توقيف بحقه، تبعتها مذكرات عبر الإنتربول، مع استمرار المطالبات الأرجنتينية بتوقيفه خلال السنوات اللاحقة.

القضية بقيت مفتوحة، وعادت إلى الواجهة في 2024 مع صدور حكم من أعلى محكمة جنائية في الأرجنتين حمّل إيران وحزب الله مسؤولية التفجير، واعتبره عملاً ذا طابع سياسي واستراتيجي، ما أعاد تثبيت موقع وحيدي ضمن قائمة الأسماء المرتبطة بالقضية، إلى جانب شخصيات بارزة في المؤسسة الأمنية والسياسية الإيرانية.

في 4 مارس/آذار 2024،أحمد وحيدي، وزير الداخلية آنذاك يعلن نتائج الانتخابات في طهران AP Photo/Vahid Salemi

أحد أكثر فصول هذا الملف تعقيدًا ارتبط باغتيال المدعي العام ألبرتو نيسمان، الذي قُتل عام 2015 بعد اتهامات وجهها إلى مسؤولين أرجنتينيين بالتغطية على دور إيراني في التفجير. الحادثة ألقت بظلالها على القضية، ووسّعت دائرة الجدل حولها، مع استمرار غياب حسم نهائي.

على صعيد آخر، يخضع وحيدي لعقوبات دولية متعددة، إذ أدرجه الاتحاد الأوروبي ضمن قوائم مرتبطة بالأنشطة النووية الحساسة، كما فرضت عليه الولايات المتحدة عقوبات على خلفية دوره في التعامل مع الاحتجاجات الداخلية، خاصة أحداث عام 2022.

رغم ذلك، استمر حضوره داخل مؤسسات الدولة دون انقطاع، مستفيدًا من طبيعة البيئة القانونية والسياسية التي تحكم العلاقة بين إيران والمنظومة الدولية، حيث بقيت القيود المفروضة عليه محصورة في الفضاء الخارجي، بينما ظل يتحرك بحرية داخل الإطار الداخلي، ويصعد إلى مواقع أكثر تأثيرًا.

إلى جانب هذه الملفات، ارتبط اسمه بمحطات تعكس جانبًا آخر من عمله، من بينها مشاركته في اتصالات سرية خلال ثمانينيات القرن الماضي ضمن سياق قضية إيران-كونترا، التي شهدت تواصلاً غير معلن بين طهران ودوائر في إدارة رونالد ريغان، في مسار يكشف نمطًا براغماتيًا في إدارة العلاقات، يجمع بين الخطاب السياسي الصارم والتحركات غير المعلنة.

رجل الحرب الذي لا يُرى

ثلاثة قادة تعاقبوا على قيادة الحرس الثوري الإيراني خلال أقل من عام، في سياق تصعيد غير مسبوق. اغتيال قائدين متتاليين فتح الباب أمام صعود أحمد وحيدي، الذي وصل إلى قمة المؤسسة في لحظة تُعد من أكثر مراحلها حساسية منذ التأسيس.

في 31 ديسمبر/كانون الأول 2025، أصدر علي خامنئي قرارًا بتعيين وحيدي نائبًا للقائد العام للحرس، خلفًا لـعلي فدوي، ضمن خطوة عكست توجهًا لإعادة ترتيب القيادة قبل مرحلة مفتوحة على احتمالات التصعيد. أوكلت إليه مهام تتصل برفع الجاهزية العسكرية، في ظل تقديرات تتوقع مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة و”إسرائيل”.

بعد أسابيع قليلة، اندلعت الحرب في 28 فبراير/شباط 2026، مع استهداف اجتماع ضم عددًا من كبار القادة، من بينهم محمد باكبور الذي قُتل في الضربة. في تلك اللحظة، كان وحيدي خارج الاجتماع، ليتسلّم القيادة فور تأكيد اغتيال القائد، في انتقال سريع عكس طبيعة إدارة المؤسسة في زمن الحرب.

لم يأتِ صعوده من فراغ، بل استند إلى موقعه السابق ودوره في إعداد المؤسسة لمرحلة المواجهة، وخبرته الطويلة في العمل الاستخباري وبناء الشبكات، إلى جانب دوره في تأسيس فيلق القدس، ما وضعه في موقع يمكّنه من إدارة التداخل بين الجبهة العسكرية والامتدادات الإقليمية.

في هذا السياق، يتقاطع موقعه مع بنية أوسع للسلطة داخل إيران، حيث بات يتشكل مركز القرار من شخصيات ذات خلفية حرسية، من بينهم محمد باقر ذو القدر، ومحمد باقر قاليباف ومجتبى خامنئي، في توزيع للأدوار بين السياسة والدين والأمن. وضمن هذه المعادلة، يحتفظ وحيدي بدور إدارة القوة وتوجيهها، مع تأثير مباشر على مسار العمليات العسكرية وخيارات التصعيد.

الخطاب الذي قدّمه في أكثر من مناسبة يعكس رؤية تعتبر الحرس بنية مركزية في الدولة، قادرة على لعب دور يتجاوز الإطار العسكري نحو التأثير في إدارة المجتمع والدولة، ما يفسّر الحضور المتزايد للمؤسسة في مفاصل القرار، خاصة خلال فترات الصراع.

وفي المحصلة، يبرز وحيدي بوصفه قائدًا يعمل بعيدًا عن الأضواء، ويؤثر في مسار الأحداث من داخل المؤسسة، حيث بات يوصف حضوره في قمة الهرم الأمني باعتباره الممسك بمفاتيح التصعيد والتهدئة في دلالة على انتقال مركز الثقل نحو المقاربة العسكرية-الأمنية وتحول الثقل بشكل كامل في الجمهورية الإسلامية إلى العسكر، ويتجلى هذا بوضوح في كونه بموقع يربط بين القرار السياسي وأدوات تنفيذه على الأرض، في لحظة تتداخل فيها الحرب ومجرياتها مع إعادة تشكيل موازين القوة في الإقليم.

علاماتأمن إيران ، الحرس الثوري الإيراني ، الشأن الإيراني ، النظام الإيراني ، النفوذ الإيراني
مواضيعالحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، النفوذ الإيراني

قد يعجبك ايضا

سياسة

من الدوحة إلى سيول: خريطة الأموال الإيرانية العالقة في متاهة العقوبات

نون إنسايت١٣ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

سقوط رجل ترامب ونتنياهو وبوتين في أوروبا.. ماذا تعني هزيمة أوربان؟

عماد عنان١٣ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

محمد باقر قاليباف: صلة الوصل بين العسكر والسياسة في زمن الحرب

أحمد الطناني١٢ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑