• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

هل تدخل أوروبا عصر التحالفات البديلة؟

عماد عنان١٤ أبريل ٢٠٢٦

يترسخ يومًا بعد يوم ذلك الاستنتاج الذي أفرزته الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، ومفاده أن ارتداداتها لم تعد محصورة في أطرافها المباشرين، بل تجاوزتهم إلى مستوى أوسع يعيد تشكيل الخريطة الجيوسياسية الدولية برمتها، فهذه الحرب لم تنتج فقط وقائع ميدانية جديدة، وإنما دفعت أيضًا مختلف القوى إلى إعادة تقييم سياسات حلفائها وخصومها معًا وفق سرديات مغايرة لما كان قائمًا قبل اندلاعها، وتبدو أوروبا في مقدمة الساحات المرشحة للتأثر العميق بهذه الارتدادات.

وفي هذا السياق، جاء تصريح الرئيس الأوكراني فلاديمير زيلينسكي كاشفًا ومفاجئًا في آن، حين وجّه رسالة تحذير مباشرة إلى أوروبا، مؤداها أن القارة ستظل عاجزة عن بناء قوة ردع حقيقية في مواجهة روسيا ما دامت أسيرة تحالفاتها التقليدية وهياكلها الأمنية القديمة، وأن أي مشروع جاد لإقامة قوة أوروبية موازنة لموسكو لن يكتمل من دون أوكرانيا وتركيا، إلى جانب بريطانيا والنرويج.

وخلال مقابلته مع أليستر كامبل عبر بودكاست The Rest is Politics، أجراها الخميس 9 أبريل/نيسان الجاري،  لم يكن زيلينسكي يبحث فقط عن تموضع جديد لبلاده داخل القارة بوصفها جزءًا من الحل لا عبئًا أمنيًا عليها، بل بدا أيضًا وكأنه يضغط بقوة على الجرح الأوروبي المفتوح منذ سنوات، لا سيما مع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض وما صاحبها من خطاب أمريكي أكثر ازدراءً للقدرات الأوروبية، وأكثر كشفًا لمحدودية ثقلها العسكري واستقلالها الاستراتيجي.

ومن ثم، لا يمكن قراءة حديث الرئيس الأوكراني باعتباره مجرد توصيف لحاجة عسكرية طارئة،  أو محاولة لاستغلال الوضعية الراهنة لإيجاد موطئ قدم لبلاده، بل بوصفه محاولة لدفع أوروبا إلى مراجعة بنيتها التحالفية ذاتها، باعتبار ذلك أحد التداعيات المنطقية للحرب الدائرة حاليًا، كما يفتح الباب على مصراعيه أمام التفكير في صيغ أمنية جديدة تتجاوز الأطر التقليدية، وتمنح كييف وأنقرة موقعًا مركزيًا في أي ترتيبات قادمة، ليس فقط لمواجهة الضغوط الروسية على الجبهة الشرقية، وإنما أيضًا للتعامل مع الارتدادات بعيدة المدى للموقف الأمريكي على مستوى الإسناد واللوجستيات والالتزامات عبر الأطلسي.

سياق مهم

من غير الموضوعي التعامل مع تصريحات زيلينسكي بمعزل عن السياق الأوسع الذي صدرت فيه، إذ جاءت متزامنة مع حراك دولي نشط قاده مؤخرًا وشمل عددًا من دول الشرق الأوسط، في تحرك تجاوز كثيرًا حدوده البروتوكولية المعتادة، ليعكس محاولة أوكرانية واضحة لإعادة التموضع الاستراتيجي على خريطة الأمن والنفوذ في الفضاء الأوروبي وما يتصل به من دوائر إقليمية.

فالجولة التي أفضت إلى توقيع اتفاقات تعاون دفاعي مع السعودية وقطر والإمارات، إلى جانب الحديث عن تفاهمات أمنية مع سوريا وتركيا، لم تكن مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل بدت جزءًا من مسعى أوكراني أوسع لتحويل الخبرة العسكرية التي راكمتها كييف خلال سنوات الحرب إلى أداة نفوذ وشراكة.

ومن خلال هذا المسار، حاول زيلينسكي أن يطرح بلاده لا بوصفها دولة تبحث فقط عن الدعم، بل باعتبارها طرفًا قادرًا على الإسهام في صياغة شبكة أمنية أوسع، تربط أوروبا بتركيا والخليج، وتكسر حصر أوكرانيا داخل الإطار الغربي التقليدي الضيق.

ويأتي هذا الحراك في لحظة إقليمية ودولية شديدة الدلالة، أفرزتها الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، وهي الحرب التي كشفت، بدرجة أو بأخرى، هشاشة الموقع الأوروبي داخل معادلات القرار الاستراتيجي الغربي، بعدما بدت واشنطن أكثر ميلًا إلى تهميش العواصم الأوروبية وإبعادها عن دوائر التأثير الفعلي في قرار الحرب والسلم.

وفي خضم هذا المشهد، جاءت جولة زيلينسكي ثم تصريحاته اللاحقة كأنها محاولة تبدو واعية لملء فراغ آخذ في الاتساع، فالرئيس الأوكراني لم يكن يوجه حديثه إلى موسكو وحدها بصفتها قضيته الأولى، بل إلى أوروبا نفسها، في لحظة تعاني فيها من تآكل الحضور وتراجع النفوذ واهتزاز الثقة بقدرتها على الفعل المستقل.

ومن هنا، حملت تصريحاته دلالات أعمق من مجرد دعوة إلى تحالفات جديدة، إذ فتحت الباب أمام أسئلة حرجة تتعلق بمستقبل الكتلة الأوروبية، وحدود استقلالها الاستراتيجي، وموقعها على خريطة النفوذ في عالم يعاد تشكيل توازناته على وقع الحروب والاصطفافات الجديدة.

المأزق الأوروبي

كشفت الحرب الجارية، بما فرضته من اختبارات قاسية لتوازنات القوة، حجم الهشاشة التي باتت تطبع الموقف الأوروبي، كما عرّت محدودية القدرات الفعلية لدول القارة، رغم ما تختزنه من إرث عسكري وتاريخي ثقيل، فقد بدت أوروبا، في خضم هذا المشهد المضطرب، بعيدة نسبيًا عن مركز الفعل، تراقب تطورات الأحداث من هامش التأثير أكثر مما تشارك في صياغتها.

ويتعزز هذا الانطباع إذا ما نُظر إلى عجز أوروبا، حتى الآن، عن حسم المواجهة مع روسيا في الساحة الأوكرانية رغم مرور أربع سنوات من القتال، فضلًا عن محدودية حضورها في الشرق الأوسط، حيث لا تزال الولايات المتحدة تمسك بالمفاتيح الأساسية للتأثير، علاوة على تآكل النفوذ الأوروبي داخل القارة الأفريقية، التي كانت حتى وقت قريب إحدى أبرز ساحات الامتداد التقليدي للقوى الاستعمارية الأوروبية.

ولا يتوقف الأمر عند حدود التراجع العسكري أو السياسي، بل يمتد إلى بنية اقتصادية تبدو اليوم أكثر هشاشة وانكشافًا أمام الاضطرابات الدولية، فقد كرّست الحرب الأوكرانية، ثم حرب غزة، وصولًا إلى المواجهة الإيرانية، واقعًا جديدًا باتت فيه الاقتصادات الأوروبية شديدة التأثر بأي توتر جيوسياسي، خصوصًا مع ما يترتب على ذلك من اضطراب في أسواق الطاقة، واختلال في سلاسل الإمداد، وتزايد الضغوط على معدلات النمو والاستقرار.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات الرئيس الأوكراني أقرب إلى جرس إنذار استراتيجي موجّه إلى العواصم الأوروبية، مفاده أن أي مشروع لبناء قوة أوروبية قادرة على مضاهاة روسيا سيظل مشروعًا منقوصًا ما لم يستند إلى أوكرانيا بما راكمته من خبرة قتالية وبرية، وإلى تركيا بما تملكه من ثقل عسكري وموقع جغرافي وبحري بالغ الأهمية، إلى جانب بريطانيا والنرويج بما تمثلانه من عمق استراتيجي وقدرات نوعية.

ومن ثم، فإن هذه الرسالة، بما تنطوي عليه من مزيج بين التحذير والإغراء، لا يمكن فصلها عن محاولة أوسع لإعادة رسم خريطة التحالفات داخل الفضاء الأوروبي، وإعادة تقييم شبكة الشراكات القائمة على نحو يسمح بتعزيز الحضور الأوروبي واستعادة جزء من النفوذ المتآكل، وربما يفتح ذلك الباب أمام مراجعات سياسية أعمق تتعلق بالشروط والقيود التي حكمت، لسنوات، فكرة انخراط بعض القوى المؤثرة في البنية الأوروبية أو على تخومها.

تقييم خارطة التحالفات

منذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، دخل النظام الدولي في حالة من السيولة السياسية الحادة، أعادت إرباك البنية التقليدية للتحالفات الغربية، ودفعت كثيرًا من العواصم إلى إعادة التفكير في ثوابتها القديمة، وهي الحالة التي عبّر عنها رئيس الوزراء الكندي مارك كارني خلال كلمته في منتدى دافوس، حين تحدث عن أفول النظام العالمي القديم القائم على القواعد والتحالفات المستقرة، لصالح مشهد دولي جديد تحكمه اعتبارات القوة المجردة.

ثم جاءت الحرب الإيرانية الأخيرة لتمنح هذا القلق الأوروبي بعدًا أكثر حدة، لا سيما مع تجاهل واشنطن لأوروبا في قرار الذهاب إلى الحرب، ثم تصاعد النبرة الأمريكية المنتقدة للقدرات الأوروبية على نحو مسّ صورة القارة في وعيها الذاتي، وعمّق الشكوك بشأن موقعها الحقيقي داخل المعادلة الغربية، وقد ترك ذلك أثرًا ثقيلًا في المخيلة السياسية الأوروبية، ودفعها إلى مراجعة أكثر جدية لشبكة تحالفاتها، في ظل شعور متزايد بأن الاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يعد كافيًا ولا مضمون النتائج.

وفي ضوء هذه التحولات، بدأت أوروبا بالفعل في طرق أبواب جديدة، كان أبرزها الباب الصيني، الذي بدا، في لحظة الاضطراب الراهنة، وجهة اقتصادية وسياسية لا تخلو من الإغراء لحلفاء واشنطن، ليس فقط في أوروبا، بل أيضًا في فضاءات أوسع تمتد من أمريكا الجنوبية إلى آسيا.

ومنذ مطلع العام الجاري، برز حراك أوروبي ملحوظ باتجاه بكين، اتخذ في ظاهره طابعًا اقتصاديًا، لكنه كان مشبعًا بدلالات دبلوماسية واستراتيجية واضحة، بما يعكس سعيًا أوروبيًا متناميًا لإعادة تقييم العلاقة مع الصين على ضوء التحولات العميقة التي تضرب النظام الدولي.

وقد تجسد هذا الميل في سلسلة زيارات متقاربة لقادة أوروبيين إلى العاصمة الصينية خلال الأسابيع الأولى من العام، في مؤشر على تنامي القناعة داخل القارة العجوز بأن بكين لم تعد مجرد شريك تجاري كبير، بل طرفًا لا يمكن تجاهله في صياغة توازنات السياسة والاقتصاد العالميين، وربما ورقة ضغط غير مباشرة في مواجهة واشنطن أيضًا.

غير أن هذا الحراك الأوروبي الساعي إلى تنويع الشراكات وتخفيف الارتهان للولايات المتحدة، لا يبدو مرشحًا للتوقف عند حدود الصين وحدها. فثمة قوى أخرى مرشحة للانخراط بصورة أكبر في المجال الأوروبي، وفي مقدمتها تركيا، التي تذهب بعض التقديرات إلى أنها قد تضطلع مستقبلًا بدور أكثر تأثيرًا داخل حلف الناتو، خاصة في ظل التهديدات الأمريكية المتكررة بإعادة النظر في الالتزام بهذا التحالف أو تقليص الانخراط فيه.

كما يُرجح أن تتجه أوروبا، بمنطق براغماتي خالص، نحو توسيع دوائر التواصل مع دول الخليج وبعض القوى المؤثرة في الشرق الأوسط والقارة الأفريقية، سواء بهدف استعادة جزء من نفوذها المتراجع، أو حماية مصالحها الحيوية بعيدًا عن الاصطفاف الكامل داخل المدار الأمريكي.

ويبدو أن قناعة آخذة في الترسخ داخل الذهنية الأوروبية مفادها أن الولايات المتحدة، على الأقل في ظل إدارة ترامب، لم تعد الحليف الموثوق الذي يمكن الركون إليه في حماية المجال الأطلسي أو صون التوازنات الغربية كما كان الحال في السابق، ومن هنا، يكتسب البحث عن مسارات بديلة لتعزيز الاستقلالية الأوروبية واستعادة الزخم الجيوسياسي للقارة أهمية متزايدة، الأمر الذي يرجح أن يجعل من بناء شراكات سياسية وأمنية جديدة العنوان الأبرز للسياسة الأوروبية خلال المرحلة المقبلة.

تجاوز التعقيدات الأوروبية

قد تلجأ أوروبا، في سعيها لإعادة ترميم موقعها الدولي، إلى جملة من الآليات التي تسمح بتعزيز الشراكة مع قوى غير أوروبية، مثل الصين ودول الخليج وبعض بلدان الشرق الأوسط وأفريقيا، وقد تتخذ هذه الآليات أشكالًا متعددة، تتراوح بين الاتفاقات الاقتصادية والتفاهمات الأمنية والتنسيقات السياسية، وهو مسار بدأت بعض العواصم الأوروبية بالفعل في التحرك نحوه، إدراكًا منها لحجم التحولات التي تضرب بنية النظام الدولي.

غير أن المعضلة الأكثر تعقيدًا لا ترتبط فقط بتوسيع الشراكات خارج المجال الأوروبي، بل تتعلق بإدخال قوى دولية تقع على تخوم أوروبا إلى داخل الفضاء الأوروبي ذاته، وهي مسألة ظلت لسنوات طويلة محل جدل حاد داخل القارة، خاصة فيما يتعلق بملفي تركيا وأوكرانيا، اللتين ظل انضمامهما إلى الاتحاد الأوروبي موضع انقسام سياسي واستراتيجي مستمر.

وفي ظل المستجدات الأخيرة، وما تفرضه من مراجعة أوسع لخريطة التحالفات الأوروبية، قد تعود فكرة ضم بعض الدول الواقعة خارج الإطار الأوروبي المؤسسي الكامل، مثل تركيا وأوكرانيا، وربما بالتوازي مع أدوار أكثر التصاقًا لبريطانيا والنرويج، لتطرح نفسها مجددًا بوصفها أحد الخيارات المطروحة أمام القارة في لحظة إعادة التموضع الراهنة.

خلال زيارته إلى الصين، وجه رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز رسالة، مؤكداً أن أوروبا تحتاج إلى انفتاح السوق الصينية حتى لا تُجبر أوروبا على الانغلاق لحماية اقتصادها. pic.twitter.com/KPRhdfWvcH

— نون بوست (@NoonPost) April 13, 2026

لكن مع استمرار التحفظات الأوروبية التقليدية إزاء هذا المسار، تبرز تصورات بديلة قد تبدو أكثر قابلية للتنفيذ، فليس من الضروري، في هذه المرحلة، انتظار الانضمام الرسمي لهذه الدول إلى الاتحاد الأوروبي، بقدر ما قد تتجه القارة إلى ابتكار صيغ أكثر مرونة، كإنشاء تحالف أمني أوسع يضم دولًا أوروبية وأخرى غير أوروبية، بما يوفر مسارًا موازيًا أو بديلًا في مواجهة التعقيدات السياسية التي لا تزال تكبل مؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو على السواء.

ومن هذه الزاوية، يمكن فهم الطرح المتكرر لأسماء دول تقع خارج الإطار الأوروبي المؤسسي الكامل، لا بوصفه مجرد توسيع نظري لدائرة الشراكة، بل كمؤشر على احتمال تشكل مقاربة جديدة تقوم على بناء فضاء أمني واستراتيجي أكثر اتساعًا ومرونة، يتجاوز الصيغ التقليدية للاندماج الأوروبي، ويستجيب في الوقت ذاته لمقتضيات اللحظة الجيوسياسية الضاغطة.

مواضيعالأزمة الأوكرانية ، الاتحاد الأوروبي ، الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران ، تركيا والاتحاد الأوروبي ، حلف شمال الأطلسي

قد يعجبك ايضا

سياسة

سوريا في الحسابات الإسرائيلية: ساحة نفوذ وفراغ قابل للهندسة

سجود عوايص١٤ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

كوشنر وويتكوف.. كيف فشلت دبلوماسية رجال الأعمال؟ 

جوناثان غوير١٤ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

التدمير الآلي المتبادل: سباق التسلح العالمي المتصاعد في مجال الذكاء الاصطناعي

شيرا فرانكل١٣ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑