ترجمة وتحرير: نون بوست
لم تصمت المدافع بعد فوق مياه الخليج العربي، غير أن حكومات دول مجلس التعاون الخليجي بدأت بالفعل تفعل ما اعتادت فعله دائماً في لحظات الاضطراب والتحولات الكبرى؛ فهي تحسب خطواتها بدقة، وتعيد ترتيب حساباتها وتوزيع رهاناتها، وتستعد لعالم لا يشبه بأي حال من الأحوال ذلك الذي كان قائماً قبل اندلاع شرارة الصراع.
لقد كانت الحرب مع إيران الحدث الأكثر إرباكاً وتغييراً للمسار في المنطقة منذ ثورة عام 1979، ومن المؤكد أنها ستتمخض عن إعادة ترتيب للهندسة السياسية في المنطقة بأهمية وتأثير لا يقلان عن ذلك الحدث التاريخي. ولن تندفع دول مجلس التعاون الخليجي للارتماء في أحضان قوة عظمى واحدة أو الانخراط في تحالف أحادي؛ بل ستلجأ إلى ما تفعله عادة الدول الصغيرة التي تمتلك صناديق ثروة سيادية ضخمة وذاكرة حادة لا تنسى مرارة الخذلان والتخلي، ألا وهو: تنويع خياراتها وتوزيع رهاناتها على أطراف عدة.
ولكن قبل الإقدام على ذلك؛ سيتعين على هذه الدول أن تواجه بشجاعة وصدق حقيقة طالما تجنبتها تصريحاتها العلنية والرسمية بحذر شديد؛ وهي أن إيران، ورغم كل الضربات القاسية التي تلقتها وتكبدتها، لم تخسر هذه الحرب بأي معيار إستراتيجي. ومع أن هذا الاستنتاج يبدو مزعجاً ومثيراً لعدم الارتياح، إلا أنه يمثل القناعة الراسخة التي يتوصل إليها صناع القرار في الخليج خلف الأبواب المغلقة وفي أحاديثهم الخاصة.
ولكي نفهم أبعاد هذه القناعة، دعونا نتأمل جيداً ما أثبتته إيران وأظهرته للعالم؛ فقد خاضت حرباً متزامنة ومفتوحة ضد كل من الولايات المتحدة وإسرائيل، وامتصت ضربات موجعة ومؤثرة طالت بنيتها التحتية النووية. كما فقدت طهران قادة عسكريين بارزين، وشاهدت بأم عينيها قواتها التقليدية وهي تتكبد أضراراً جسيمة. ومع ذلك كله، نجحت في إغلاق مضيق هرمز لأسابيع متواصلة، مما أدى إلى قطع نحو خُمس إمدادات النفط العالمية. ولم تكتفِ بذلك، بل أمطرت كل دولة من دول مجلس التعاون الخليجي بوابل من الصواريخ والطائرات المسيرة، مستهدفة المطارات والفنادق والبنية التحتية النفطية الحيوية.
وبهذا الأداء، كشفت إيران، بأقسى وأوضح العبارات الممكنة، عن حدود الردع الأمريكي كدرع واقٍ لحماية شركاء واشنطن في الخليج. وبالنسبة لدولة ترزح تحت وطأة عقوبات اقتصادية خانقة منذ عقود، وتعمل بميزانية دفاعية لا تمثل سوى نزر يسير ومجرد كسر ضئيل مما تنفقه الولايات المتحدة في المنطقة خلال عام واحد فقط، فإن ما حدث لا يُعد هزيمة تقليدية بأي حال من الأحوال. فإن هذه ليست هزيمة تقليدية. بل هي دليل على المرونة الاستراتيجية التي لن ينساها جيران إيران..
وفي المقابل؛ تجد دول مجلس التعاون الخليجي نفسها في مواجهة حقيقة أخرى لا تقل إزعاجاً ومضضاً عن سابقتها، وتتعلق هذه المرة بقدراتها الذاتية. فعلى الرغم من إنفاقها مئات المليارات من الدولارات لاقتناء أحدث أنظمة التسليح الأمريكية، إلا أنها وقفت عاجزة عن توفير حماية كاملة ومطلقة لبنيتها التحتية المدنية، وتمكنت الطائرات المسيرة الإيرانية من اختراق دفاعاتها. وبناءً على ذلك، تلقت الصورة الذهنية التي رُسمت بعناية فائقة للخليج كوجهة استثمارية آمنة ومستقرة – وهي صورة بُنيت على مدى عقود وتساوي مليارات الدولارات من رأس المال الأجنبي – ضربة موجعة لا يمكن لأي قدر من التطمينات الرسمية أن يصلحها أو يرممها بين عشية وضحاها.
وهكذا؛ اتضح جلياً أن الانكشاف والضعف ليسا مجرد حالة عسكرية فحسب، بل هما حالة اقتصادية بالأساس. وفي الوقت ذاته؛ ورغم تعرض أدوات النفوذ الإقليمي الإيراني لضربات أضعفتها، إلا أنها لم تُفكك أو تُدمر بالكامل. فجماعة حزب الله، على سبيل المثال، تضررت بشدة لكنها لم تُسحق. كما أثبت الحوثيون طوال فترة الصراع قدرتهم على تهديد ممرات الشحن الخليجية الحيوية باستخدام إمكانيات محدودة، محققين تأثيراً بالغاً. أما النفوذ الإيراني في العراق، فلا يزال متماسكاً وسليماً إلى حد كبير.
إن وجود إيران ضعيفة، لكنها تحتفظ بشبكة نفوذها المتشعبة في جميع أنحاء العالم العربي، يمثل نوعاً مختلفاً تماماً من التهديد مقارنة بوجود إيران قوية تمتلك برنامجاً نووياً فعالاً. بل يمكن القول إن هذا التهديد، في بعض جوانبه، أكثر صعوبة في التنبؤ بمساراته وعواقبه.
ولكن، لا يعني أي من هذا أن دول مجلس التعاون الخليجي ستسعى للتوصل إلى تسوية وتفاهمات مع إيران بدافع الخوف أو الخشية، بل يعني أنها ستسعى لذلك انطلاقاً من واقعية سياسية واضحة ومتبصرة. ففي النهاية، طهران لن تختفي من الخريطة، وهي تتشارك مياه الخليج العربي مع جميع هذه الدول، ولديها امتدادات وتأثيرات تتفاوت درجة أهميتها السياسية في أوساط المجتمعات الشيعية المتواجدة في البحرين والكويت والمنطقة الشرقية بالمملكة العربية السعودية.
لقد قدم التقارب السعودي الإيراني الذي تم بوساطة صينية في عام 2023 للرياض نموذجاً عملياً لإدارة العلاقات مع طهران عبر القنوات الدبلوماسية بدلاً من الانجرار إلى مسار المواجهة. وهذا النموذج لم يمت ولم ينتهِ، لا سيما وأن كلا الجانبين باتا الآن أكثر وعياً وإدراكاً لطبيعة وشكل البديل الكارثي في حال انهيار الدبلوماسية؛ فوجود دولة فاشلة ومنهارة على الساحل الشمالي للخليج، تعج بالأسلحة المنفلتة والأراضي غير الخاضعة لسيطرة الحكومة، لا يخدم مصالح أي طرف كان. وفي المقابل، فإن وجود جمهورية إسلامية تم تقليم أظافرها ويمكن إبرام الصفقات وإجراء المعاملات معها، يُعد نتيجة أكثر قابلية للإدارة والتعايش بكثير.
أما إذا انتقلنا للحديث عن طبيعة العلاقة مع الولايات المتحدة، فسنجد أن واشنطن مضت نحو الحرب دون استشارة دول الخليج بأي شكل جدي أو ملموس. وبطبيعة الحال، وجدت هذه الدول نفسها في مرمى الصواريخ الإيرانية المتساقطة عليها في غضون 48 ساعة فقط من الضربات التي شُنت في 28 فبراير/شباط الماضي. وكانت الرسالة التي وجهتها طهران واضحة ولا لبس فيها: إن القرب من القوة الأمريكية لا يمثل درعاً وحماية، بل هو بحد ذاته هدف يستجلب الضربات.
ومع ذلك؛ لن تتخلى دول مجلس التعاون الخليجي عن المظلة الأمنية الأمريكية. فقد أثبت الأداء الفعال لتكنولوجيا الدفاع الصاروخي الأمريكية خلال الصراع قيمتها الحقيقية وبطرق عجزت سنوات طويلة من العروض التسويقية والترويجية عن إثباتها. ولذلك، من المتوقع أن نشهد إبرام اتفاقيات ضخمة وجديدة لشراء الأسلحة والمعدات الدفاعية، فضلاً عن تعزيز التكامل العسكري الوثيق في الأشهر المقبلة.
بمعنى آخر؛ ستتقارب دول الخليج بشكل أكبر مع الولايات المتحدة فيما يخص الجانب العسكري والتقني للأمن (العتاد والأسلحة)، حتى في الوقت الذي تنأى فيه بنفسها وتتراجع عن التماهي مع السياسات الخارجية لواشنطن. ومن الآن فصاعداً؛ ستُقابل أي طلبات أمريكية مستقبلية للحصول على حقوق التحليق الجوي، أو الوصول إلى القواعد العسكرية، أو توفير الغطاء الدبلوماسي للعمليات العسكرية، بشروط وقيود أكثر صرامة وتعقيداً من أي وقت مضى.
لقد راقبت دول الخليج عن كثب كيف قامت الولايات المتحدة بالإطاحة بالزعيم العراقي السابق صدام حسين في عام 2003، لتُقضي بعد ذلك عقدين كاملين في محاولة فاشلة لإدارة حطام وركام تلك الدولة. واليوم، تستخلص هذه الدول الدرس ذاته من الحرب الأخيرة؛ ألا وهو أن القوة العسكرية الأمريكية قوة حقيقية وجبارة، لكن الالتزام الاستراتيجي الأمريكي أمر لا يمكن الوثوق به أو التعويل عليه أبداً. وهذه الفجوة العميقة بين امتلاك القدرات وحسن التقدير السياسي، هي بالضبط السبب الذي دفع دول مجلس التعاون الخليجي لبناء علاقات تجارية قوية ومتينة مع الصين، والحفاظ على قنوات اتصال خلفية مفتوحة مع روسيا، ورفضها القاطع لرهن سياساتها الخارجية وتنظيمها كلياً لتتماشى مع أولويات واشنطن وحدها.
وتبرز مسألة العلاقة مع إسرائيل لتكون الأكثر تعقيداً وشائكية في هذا المشهد؛ فقبل 28 فبراير/شباط، كان مسار التطبيع السعودي الإسرائيلي عبارة عن عملية دبلوماسية تسير بخطى وئيدة وبطيئة، وتنطوي على تكاليف سياسية داخلية باهظة بالنسبة للرياض. ورغم أن حرب إيران قد أعادت خلط هذه الأوراق من جديد، إلا أن الرياح لم تجرِ كما تشتهي سفن واشنطن وتأمل.
صحيح أن تكنولوجيا الدفاع الصاروخي الإسرائيلية حققت أداءً جيداً ولافتاً خلال الصراع، واكتسبت العديد من دول مجلس التعاون الخليجي الآن خبرة عملياتية مباشرة وملموسة للقدرات العسكرية الإسرائيلية كقوة ساهمت في توفير الحماية لها. لكن إسرائيل نفسها بدت هشة ومكشوفة أمام الصواريخ الإيرانية، كما أن الوضع العسكري الإسرائيلي الأوسع ونمطه السائد في المنطقة قد أدى إلى تعميق حالة الرفض والسمية السياسية لفكرة التطبيع لدى الجماهير العربية.
ونتيجة لذلك؛ يظل التطبيع السعودي مع إسرائيل أمراً مستبعداً في الوقت الحالي، لأنه سيتطلب حتماً التزاماً أمريكياً حقيقياً وذا مصداقية بإقامة دولة فلسطينية مستقلة. وبدون تحقق هذا الشرط، يدرك ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان تماماً أنه لا يمتلك أي غطاء داخلي أو شعبي لتمرير مثل هذه الصفقة. ومن هنا، تبدو الدعوات العلنية التي أطلقها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لحث الأطراف على التطبيع في أعقاب الحرب، جوفاء وفارغة من أي مضمون عملي.
إن ما يتبلور وينبثق من خضم كل هذه الأحداث هو منطقة خليج تتمتع باستقلالية استراتيجية تفوق أي مرحلة سابقة في تاريخها الحديث، وتدرك في الوقت ذاته مدى هشاشتها وضعفها الداخليين بدرجة تفوق بكثير ما قد يعترف به قادتها علانية؛ فلم تختر دول مجلس التعاون الخليجي خوض هذه الحرب، لكنها تحملت تبعاتها وتجرعت مرارة تكاليفها.
لقد راقبت هذه الدول خصماً إقليمياً يبرهن للجميع قدرته على الصمود والبقاء بعد الدخول في مواجهة مباشرة مع أقوى جيش في العالم، بل وقدرته على إلحاق أذى هائل وألم بالغ بجيرانه. كما راقبت في الوقت ذاته الضامن الأمني الأساسي لها (الولايات المتحدة) وهو يتصرف بشكل أحادي ومنفرد، متخذاً من المصالح الاستراتيجية الإسرائيلية مبدأً أساسياً ومنظماً لحربٍ وقعت أعباؤها وتكاليفها بالكامل على كاهل دول مجلس التعاون الخليجي.
وبناءً على هذه المعطيات، فإن الرد الخليجي لن يتمثل في إعادة الاصطفاف والتموضع التقليديين، بل سيتبلور في شكل سياسة خارجية أكثر انضباطاً، وأكثر ارتباطاً بالشروط، وأكثر تركيزاً على المصالح الذاتية. إنها سياسات تصاغ من قبل حكومات تعلمت، وبثمن باهظ ومكلف للغاية، أنه لا يمكن لأي قوة خارجية، مهما بلغت عظمتها، أن تحل محل تقييمها وحكمها الاستراتيجي الخاص.
ومع كل ذلك، تظل الولايات المتحدة هي الشريك الأمني الأول والملاذ الأخير. وتبقى الصين هي الشريك الاقتصادي الذي لا يرغب أحد في تنفيره أو خسارته. وتحافظ روسيا على مكانتها كلاعب محوري ومؤثر في أسواق الطاقة لا يمكن للخليج أن يتجاهله أو يتجاوزه.
أما إيران، ورغم ما أصابها من ضعف وتراجع، فستبقى واقعاً جغرافياً وديموغرافياً يفرض حتمية إدارته والتعايش معه بدلاً من السعي المستحيل لإلغائه ومحوه. والواقع أن دول الخليج لم تبتدع هذا النهج من فراغ؛ بل هي تمارسه وتطبقه ببراعة منذ عقود. وما فعلته حرب إيران ببساطة هو منح هذه الدول أسباباً إضافية، ودوافع أكثر إلحاحاً، لترسيخ ثقتها المطلقة في هذا النهج الاستراتيجي والمضي قُدماً فيه.
المصدر: فورين بوليسي