بعد الحرب على إيران، بدا وكأن الولايات المتحدة تسير في طريق لا يشاركها فيه أحد، فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنّ قواته البحرية ستطبق “منطقة استبعاد بحري” على كل السفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية أو المغادرة منها، وهو ما وصفه إعلاميًا بـ“الحصار”.
لكن وزارة الدفاع الأمريكية أوضحت أنّ هذا الإجراء لا يعطل الملاحة الدولية في مضيق هرمز بل يستهدف السفن التي تنقل بضائع إلى إيران أو منها، وأن السفن المتوجهة إلى وجهات أخرى ستُسمح لها بالمرور.
ورغم هذا التوضيح، لم تحظ واشنطن بتأييد من شركائها، وعلى العكس، أبدت دول أوروبية وخليجية وآسيوية درجة متفاوتة من الامتناع أو التحفظ على المشاركة. فلماذا يفصل الحلفاء بين دعمهم السياسي لواشنطن ورغبتهم في تجنب تحمل تكاليف حصار طويل قد يضر مصالحهم.
لماذا تتحفظ أوروبا؟
1- غياب التفويض القانوني
- بريطانيا، التي كانت شريكًا دائمًا للولايات المتحدة في الخليج، أعلنت على لسان رئيس وزرائها كير ستارمر أنها “لن تدعم الحصار” وستعمل بدلًا من ذلك على تشكيل قوة متعددة الجنسيات لحماية الملاحة بعد توقف الأعمال العدائية.
- الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وصف فكرة فتح المضيق بالقوة بأنها “غير واقعية”، مبينا أن فرنسا ترفض المشاركة في عملية أمريكية لم تُستشر فيها وأن إعادة فتح المضيق يجب أن تتم “بالتشاور مع إيران”.
- ألمانيا أكدت أنها لا تستطيع إرسال سفن من دون تفويض من الأمم المتحدة أو الاتحاد الأوروبي أو حلف شمال الأطلسي، وقال المستشار فريدريش ميرتس إن واشنطن و”تل أبيب” لم تستشيرا برلين قبل بدء الحرب.
- إيطاليا انضمت لهذا الموقف، فصرح ماتيو سالفيني نائب رئيس الوزراء بأن بلاده لن ترسل أي سفن لحراسة المضيق ما لم يصدر تفويض من الأمم المتحدة. وأوضحت رئيسة الحكومة جورجيا ميلوني أن إيطاليا تعمل مع تحالف تقوده بريطانيا يضم أكثر من ثلاثين دولة من أجل تهيئة شروط أمنية تتيح استعادة حرية الملاحة، لكنها كررت أن بلادها لن تشارك عسكريًا بدون غطاء دولي.
ورأت بعض الدول أن فرض منطقة استبعاد بحري خارج حالات الحرب المعترف بها قد يشكل انتهاكًا لمبدأ حرية الملاحة. لهذا حاولت بريطانيا وفرنسا وغيرهما التركيز على حماية الملاحة بعد وقف إطلاق النار عوضًا عن تنفيذ حصار أثناء الحرب.
2- التحسب من المخاطر
تخشى الحكومات الأوروبية من أن يتحول الحصار إلى مواجهة مفتوحة مع إيران، فقد حذر ماكرون من أن إجبار طهران على فتح المضيق بالقوة سيتطلب وقتًا طويلًا ويعرّض السفن لهجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة.
وأكد محللون عسكريون أن فرض منطقة استبعاد بحري بهذا الحجم سيتطلب أعدادًا كبيرة من المدمرات والفرقاطات وحاملات الطائرات، ما يثقل كاهل القوات البحرية الغربية ويخلق نقاط تماس متعددة مع الحرس الثوري.
كما يخشى الأوروبيون أن يجرهم الحصار إلى مواجهة أوسع في الشرق الأوسط في وقت تواجه فيه حكوماتهم أزمات اقتصادية وانتخابية داخلية.
إذ تتعرض حكومات أوروبية لضغوط شعبية لإنهاء التورط في حروب خارجية وتخفيف تداعيات ارتفاع الأسعار، فعلى سبيل المثال رفضت إسبانيا استخدام قواعدها وأجوائها ما يؤكد تأثير السياسة الداخلية على القرارات الأمنية.
3- أولويات اقتصادية وأسواق الطاقة
أدى إغلاق هرمز إلى ارتفاع أسعار الطاقة وضغط على اقتصادات أوروبا، لكن هذه الاقتصادات تحاول التكيف عبر تنويع مصادر الطاقة والتفاوض مع دول الخليج بدلًا من المغامرة بمواجهة عسكرية.
وعقدت لندن اجتماعا مطلع نيسان/أبريل ضم نحو أربعين دولة، بينها فرنسا وألمانيا وكندا والإمارات والهند، لمناقشة إعادة فتح المضيق بعد وقف إطلاق النار.
وشدد الأوروبيون خلال الاجتماع على أن فتح الممر يجب أن يتم بالوسائل الدبلوماسية، وركزوا على تجهيز مهمات إزالة الألغام وتقديم ضمانات للتأمين البحري على المدى المتوسط في توجه يعكس إدراكًا بأن المشاركة في حصار عسكري قد تعطل التجارة الأوروبية أكثر مما تحميها.
أين يقف الخليج؟
1- المطالبة بضمانات وحلول شاملة
ترفض دول الخليج، التي تتعرض أراضيها وموانئها لهجمات بالطائرات المسيّرة والصواريخ الإيرانية، قبول عودة الوضع السابق ببساطة.
وقالت مصادر خليجية لرويترز إن مسؤولين من السعودية والإمارات والبحرين والكويت وقطر أبلغوا واشنطن أن أي اتفاق يجب أن لا يكتفي بوقف الحرب، بل يجب أن يضع حدًا لقدرة إيران على “تسليح” المضيق ويضمن عدم استخدامه مرة أخرى كأداة ابتزاز.
ويطالب هؤلاء بتقييد برنامج الصواريخ والمسيرات الإيرانية وحظر الهجمات على الممرات البحرية والطاقة، معتبرين أن وقف الحرب دون معالجة هذه الجذور لن يمنع أزمة مستقبلية.
وفي نفس الوقت، أوضحت دول الخليج أكثر من مرة أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لشن هجمات على إيران، ودعت إلى حل سياسي يعيد الاستقرار ويجنب المنطقة حربًا شاملة.
2- مخاوف اقتصادية وسياسية
تعتمد اقتصادات الخليج على صادرات النفط والغاز، ولذلك يخشى المسؤولون من أن الحصار قد يفاقم الهجمات الإيرانية ضد منشآتهم.
كما حذر بعضهم من أن نشر قوات برية أمريكية لاحتلال جزيرة خارك الإيرانية – التي تصدر منها معظم نفط إيران – قد يستفز طهران للرد على دول الخليج التي تستضيف قواعد أمريكية.
في الوقت نفسه، ترى هذه الدول أن الضغط العسكري الذي أدى إلى تدمير جزء من ترسانة إيران الصاروخية منحها فرصة لدعم واشنطن في التفاوض على اتفاق يقيّد قدرات إيران بشكل دائم.
ما موقف آسيا؟
تتبع دول آسيوية عديدة نهج الدبلوماسية الحذرة خاصة بسبب ارتهانها الطاقوي لمنطقة الخليج ومحاولتها الموازنة بين واشنطن وطهران.
فعلى سبيل المثال، تستورد اليابان نحو 90% من نفطها من الشرق الأوسط. وقد دعت رئيسة الوزراء سانيه تاكائشي إيران إلى تهدئة الأوضاع وضمان سلامة الملاحة، وأعربت عن أملها في التوصل إلى اتفاق عبر الدبلوماسية.
فاليابان، التي لديها قوات دفاع ذات طابع سلمي، تفضل تفادي أي مشاركة عسكرية خارجية وتراهن على التفاوض مع طهران.
وتبدو كوريا الجنوبية أكثر تأثرًا، إذ أشار تحليل صادر عن مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) إلى أن 70% من واردات النفط الكورية تمر عبر هرمز وأن الحصار أدى إلى احتجاز 26 سفينة كورية في الخليج، ما تسبب بارتفاع أسعار الطاقة وتفاقم أزمات التضخم والعملة والفائدة.
وأوضح التحليل أن احتياطات النفط الكورية تكفي لنحو 26 يومًا فقط وأن الاقتصاد الكوري، المعتمد على الصناعات الثقيلة، يواجه صدمة ثلاثية.
لذلك أرسلت سيول مبعوثًا خاصًا إلى طهران للتفاوض على مرور آمن، بينما أكدت وزارة الدفاع أنه لم يطلب منها الانضمام إلى أي عملية بحرية أمريكية وأنها تراقب الوضع وتدعم “حرية الملاحة” دون الانخراط في الحصار.
ورأى تحليل لمركز كارنيغي أن كوريا تستورد 84% من احتياجاتها الطاقية، بينها نحو 70% من النفط و20% من الغاز من الشرق الأوسط، وليس لديها خطوط ربط كهربائي مع الدول المجاورة، لذا فإن أي تعطيل للمضيق يهدد “جزيرة الطاقة” الكورية ويضغط على حكومة لي جاي-ميونغ داخليًا.
وبدورها تواجه الهند، ثالث أكبر مستهلك للنفط في العالم، أزمة غاز حادة بسبب تعطيل هرمز. وقالت وزارة الخارجية الهندية إنها طلبت من إيران السماح بمرور 22 سفينة هندية عالقة غرب المضيق، في حين أكد دبلوماسي إيراني في نيودلهي أن بعض السفن الهندية مُنحت استثناءً للعبور.
وتواصلت السلطات الهندية مع دول مجلس التعاون الخليجي وإيران والولايات المتحدة و”إسرائيل” لحماية مصالحها الطاقية، لكنها لم تعلن انضمامها إلى أي حصار، بل منحت موافقات استثنائية لدخول شحنات إيرانية من الغاز والوقود إلى موانئها لتخفيف الأزمة.
تعكس هذه الخطوات سياسة الموازنة بين الحفاظ على العلاقات مع واشنطن من جهة وضمان الإمدادات الطاقية من جهة أخرى.
ومن هنا فإن الإصرار الأمريكي على فرض حصار على الموانئ الإيرانية أظهر أن قدرة واشنطن على استخدام القوة البحرية لا تعني بالضرورة قدرتها على بناء ائتلاف متماسك ما يكشف حدود نفوذ واشنطن على حلفائها.