• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

للمرة الأولى منذ أوسلو: قاعدة عسكرية للاحتلال تعيد رسم “المنطقة أ” في جنين

شذى يعيش٣٠ مايو ٢٠٢٦

دبابات إسرائيلية خلال عملية عسكرية للجيش الإسرائيلي في مدينة جنين بالضفة الغربية، 19 فبراير/ شباط 2025

ترجمة وتحرير: نون بوست

بعد أن هدم الجيش الإسرائيلي منزله داخل مخيم جنين، واسى خالد صفوري نفسه بحقيقة أنه لا يزال يمتلك قطعة أرض صغيرة في مدينة جنين المجاورة، حيث كان يأمل بناء منزل جديد، لكن حتى هذه الأرض قد تُسلب منه قريبًا.

ففي مطلع هذا الشهر، أصدرت السلطات الإسرائيلية أمرًا بمصادرة أرض صفوري وأكثر من سبعة دونمات إضافية في حي الجابريات بجنين، وهي منطقة مرتفعة تطل على مخيم جنين.

ويأتي هذا الأمر في خضم حملة عسكرية إسرائيلية مستمرة منذ أكثر من عام في شمال الضفة الغربية تحت اسم “عملية السور الحديدي” احتل الجيش خلالها مخيمات للاجئين في جنين وطولكرم ونور شمس، وهجّر ما يصل إلى 45,000 فلسطيني، وأحدث دمارًا هائلًا في البنية التحتية المدنية.

بالنسبة لصفوري (50 عامًا)، وهو لاجئ من الجيل الثالث للنكبة هُجّرت عائلته من قرية صفورية قرب الناصرة عام 1948، فإن أمر المصادرة هذا يبدو وكأنه “فأل شؤم”. ومع أن أوامر مصادرة الأراضي الإسرائيلية ليست بالأمر الغريب في الضفة الغربية المحتلة، إلا أن هذه الحالة أثارت قلق السكان والمنظمات الحقوقية لأن القطع المستهدفة تقع في “المنطقة أ”، وهي المنطقة التي تحتفظ فيها السلطة الفلسطينية رسميًا، بموجب اتفاقيات أوسلو، بالسيطرة المدنية والأمنية الكاملة بينما يتعين على السلطة في “المنطقة ب” التنسيق الأمني مع إسرائيل، في حين تظل “المنطقة ج” التي تشكل أكثر من 60 بالمئة من مساحة الضفة تحت السيطرة الإسرائيلية الكاملة.

نقلت السلطة الفلسطينية أمر المصادرة العسكري إلى أصحاب الأراضي في الجابريات عبر تطبيق واتساب من خلال ملف “بي دي إف” باللغة العربية يحمل توقيع قائد القيادة المركزية للجيش الإسرائيلي، آفي بلوث. ووفقًا للوثيقة والخريطة المرفقة بها، فإن القطع المحددة تُصادر لـ ‘أغراض عسكرية’ وتحوّل إلى الجهات الأمنية المعنية. وينص الأمر على أن المصادرة ستظل سارية المفعول حتى نهاية عام 2028، وسط مخاوف تساور السكان من أن يصبح هذا الاستيلاء دائمًا.

 

View this post on Instagram

 

A post shared by +972 Magazine (@972mag)

وفي تعليق لمجلة “+972″، قال درور إتكس، مؤسس منظمة “كيرم نافوت” المناهضة للاستيطان، إن أمر المصادرة والطرق العسكرية التي تم تعبيدها حديثًا يشيران بوضوح إلى خطط إسرائيل لإنشاء قاعدة عسكرية كبيرة مجاورة لمخيم جنين.

وعلى الرغم من أن إسرائيل أصدرت في السابق عددًا محدودًا من أوامر المصادرة التي طالت “المنطقة أ”، مثل تلك الخاصة ببناء الجدار الفاصل في أوائل الألفية الثانية، إلا أن إتكس يرى في الأمر الجديد تصعيدًا كبيرًا، حيث قال: “هذه هي المرة الأولى منذ أوسلو التي أرى فيها أمر مصادرة لإقامة قاعدة عسكرية في المنطقة أ”.

أما صفوري، الذي يعيش الآن مع عائلته المكونة من ثمانية أفراد في شقة صغيرة مستأجرة في مكان آخر بجنين، فيشعر بالألم من احتمال خسارة عقار آخر، ويقول متحسرًا: “هذا القرار صادم، فأرضي تقع في المنطقة أ. لم يتخيل أحد هذا قط. هُدم بيتنا، والآن تُصادر أرضنا. كيف يُفترض بي أن أشعر؟”. وحذر قائلًا: “جنين لن تكون سوى البداية، سيأخذون المزيد من الأراضي في الضفة الغربية. أتمنى أن تفشل مخططاتهم”.

عزل جنين

لطالما نفّذت القوات الإسرائيلية توغلات متكررة في جميع المناطق الإدارية بالضفة الغربية. وأوضح إتكس قائلًا: “الجيش متواجد هناك طوال الوقت: يدخلون المنازل، ويمكثون لبضعة أيام أو أكثر، ثم يغادرون. لكن ما قد نشهده الآن هو شيء مختلف: منشآت ومبادرات أكثر ديمومة”. 

وأضاف إتكس أن أعمال البناء الجارية حول المفارق الرئيسية ومواقع المستوطنات السابقة تشير إلى إعادة انتشار عسكري وهيكلي أوسع نطاقًا في شمال الضفة الغربية. فإلى جانب القاعدة العسكرية المخطط لها في الجابريات، تقوم إسرائيل “الآن ببناء قاعدة عسكرية كبيرة عند مفرق عرابة، بالقرب من الطريق 60 القادم من يعبد”، مؤكدًا أن هذه القاعدة “ستصبح على الأرجح القاعدة الرئيسية في المنطقة الواقعة بين جنين ومستوطنة سانور الإسرائيلية”.

ووفقًا لإتكس، فإن هذه المنشآت العسكرية تؤذِن بتحول رئيسي في سياسة المنطقة، حيث قال: “هذا يمثل إعادة ترسيخ للوجود العسكري الإسرائيلي في منطقة جنين. والتفسير المنطقي الوحيد هو أن الأمر مرتبط مباشرة بأكبر طفرة استيطانية تشهدها الضفة الغربية”. في عام 2005، أخلت إسرائيل كجزء من خطة “الانفصال” التي وضعها رئيس الوزراء آنذاك أرئيل شارون جميع مستوطناتها الـ21 في قطاع غزة وأربع مستوطنات في شمال الضفة الغربية هي: حومش، وسانور، وغانيم، وكاديم. ولقرابة عقدين من الزمن، ظلت هذه المنطقة معزولة نسبيًا عن التوسع الاستيطاني المباشر.

زوار يسيرون بجانب خزان مياه على أنقاض مستوطنة حومش المخلاة في 27 أغسطس/ آب 2019. وكانت حومش واحدة من المستوطنات الأربع بالضفة الغربية التي أخلتها إسرائيل خلال خطة الانفصال.

لكن في السنوات الثلاث الماضية، أزالت التعديلات التي أدخلتها الحكومة الإسرائيلية الحالية على قانون الانفصال القيود السابقة المفروضة على التواجد الإسرائيلي في أجزاء من شمال الضفة الغربية. وفي أبريل/ نيسان 2026، احتفل وزراء إسرائيليون بإعادة تأسيس مستوطنة سانور، وهو ما وصفه وزير المالية بتسلئيل سموتريتش بأنه “تصحيح تاريخي“.

وتشير هذه التطورات، كما حذّرت هيئة مقاومة الجدار والاستيطان التابعة للسلطة الفلسطينية، إلى ديناميكية تغير متسارعة. وأشارت الهيئة في بيان صدر مؤخرًا إلى أن المصادقة على مخططات استيطانية جديدة، إلى جانب أوامر المصادرة الأخيرة، تهدف إلى “إعادة هندسة المشهد الجغرافي لشمال الضفة الغربية، وتحديدًا في محافظة جنين”.

يتفق إتكس على هذا التقييم بقوله: “هناك أكثر من 100 مستوطنة جديدة [بما في ذلك البؤر الاستيطانية] في الضفة الغربية، و15 منها في منطقة جنين وحدها. الأمر لا يقتصر على العودة إلى المستوطنات الأربع التي تم تفكيكها عام 2005، بل هو شيء أكبر بكثير”. وتابع إتكس: “ما نراه هو بناء مستوطنات بين جنين والقرى المحيطة بها. تسمى إحدى المستوطنات المخطط لها، جنوب شرق جنين، ‘نوعا’. وهناك أيضًا مستوطنتان شرق جنين، غانيم وكاديم، اللتان تم تفكيكهما في السابق“.

وأضاف: “في الأسبوع الماضي فقط، أُقيمت بؤرة استيطانية جديدة تسمى ‘عميق دوتان’ غرب عرابة [وهي قرية تقع جنوب غرب جنين]، فيما يُتوقع أن يشكل ضربة قاصمة للقرية. مثل هذه البؤر الاستيطانية تمتلك أسوأ السجلات من حيث جلب المستوطنين الأكثر عنفًا وتطرفًا إلى المنطقة لإرهاب السكان المحليين، وهذا ما يُرجح أن نشهده في جنين أيضًا”.

ووفقًا لإتكس، فإن مشاريع البنية التحتية الجديدة تعيد أيضًا تشكيل المنطقة المحيطة بجنين، حيث قال: “إنهم يشقون طرقًا باتجاه سيلة الحارثية واليامون، شمال غرب جنين” حيث يجري التخطيط لإنشاء عدة مستوطنات هناك. وأردف: “تُبنى هذه الطرق كممرات لوصول المعدات والبنية التحتية وستكون على الأرجح مسارات مستقبلية للمستوطنين”. وخلص إتكس إلى أن “الهدف هو تعزيز المستوطنات القائمة بالفعل على طول هذه الطرق، ومحاصرة جنين فعليًا وعزلها عن محيطها الريفي المباشر. وهي أساليب مألوفة لدينا من أنماط التوسع الاستيطاني في أماكن أخرى“.

هذه القطعة هي كل ما تبقى لنا

وصف جهاد قبها، الذي يمتلك قطعة أرض تبلغ مساحتها 750 مترًا مربعًا في منطقة الجابريات المستهدفة بأمر المصادرة، هذه الخطوة بأنها جزء من حملة قمع إسرائيلية أوسع نطاقًا في الضفة الغربية تجري تحت غطاء الحرب في غزة. وقال لمجلة “+972”: “تقطع الحواجز أوصال الضفة الغربية. هناك مصادرة للأراضي وتوسع استيطاني في كل مكان”. وأضاف أن السكان يلمحون الجرافات الإسرائيلية وهي تعمل في سيلة الحارثية واليامون، وكذلك في عرابة.

قوات الأمن الإسرائيلية عند حاجز على مدخل مخيم جنين حيث ينتظر فلسطينيون لاستعادة أمتعتهم من منازلهم بعد نزوحهم عقب عملية عسكرية استمرت عامًا ونصف.

من المعروف أنه يصعب الطعن في أوامر المصادرة العسكرية أمام المحاكم الإسرائيلية. ووفقًا لأمير داود، المسؤول الرفيع في هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، فإن إجراءات الاستئناف تعمل في المجمل كإجراء شكلي بحت. وقال داود لمجلة “+972”: “إن الاعتراض على أوامر المصادرة العسكرية يتم داخل النظام القانوني نفسه الذي أصدر الأمر، وليس أمام هيئة مستقلة ونزيهة. فالقائد العسكري هو السلطة المخولة بإصدار أوامر المصادرة تحت ذريعة ‘الاحتياجات الأمنية’، في حين أن المحاكم العسكرية وحتى المحكمة العليا الإسرائيلية تنظر عمومًا إلى هذه الأوامر من منظور ‘المصلحة الأمنية’ كما يحددها الجيش نفسه، وليس من منظور حقوق السكان الذين يعيشون تحت الاحتلال”.

تُمنح السلطات الإسرائيلية صلاحيات تقديرية واسعة للاعتماد على مواد سرية أو ادعاءات أمنية، يعجز الفلسطينيون، كما أوضح داود، عن دحضها بشكل فعال. وأضاف داود: “في معظم الحالات، لا تبحث المحاكم في الشرعية الأساسية لمصادرة الأراضي تحت الاحتلال، بل تكتفي بمراجعة مدى ‘معقولية’ الإجراء وشكله الإداري. هذا الأمر يجعل إلغاء مثل هذه الأوامر نادرًا للغاية، ويحوّل عملية الاعتراض إلى أداة لتوفير غطاء قانوني لقرارات قد اتُّخذت بالفعل في واقع الأمر”.

وفي أمر المصادرة الذي استهدف منطقة الجابريات، منحت السلطات الإسرائيلية أصحاب الأراضي مهلة أسبوع واحد فقط لتقديم الاعتراضات. وعقّب قبها على ذلك قائلًا: “قالوا إن لدينا الحق في الاحتجاج وتقديم شكوى. إذن هم مستعدون للجوء إلى الإجراءات القانونية، وقد يستمعون، لكن الأمر برمته يثير الغضب. ماذا يعني إعطاؤنا أسبوعًا واحدًا فقط للاعتراض؟”. وأضاف: “نحن، كأصحاب أراضٍ، لم نقدم اعتراضًا بشكل شخصي، لكن التنسيق المدني الفلسطيني قال إنه سيقدم شكوى بخصوص هذه الأراضي. نأمل أن يكون هناك أي بند قانوني يمكننا الاعتماد عليه”.

مشهد للدمار الناجم عن عملية عسكرية إسرائيلية في مدينة جنين بالضفة الغربية في 14 يناير/ كانون الثاني 2026.

بالنسبة للعديد من السكان، تمثّل الأرض آخر الأصول القيمة المتبقية لهم بعد أن فقدوا منازلهم ومصادر رزقهم إثر سيطرة إسرائيل على مخيم جنين، أو في ظل الضائقة الاقتصادية والسياسية الأوسع نطاقًا.

ورث محمود أبو عيطة (24 عامًا) جزءًا من الأرض في الجابريات مع أشقائه بعد وفاة والدهم، كما فقدت عائلته منزلها في مخيم جنين. وحيال ذلك قال: “نحن في حالة صدمة. هذه القطعة هي الشيء الوحيد المتبقي لنا بعد هدم منزلنا في المخيم. لا يمكننا تحمّل تكاليف الاستمرار في الاستئجار [في جنين]؛ كنا نريد البناء”.

أما علياء محمد محمود يحيى، وهي أرملة تبلغ من العمر 56 عامًا من قرية كفر راعي، فتمتلك قطعة أرض تبلغ مساحتها 829 مترًا مربعًا تشملها أيضًا أوامر المصادرة. وقالت لمجلة “+972” وهي تقف بالقرب من أرضها: “بعد وفاة زوجي، كانت هذه الأرض هي الشيء الوحيد الذي تمسكت به من أجل أطفالي. والآن نشعر أننا قد نفقدها أيضًا. من سيعوضنا؟”.

وردًا على طلب مجلة “+972” للتعليق، أرسل المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي البيان التالي: “كجزء من التنظيم المكاني للجيش الإسرائيلي في شمال السامرة ووفقًا للاعتبارات العملياتية، تقرّر إنشاء نقطة عسكرية استيطانية في جنين. ويجري إنشاء هذه النقطة وفقًا للأحكام القانونية الملزمة في هذا الشأن، وقد نالت جميع الموافقات المطلوبة داخل الجيش الإسرائيلي وخارجه”.

المصدر: +972

علاماتاتفاقية أوسلو ، اسرائيل دولة الاحتلال ، الانتهاكات الإسرائيلية ، الحرب على الضفة الغربية ، الضفة الغربية المحتلة
مواضيعالاحتلال الإسرائيلي ، الضفة الغربية ، القضية الفلسطينية ، ترجمات

قد يعجبك ايضا

سياسة

“مناخ الحريات الحالي يؤسس لحياة سياسية في سوريا”.. حوار مع جورج صبرة

علي مكسور٣٠ مايو ٢٠٢٦
سياسة

حرب إيران أعادت تشكيل منطقة الخليج

أمير هنجاني ٢٩ مايو ٢٠٢٦
سياسة

تركيا: المنقذ غير المتوقع لحلف الناتو؟

بارين كايا أوغلو٢٩ مايو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑