على مدى قرنٍ من الزمن (661م – 750م)، احتل الأمويون مكانة محورية في تاريخ العالم بعدما بسطوا سيادتهم من سواحل الأطلنطي غربًا حتى تخوم آسيا الوسطى شرقًا، وفي خضم هذا المد الجغرافي، شيد الأمويون صرح دولةٍ عصرية بمقاييس زمانهم، فأرسوا نظامًا نقديًا متطورًا، وقادوا مشروعًا تاريخيًا لتعريب الدواوين، محولين الخلافة إلى قوة اقتصادية وسياسية.
لكن بينما كانت الدولة في قمة مجدها، كانت تصدعاتها الداخلية تتعمق سياسيًا واجتماعيًا، فلم يكن سقوطها عام 750م نتاج إخفاق مفاجئ، بل كان بسبب تضافر عوامل عدة، بدءًا من النزاعات الداخلية في البيت الأموي والصراعات القبلية، وصولًا إلى تصاعد حدة المعارضات الفكرية والثورات التي نهشت جسد الدولة.
تمزق البيت الأموي
شهدت العقود الأخيرة من الحكم الأموي صراعات محتدمة داخل البيت الحاكم بسبب غياب آلية مستقرة لانتقال السلطة، وبوفاة الخليفة هشام بن عبد الملك، انكشفت الانقسامات بشكل أكبر داخل الأسرة الأموية، وتحولت بلاد الشام إلى ساحة صراع داخلي عُرف بالفتنة الثالثة.
وصلت الأزمة ذروتها بمقتل الخليفة الوليد بن يزيد، وهي الحادثة التي عصفت بهيبة الخلافة وزعزعت جلالها في نفوس الرعية والجند، وأدخل هذا الاغتيال الأسرة الأموية في صراع داخلي مرير مزق أوصالها، وأوهن قبضة السلطة المركزية بصورة غير مسبوقة.
يمكن القول إن زوال هيبة الحكم الأموي بدأت منذ صراع الأخوة على الخلافة، وظهور بوادر الانقسام والتحزب داخل البيت الأموي، فبعد أن كانوا حزبًا واحدًا ضد كل من يريد انتقاص سيادتهم وأخذ خلافتهم، أصبحوا أحزابًا يعمل كل واحد من أجل تدمير الحزب الآخر.
كما يحتل الحديث عن ترف الأمويين وانغماسهم في الملذات وهدر الأموال مساحة عند العديد من المؤرخين، حيث اقترن ذكر بعض الخلفاء في كثير من المصادر بصور الانغماس في الترف، ويرسم الدكتور علي الصلابي في كتابه “الدولة الأموية: عوامل الازدهار وتداعيات الانهيار”، صورة لهذا الواقع، موضحًا أن حياة الأمويين اتسمت بلونٍ من البذخ في سكناهم وفي لباسهم وفي عطائهم ونفقاتهم.
العصبية القبلية
اعتمدت الدولة الأموية في بدايتها على التحالفات القبلية كركيزة أساسية لتثبيت أركان حكمها، وقد برع معاوية بن أبي سفيان في احتواء تلك الصراعات القبلية، إلا أن خلفاء بني أمية المتأخرين انتهجوا سياسات انحياز قبلي تصاعدت تدريجيًا، حتى امتد تأثيرها على كافة الأقاليم وإلى سائر مساحات الحياة الإدارية والسياسية والاقتصادية، فكانت أحد العوامل الخطيرة في تدمير الوجود الأموي في نهاية الأمر.
ويرى الصلابي في “الدولة الأموية”، أن سقوط الدولة كان نتيجة “خطيئة قاتلة” ارتكبها العديد من خلفاء بني أمية، وتجلت في إذكاء نيران العصبية القبلية عبر الانحياز لفئة دون أخرى، وهذا الانقسام شطر الحاضنة الشعبية في بلاد الشام إلى معسكرين متناحرين، القيسية (عرب الشمال) واليمانية (عرب الجنوب).
وفي الواقع، أصبح التنافس القبلي بين القيسية واليمانية المحرك الأساسي لاختيار الخلفاء أنفسهم في أواخر عهد الدولة الأموية، فبينما اعتمد يزيد الثالث على دعم اليمانية، اعتمد مروان الثاني على القيسية.
المعارضة الفكرية والشرعية
بدأت بذور الصراع الفكري والسياسي مع محاولة الأمويين إعادة هندسة السلطة عبر اعتماد مبدأ ولاية العهد منذ عام 60هـ/679م. هذا التحول السياسي كان المطلب الأول الذي استهدفته سهام المعارضة بمختلف أطيافها، إذ اعتبره المعارضون خروجًا عن الشورى، مما أوجد أزمة شرعية رافقت الدولة في معظم مراحلها وصارت وقودًا للعديد من الثورات اللاحقة.
ويرى الصلابي أن استشهاد الحسين بن علي كان المنعطف الأهم في تاريخ المعارضة الفكرية للحكم الأموي.
إذ لم يقتصر أثر هذه الحادثة على إذكاء التشيع في نفوس الشيعة وتوحيد صفوفهم، بل ترجع أهمية هذه الحادثة إلى أن التشيع كان قبل مقتل الحسين مجرد رأي سياسي، فلما قتل الحسين، أصبح التشيع عقيدة راسخة. كما لم يقتصر التمايز الفكري والعقدي بين أهل السنة والشيعة بعد مقتل الحسين، بل إن الشيعة قد انقسموا على أنفسهم، وافترقوا بعد مقتل الحسين إلى فرق.
ومنذ عام 670 ميلاديًا، شهدت الكوفة عددًا من الحركات التي هدفت إلى الإطاحة بالأمويين وتعيين أحد أقارب علي بن أبي طالب، واتخذت المعارضة الشيعية من الكوفة مركزًا لها، ومع الوقت تطور هذا التيار ليشمل معتقدات فكرية وسياسية.
وبالتوازي مع الحراك الشيعي، برز الخوارج كقوة ثورية رفضت النموذج الأموي جملة وتفصيلًا، وبلغت حركتهم ذروتها في عهد عبد الملك بن مروان، حيث انتشرت فرقهم (كالأزارقة والنجدات والسفرية والإباضية) في أرجاء الإمبراطورية، من اليمامة والبصرة إلى الموصل وعُمان، ورغم النجاحات العسكرية الأموية في قمع انتفاضات الخوارج، إلا أنها تسببت في استنزاف دائم لموارد الدولة وقواتها.
وتحولت هذه التراكمات التاريخية (وعلى رأسها استشهاد الحسين) إلى أدوات شحن عاطفي قوي ضد الأمويين استغلتها الدعاية العباسية في ضم الأنصار وترتيب صفوف الحركة.
تآكل الأطراف وبداية الانحسار الجغرافي
بدأ العد التنازلي لسقوط الخلافة الأموية من الأقاليم البعيدة نتيجة بعض السياسات المالية، ففي خراسان اندلعت ثورات مبكرة (734-746م) بقيادة الحارث بن سريج احتجاجًا على السياسات الضريبية ومنها إعادة فرض ضريبة الرؤوس على الموالي. وبالتزامن مع ذلك، شهد عام 740م انفجار “الثورة البربرية” في شمال أفريقيا، والتي أدت إلى خروج أجزاء واسعة من المغرب عن السيطرة الأموية.
وفي خراسان استغلت الحركة العباسية حالة الغليان الشعبي الناتجة عن المظالم المالية، ونجحت في كسب تأييد الموالي الناقمين. وبسبب البُعد الجغرافي لخراسان وانشغال الخليفة مروان الثاني بالصراعات الداخلية المحتدمة في العراق وسوريا، عجزت السلطة المركزية عن احتواء هذا الخطر المتنامي في الشرق.
وفي غضون سنوات قليلة من محاولة مروان بن محمد استعادة السيطرة على الولايات الوسطى، واجه ثورة عباسية منظمة انطلقت من خراسان بقيادة أبو مسلم الخراساني، وبسبب المشاركة الواسعة للموالي، إلى جانب التنظيم المحكم للثورة العباسية، تمكنت القوات العباسية من تحقيق انتصارات متتالية على الجيوش الأموية التي مزقتها الانقسامات، ولتُتوج هذه الانتصارات في معركة الزاب الفاصلة عام 750م، حيث هُزم مروان بن محمد وأُسدل الستار نهائيًا على الخلافة الأموية.
الجباية القسرية
اعتمد اقتصاد الدولة الأموية على نظام ضريبي شمل الخراج (ضريبة الأرض)، وضريبة الرؤوس، إلى جانب ضرائب عينية ونقدية أخرى، غير أن هذا النظام واجه تحديات متزايدة في أواخر الدولة الأموية، حيث لم تنجح السلطة في مواءمة سياساتها المالية مع التحولات الديموغرافية الناتجة عن دخول أعداد كبيرة من السكان في الإسلام.
وكما يروي عمر أبو النصر في كتابه الحضارة الأموية العربية في دمشق، فإن العقد الممتد بين عامي 715 و724م مثل منعطفًا حاسمًا في تاريخ الدولة الأموية، إذ أدت التحولات الديموغرافية، وانتشار الإسلام بين السكان المحليين (الموالي)، إلى تراجع العائدات الضريبية التي كانت تعتمد على غير المسلمين.
وشهد العهد الأموي، لا سيما في فترة عبد الملك بن مروان، تصاعدًا ملحوظًا في الأعباء المالية، حيث زيدت الجزية بمقدار ثلاثة دنانير للفرد، وفُرضت ضرائب استثنائية أرهقت كاهل الرعية، وقد تفاقمت هذه الأزمة بسبب ممارسات بعض الولاة الذين اتخذوا من مناصبهم وسيلة للإثراء والاتجار.
كما ظهرت أولى علامات الخلل المالي مع حدوث انحرافات في تحصيل “الخراج” بدأت بفرضه على أراضٍ كانت مستثناة بنصوص معاهدات الصلح. كذلك في العقود الأخيرة من الحكم الأموي، حاولت الدولة تعويض العجز المالي عبر التوسع الكبير في تطبيق ضريبة الرؤوس.
ويوضح الصلابي في “الدولة الأموية”، أن هذه الإجراءات الضريبية التي رافقها استخدام العنف في التحصيل، حولت النظام الضريبي من أداة لبناء الدولة إلى وقود للثورات ضدها.
الطواعين الجارفة
لم تقف التحديات عند هذا الحد، بل تزامنت هذه الضغوط المالية مع موجات من الطواعين المتكررة التي أثرت تأثيرًا كبيرًا في الدولة. ولعل من الدراسات الجديرة بالاهتمام تلك التي قام بها الدكتور أحمد العدوي وقدم فيها رؤية جديدة عن سقوط الدولة الأموية، مرجحًا فيها نظرية التغيير الديموغرافي من خلال الطواعين الجارفة والأمراض المميتة كعامل جوهري في سقوط الأمويين.
فهذه الطواعين تسببت في نقص الجند والمقاتلة ولاسيما العرب الذين تعتمد عليهم الدولة بشكل أساسي. ويستمر العدوي في إيراد التحليلات التي تؤيد نظريته قائلًا: اختار الثوار العباسيون الوقت الملائم لإعلان ثورتهم في طاعونين كبيرين أصابا الشام والعراق بين عامي 127 وعام 131هـ، ويذهب العدوي إلى أبعد من ذلك، إذ يقول إن طاعون عام 131هـ حرم مروان بن محمد آخر الخلفاء الأمويين من إرسال المدد إلى واليه على خراسان ليوقف زحف العباسيين.
تدوين التاريخ تحت ظلال المنتصر
لم يواجه العباسيون دولة متماسكة، بل استفادوا من تلك الشقوق القائمة التي أضعفت بني أمية، وبسقوط العاصمة دمشق في 750م، طُويت صفحة امتدت لنحو قرن من الحكم الأموي، غير أن إرثها السياسي والفكري لا يزال يثير الجدل حتى اليوم.
لم يكن سقوط الدولة الأموية مجرد انتقال سياسي للسلطة، بل كان عملية إبادة ممنهجة للوجود الأموي، بدأت بمذابح دموية، أبرزها “مذبحة نهر أبي فطرس”، حيث استدرج العباسيون الأمويون بوعود الأمان ثم قتلوهم بوحشية. وامتدت هذه التصفية لتشمل الرموز المادية والذاكرة المكانية، فُهدمت أسوار دمشق، ونُبشت مقابر الخلفاء كقبر هشام بن عبد الملك الذي تعرض جثمانه للجلد والحرق.
كما سعى العباسيون إلى محو الإرث البصري للأمويين عبر حذف أسمائهم من النقوش التأسيسية للمباني العظيمة، ومن أبرز الأمثلة ما قام به خلفاء بني العباس (مثل المهدي والمأمون) في إزالة أسماء مؤسسي الدولة الأموية من النقوش، كإزالة النقش التأسيسي في قبة الصخرة، حيث استبدل المأمون اسم عبد الملك بن مروان باسمه، كما جرت محاولات مشابهة في المسجد النبوي.
وبلغت محاولات تقويض الإرث الأموي ذروتها عام 211هـ، حين أصدر الخليفة المأمون كتابًا يقضي بلعن معاوية بن أبي سفيان، وعقاب كل من يذكر اسم معاوية بخير أو مدح، ويروي الطبري أن المأمون عزم على تعميم هذا الإجراء في كافة أرجاء الدولة عبر رسائل بعث بها إلى ولاته يأمرهم بلعن معاوية في خطب الجمعة، لكن مستشاري المأمون ثنوه في نهاية المطاف عن مشروعه، خشية أن تُثير هذه المبادرة سخطًا شعبيًا.
في الواقع، تشكلت في العصر العباسي صورة سلبية عن الأمويين، صورتهم كـ ملوك انغمسوا في الترف والخمر، واتهمتهم بتحويل الخلافة إلى ملك وراثي مستبد على النهج البيزنطي والساساني. وقد نقل هذه الانتقادات مؤرخون وأدباء مثل الجاحظ في بعض رسائله، والطبري في تاريخ الرسل والملوك، والمقريزي في كتابه عن النزاع والتخاصم فيما بين بني أمية وبني هاشم، ويمكن تصنيف هذه المآخذ في ثلاث فئات، ما يتعلق بماضي الأمويون، وتوليهم الخلافة، وممارستهم للسلطة.
ويرى الدكتور الصلابي أن تاريخ الدولة الأموية تعرض لهجمة شرسة من قبل خصومه وأعدائه، وحاولوا طمس كل ما لهم من فضائل وإيجابيات وتوسعوا في ذكر السلبيات وافتري عليهم الكذب، فنسب لهم ما لم يكن منهم، ويعود ذلك إلى أن كتابة التاريخ إنما كانت في عهد خصومهم السياسيين من بني العباس من جهة.
ومن جهة ثانية فإن هذه الكتابة كانت بأيد شيعية لا تعرف الإنصاف ولا العدل ولا تتكلم بعلم ولا معرفة، وقد تحدث الدكتور حمدي شاهين في كتابه “الدولة الأموية المفترى عليها” عن أسباب تزوير التاريخ الأموي، ومناهج المؤرخين في كتابتها.
ويتفق العديد من الباحثون اليوم على صعوبة دراسة الدولة الأموية نظرًا لضياع مصادرها المعاصرة قبل القرنين التاسع والعاشر، واعتمادنا شبه الكلي على مرويات كتبت في العراق العباسي بعد قرنٍ من سقوط دمشق. وبسبب هذه الفجوة الزمنية وطبيعة المصادر المتحيزة أحيانًا، يظل الأمويون باعتبارهم أول سلالة حاكمة تحملت أثقل الأعباء التاريخية في جدلية مستمرة.