ترجمة وتحرير: نون بوست
في 28 فبراير/ شباط 2026، شنت الولايات المتحدة وإسرائيل غارات جوية على إيران. وفي غضون ساعات قليلة، اهتز توازن الطاقة العالمي بأسره. أُغلق مضيق هرمز – ذلك الممر البحري الضيّق الذي يعبر منه خُمس الاستهلاك العالمي من النفط – ليتحوّل إلى فخ محكم الإغلاق. وبعد مرور ستة أسابيع، أدرك العالم وسط حالة من الصدمة مدى هشاشته وضعفه بسبب تبعيته لنفط الخليج.
اختفاء 11 مليون برميل يومياً
وفقاً للوكالة الدولية للطاقة، تسببت الحرب في حجب حوالي 11 مليون برميل يومياً من إمدادات النفط العالمية بحلول أواخر شهر مارس/ آذار. لإدراك حجم الصدمة، يكفي أن نتخيل أن إنتاج المملكة العربية السعودية بأكمله قد تبخر بين عشية وضحاها.
لم تتأخر التداعيات على الأسعار، بل جاءت فورية وقاسية. قفز سعر برميل خام برنت، الذي كان يحوم حول 60 دولاراً في يناير/ كانون الثاني، ليتجاوز عتبة 119 دولاراً في مارس/ آذار. وباتت التوقعات الأكثر تشاؤماً تتحدث الآن عن احتمال بلوغ ذروة قياسية تصل إلى 150 دولاراً للبرميل إذا ما استمر إغلاق المضيق.
وفي غضون ذلك، تسرب الذعر إلى أروقة الحكومات ودوائر صنع القرار، لا سيما في القارة الآسيوية. دقت منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ناقوس الخطر، مشيرة إلى أن بعض الدول الآسيوية تستورد أكثر من 80 بالمائة من احتياجاتها من الطاقة، وتعتمد في ذلك بشكل كبير على الشرق الأوسط.
وتُعد اليابان وكوريا الجنوبية من بين الدول الأكثر عرضة للخطر. فالإغلاق المطول للمضيق لن يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار فحسب، بل سيؤدي إلى نقص فعلي في الإمدادات، وتوقف المصانع عن العمل، وانهيار سلاسل التوريد.
صمود صيني مذهل
وسط هذه الفوضى العارمة، برزت دولة واحدة كاستثناء ملفت للنظر. فالصين، رغم كونها المستورد الأول للنفط في العالم، تبدو وكأنها تعبر هذه العاصفة الهوجاء بهدوء مثير الحيرة. فكيف يمكن تفسير هذه المعجزة؟
أولا، من خلال بُعد النظر الاستراتيجي. راكمت بكين احتياطيات استراتيجية هائلة، تُقدر بنحو 1.2 مليار برميل من النفط الخام المخزن على أراضيها، وهي كمية تكفي لتغطية وارداتها لمدة أربعة أشهر كاملة.
ثانيا، من خلال التنويع. صحيح أن الصين كانت المشتري الرئيسي للنفط الإيراني الخاضع للعقوبات (حوالي 138 ألف برميل يومياً)، إلا أنها في الوقت ذاته مستهلك وفي للنفط الروسي. ومنذ اندلاع الحرب، قفزت الواردات الصينية من النفط الروسي بنسبة 86 بالمائة، لتصل إلى 824 ألف برميل يومياً.
وأخيراً، وهو العامل الأهم على الإطلاق، الهيكلة الفريدة لقطاع الطاقة الصيني. على النقيض من معظم الاقتصادات المتقدمة، تعتمد الصين على النفط بنسبة ضئيلة جداً لإنتاج الكهرباء ، بينما يغطي الفحم ومصادر الطاقة المتجددة الجزء الأكبر من احتياجاتها. في الواقع، لا يمثل النفط سوى 4 بالمائة فقط من إنتاج الكهرباء في الصين، مقارنة بنسبة تتراوح بين 40 و50 بالمائة في بقية دول آسيا.
النتيجة هي أن تأثيره على نمو الاقتصاد الصيني لم يتجاوز وفقاً لتقديرات بنك “غولدمان ساكس” 0.2 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي، مقارنة بـ 0.4 نقطة مئوية في الولايات المتحدة، وما يصل إلى 0.7 نقطة مئوية للاقتصادات الآسيوية الأخرى.
الثوريوم.. سلاح الصين الفتّاك
لم تكتفِ الصين بالصمود، بل تسعى إلى الاستباق، وهنا يبرز دور “الثوريوم”.
منذ سنوات طويلة، تعكف بكين بصمت تام على تطوير تكنولوجيا ثورية وغير مسبوقة، لطالما وُصفت بأنها “تحدٍ تكنولوجي مستحيل”: مفاعل الثوريوم بالملح المنصهر.
فكرة هذا المفاعل بسيطة للغاية. عند تعريض “الثوريوم 232” للنيوترونات داخل حمام من الملح المنصهر، يتحوّل إلى “يورانيوم 233″، وهو وقود نووي فعّال. ويُستخدم الملح المنصهر، الذي تُرفع درجة حرارته إلى أكثر من 600 درجة مئوية، كوقود وناقل للحرارة في آنٍ واحد.
الأهم من ذلك كله، أن هذا المفاعل يعمل بالضغط الجوي الطبيعي، ولا يتطلب كميات هائلة من المياه لتبريده، خلافاً لمحطات الطاقة النووية التقليدية. وبالتالي، لم تعد هناك حاجة لبناء المفاعلات على السواحل، بل بات بالإمكان تشييد هذه المفاعلات الجديدة في قلب صحراء “غوبي” القاحلة.
هذه القفزة التكنولوجية لا تثبت الجدوى التقنية لمفاعلات الثوريوم فحسب، بل تمهد الطريق لتطوير مفاعلات أكثر قوة لإنتاج الكهرباء. كفاءة مفاعل الثوريوم عالية جدا، إذ يمكن لطن واحد من الثوريوم أن يولد طاقة تعادل ما ينتجه 200 طن من اليورانيوم أو 3.5 مليون طن من الفحم.
وتتربع الصين على عرش أكبر احتياطيات الثوريوم في العالم، والتي تُقدر بأكثر من 1.4 مليون طن. ويكفي مجمع “بايان أوبو” للتعدين في منطقة منغوليا الداخلية لتلبية احتياجات البلاد من الطاقة لمدة ألف عام.
ثورة جيوسياسية
يتجاوز الرهان مجرد الإنجاز التقني. إذا نجحت الصين في تحويل هذه التكنولوجيا إلى صناعة واسعة النطاق، فإنها ستضرب أصل المشكلة التي تجعلها هشة ومكشوفة اليوم، وهي اعتمادها على واردات النفط التي تمر عبر المضائق ومناطق النزاعات.
يعني الثوريوم الاستقلال التام في مجال الطاقة، ونهاية الخوف من إغلاق مضيق هرمز، والقدرة المطلقة على رفض أي ابتزاز أو عقوبات.
كما توفر مفاعلات الملح المنصهر مزايا حاسمة في مجال السلامة: لا يمكن أن تدخل في حالة انصهار، وتُنتج نفايات مشعة طويلة الأمد بكميات أقل بنحو 100 إلى 300 مرة من تلك التي تنتجها المفاعلات التقليدية، وتصبح النفايات خاملة في غضون بضع مئات من السنين، وليس آلاف السنين.
يمكن لمفاعلات الثوريوم أن تعوّض نصف محطات توليد الطاقة التي تعمل بالفحم في الصين، وهي خطوة من شأنها أن تخفض وارداتها بمقدار 300 مليون طن سنوياً. ولن يقتصر أثر هذا التحول على تعزيز استقلالها وأمنها في مجال الطاقة فحسب، بل سيسهم أيضاً في الحد من انبعاثات الغازات الدفيئة في المنطقة بشكل كبير.
في شهر أكتوبر/ تشرين الأول 2023، بلغ المفاعل التجريبي (TMSR-LF1) – الذي تبلغ قدرته 2 ميغاوات – المرحلة الحرجة الأولى (بدء التفاعل الانشطاري المتسلسل) في صحراء غوبي. وبحلول يونيو/ حزيران 2024، كان المفاعل يعمل بكامل طاقته.
وفي أبريل/ نيسان 2025، أعلن العلماء الصينيون عن نجاحهم بإجراء أول عملية إعادة تزويد بالوقود دون إيقاف تشغيل المفاعل، في سابقة هي الأولى من نوعها عالمياً. وتخطط بكين لتدشين مفاعل بقدرة 10 ميغاوات بحلول عام 2030، تليه عدة محطات بقدرة 100 ميغاوات بحلول عام 2035.
درس قاسٍ للغرب
في الوقت الذي تمضي فيه الصين قُدماً بخطى ثابتة، تقف الولايات المتحدة وأوروبا موقف العاجز أمام ارتفاع فواتير النفط وتراجع الاقتصادات.
لجأت بعض الدول إلى احتياطياتها الاستراتيجية، لكن هذه الاحتياطيات غير كافية لمواجهة أزمة طويلة الأمد. أما الدعوات إلى ضرورة استخراج المزيد من النفط، فتصطدم بواقع صناعة عانت من نقص حاد في الاستثمارات لسنوات طويلة.
مع انطلاق السباق نحو الثوريوم، كان الدرس قاسياً: بينما كان الغرب يستنزف موارده لتأمين إمدادات النفط عبر الحروب والعقوبات، كانت الصين تعمل في صمت على إيجاد الحل الجذري الذي سيجعل النفط جزءا من الماضي.
والمفارقة هنا، أن الولايات المتحدة كانت قد بدأت بمحاولة تطوير هذه التقنية في الماضي، ثم تخلت عنها لسبب بسيط، وهو أن الثوريوم لا يسمح بإنتاج البلوتونيوم الضروري لتطوير ترسانتها من الأسلحة النووية. واليوم، ها هي بكين تقطف ثمار بُعد نظرها.
وبينما تتجه أنظار العالم بقلق إلى السواحل الإيرانية ومضيق هرمز، آملاً بانفراجة تعيد أسعار النفط إلى مستويات معقولة، توجه الصين أنظارها نحو مكان مختلف تماماً. تنظر بكين إلى الداخل، نحو مناجم الثوريوم وصحاريها الشاسعة.
وهي تدرك أنه في خضم حرب الطاقة، من يستطيع أن يبتكر عالم الغد هو الفائز دائمًا.
المصدر: لو ديبلومات