بعد وقت قصير على دخول التهدئة حيّز التنفيذ، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي في 18 أبريل/نيسان تدشين ما سمّاه “الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان.
لم يكن هذا الخط واردًا في نص الاتفاق لكنه لم يكن أيضًا وليد تلك اللحظة، إذ كانت قوات الاحتلال قد بدأت منذ أسابيع ترسم شريط سيطرة ميدانيًا داخل الجنوب، قبل أن تمنحه الهدنة اسمًا إسرائيليًا واضحًا وتحوّله إلى أداة لمنع العودة وفرض وقائع جديدة على الأرض.
فمنذ انخراط حزب الله في المواجهة بعد الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران، بدأت قوات الاحتلال بالتقدم والتموضع وفرض واقع ميداني جديد على طول أجزاء من الجنوب، من دون أن تكشفه بهذا الاسم علنًا.
أما وصفه بـ”الخط الأصفر” فيحمل بعدًا أخطر، فهو الاسم نفسه الذي استخدمه جيش الاحتلال في غزة لتمييز منطقة سيطرته داخل القطاع، ما يشير إلى نية نقل هذا النموذج إلى لبنان.
ما قصة الخط الأصفر؟
ظهر مصطلح “الخط الأصفر” مع إعلان جيش الاحتلال خلال الهدنة عن تشغيل خط مضاد للدروع داخل لبنان يبدأ شرقًا من محيط الخيام، يمر عبر الطيبة وبنت جبيل، ثم يمتد غربًا عبر التلال المشرفة إلى منطقة رأس البياضة/رأس الناقورة.
ولا يملك الخط الأصفر في الجنوب عمقًا ثابتًا، إذ تتحدث التصريحات العبرية عن شريط متغير العمق يمتد بين 6 و10 كيلومترات من الخط الأزرق الدولي.
وتقل المسافة في الأماكن القريبة من الساحل (حيث القرى أقل بعدًا عن الحدود) وتزداد في القطاعات الوسطى التي تضم التلال المرتفعة.
وهذه المرة الأولى التي يستخدم فيها جيش الاحتلال هذا المصطلح خارج غزة، إذ كان يقتصر سابقًا على الخرائط العسكرية في القطاع.
في غزة، شكّل الخط الأصفر خط انسحاب أبقى قوات الاحتلال في منطقة عازلة يصل عمقها في بعض المواضع إلى نحو 7 كيلومترات وتقدم مساحتها بنحو 60 ٪ من مساحة القطاع.
وتكمن الخطورة في أن منطقة السيطرة الجديدة في لبنان تضم ما لا يقل عن 55 قرية وبلدة، أي أن سكان هؤلاء تلك المناطق لن يتمكنوا من العودة إليها.
لفهم الخط الأصفر لا بد من التمييز بين الخطوط المختلفة التي رسمها الاحتلال والاتفاقيات الدولية والأممية:
- الخط الأزرق: رسمته الأمم المتحدة عام 2000 لتأكيد انسحاب “إسرائيل” من لبنان، ولا تعترف به بيروت كحدود، بل كخط وقف إطلاق نار، ويمتد بطول الحدود من رأس الناقورة غربًا إلى مزارع شبعا شرقًا.
- الخط الأحمر: خط أول قريب من الحدود يضم معظم القرى المحاذية التي دمر الاحتلال أو جرّف غالبيتها واعتبرها منطقة عازلة.
- الخط الأصفر: يمثل خط منع النيران المباشرة والمضادة للدروع، وتتمركز قوات الاحتلال فيه عند نقاط عالية للتحكم في مسالك القرى، ويُسمح لها بالتحرك وتدمير المنازل والبنى التحتية داخل هذا الشريط.
- خط الليطاني: خط افتراضي أوسع يمتد إلى نهر الليطاني، نحو ثلاثين كيلومترًا داخل الأراضي اللبنانية ويعد في التصور الإسرائيلي خطا أوسع للسيطرة بالنار والمراقبة، مع نية لاحتلال هذه المنطقة.
ما أهداف الخط الأصفر؟
تُقدّم قيادة الاحتلال الخط الأصفر باعتباره “خطوة عسكرية ضرورية” لضمان سيطرة نارية وتحكم ومراقبة. وتقول صحيفة “يديعوت أحرونوت”، إن هذا الخط يهدف إلى منع حزب الله من إطلاق الصواريخ المضادة للدروع على التجمعات في الجليل.
وتوضح أن وحدات المدرعات والمشاة تتمركز على طول نقاط الحدود المرتفعة وتعمل على تدمير المنازل والبنية التحتية داخل الشريط.
وخلال الهدنة، أعلن جيش الاحتلال أنه قتل عناصر من حزب الله اقتربوا من الخط وأكد أن “حرية العمل” داخل الشريط لا تقيدها شروط وقف إطلاق النار، وفق تعبيره.
وبدورها، نقلت شبكة CNN عن مسؤولين عسكريين أن الجيش “سيمنع سكان 55 قرية من العودة” وأن أيّ شخص يقترب سيعتبر هدفًا، في عدوان يحول الشريط فعليًا إلى منطقة عسكرية مغلقة تحتلها “إسرائيل” وتتحرك فيها بحرية.
لكن الأهداف الأعمق تتجاوز منع إطلاق النار، إذ تواصل قوات الاحتلال تدمير المنازل والبنى التحتية بشكل ممنهج وتمنع السكان من العودة وتفرض فراغًا سكانيًا في الشريط الحدودى.
وأشارت تقارير إسرائيلية إلى أن أي مقاتل يُعثر عليه داخل الشريط “يُطلب منه الاستسلام وإلا يقتل”، وهو عدوان يستحضر نموذج غزة.
ففي القطاع، أدى الخط الأصفر إلى تقسيم القطاع المحاصر إلى منطقتين، يسيطر الاحتلال على “المنطقة الشرقية” ويطلق النار على من يقترب من العلامات الصفراء (وفي كل أماكن القطاع)، بينما يتكدس السكان في المنطقة الغربية.
ووصف رئيس الأركان الإسرائيلي إيال زامير الخط الأصفر في غزة بأنه “خط حدودي جديد”. ولذلك تسود تقديرات بأن حديث المسؤولين الإسرائيليين عن شبيهه في لبنان بنفس اللغة يمهد لتحقيق ذات الهدف: إخلاء الشريط من السكان وفرض وقائع تتيح المساومة لاحقًا حول مصير الجنوب.
ويمتد هذا البعد إلى محاولة إعادة تشكيل الحدود نفسها، فبالعودة إلى تجربة الاحتلال في الثمانينيات والتسعينيات، كان “الشريط الأمني القديم يشمل منطقة بعمق 15‑25 كيلومترًا داخل لبنان عبر وكلاء من “جيش لبنان الجنوبي” المليشيات التي تشكلت بدعم إسرائيلي.
ويختلف الخط الأصفر الحالي في أدواته، فهو يعتمد على قوة إسرائيلية مباشرة وليس على مليشيا محلية، ويستخدم وسائل مراقبة حديثة وطائرات مسيّرة بدل الحواجز الثابتة. لكنه يشبه الشريط القديم في الوظيفة من ناحية خلق منطقة عازلة تمنع حزب الله من الوصول إلى الحدود، وترهن مستقبل القرى الحدودية لإرادة الاحتلال.
وتوحي التصريحات العسكرية الإسرائيلية بأن هذه المنطقة قد تتحول إلى ورقة ضغط في أي مفاوضات لاحقة، سواء بشأن تطبيق القرار 1701 أو حول التسويات الإقليمية. فالحديث عن الانسحاب إلى خط الليطاني يمثل إشارة إلى طموح أوسع يشمل شمال النهر ويهدف إلى تحييد حزب الله عن الشريط الحدودي.
وترتبط التحركات الإسرائيلية الجديدة بهوس السيطرة على نهر الليطاني بصفته محور ارتكاز لا غنى عنه في الحسابات الاستراتيجية لـ”تل أبيب”.
فخلال العدوان الأخير، ضاعف جيش الاحتلال إصدار إنذارات إخلاء عاجلة ومفتوحة زمنيًا لأكثر من 100 بلدة وقرية تقع جنوبي النهر، دافعًا بمئات الآلاف من السكان قسريًا نحو الشمال في موجة نزوح جماعية غير مسبوقة كشفت عن مسار مبيت لسلخ هذه البقعة الجغرافية عن محيطها اللبناني.
ولكن مع فشل اعتراض الصواريخ والمسيرات المنطلقة من الجنوب، يحاول الاحتلال تطبيق استراتيجية الأرض المحروقة في الليطاني لتهيئة مسرح عمليات بري متقدم وتحويل الضفة الجنوبية للنهر إلى مساحة رماية حرة خالية من الكثافة السكانية، ما يعوض الإخفاق الاستخباراتي والميداني.