• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

آبي أحمد.. الوكيل الإقليمي لمشروع أبوظبي في القرن الأفريقي

محمد مصطفى جامع٣ يونيو ٢٠٢٦

بعد شهرين فقط من مصادقة مجلس النواب الإثيوبي على تعيين آبي أحمد علي رئيسًا للوزراء عام 2018، خلفًا لهايلي ماريام ديسالين الذي استقال من رئاسة الائتلاف الحاكم والحكومة على وقع احتجاجات شعبية واسعة، فوجئ المراقبون للمشهد الإثيوبي المضطرب آنذاك بهبوط طائرة ولي عهد أبوظبي آنذاك، محمد بن زايد، في أديس أبابا منتصف يونيو/حزيران 2018. ولم يكن مبعث المفاجأة الزيارة بحد ذاتها فحسب، بل كونها المرة الأولى التي يزور فيها بن زايد دولةً إفريقية تقع جنوب الصحراء.

ورغم أن آبي أحمد لم يكن قد أمضى سوى شهرين في منصبه، انتهت الزيارة بإعلان حزمة دعم إماراتية بقيمة ثلاثة مليارات دولار. أُودع مليار دولار منها مباشرة في البنك المركزي الإثيوبي لإنقاذ احتياطي النقد الأجنبي الذي كان قد تراجع إلى مستويات تقل عن قيمة واردات شهر واحد، فيما خُصصت المليارا دولار المتبقية للاستثمار في قطاعات الزراعة والسياحة والطاقة المتجددة والعقارات.

واللافت أن الصور ومقاطع الفيديو التي وثقت الزيارة أظهرت رئيس الوزراء الإثيوبي الجديد وضيفه الإماراتي وكأنهما يرتبطان بعلاقة شخصية وثيقة تعود إلى سنوات طويلة. ومنذ تلك اللحظة، لم تبدُ أبوظبي مجرد ممول أو شريك اقتصادي، بل تحولت إلى راعٍ سياسي رافق صعود آبي أحمد في مختلف منعطفاته الكبرى، من حروبه المتعددة في أقاليم تيغراي وأمهرة وأوروميا، إلى طموحه نحو البحر الأحمر، مرورًا بإدارته لشبكة معقدة من التحالفات والتوترات الإقليمية مع إريتريا والصومال والسودان.

أكبر دفعة مالية لإثيوبيا في تاريخها

تجاوزت دلالات تلك الزيارة الجوانب البروتوكولية، حيث حرص آبي أحمد شخصيًا على قيادة السيارة البيضاء التي أقلّت بن زايد في جولة ميدانية بشوارع أديس أبابا، في تعبير رمزي عن تسليم مفاتيح التوجه الإستراتيجي الجديد للبلاد إلى العاصمة الإماراتية. وسمحت هذه السيولة النقدية الفورية لآبي أحمد بتفادي صدمات مرحلة الانتقال السياسي، وبدء بيع حصص في احتكارات الدولة الحيوية مثل قطاع الاتصالات والخطوط الجوية الإثيوبية، مما صنع مناخًا مواتيًا لتثبيت أركان حكمه.

وحزمة الدعم الإماراتي لآبي أحمد التي جاءت فور توليه السلطة عام 2018 لم تكن حدثًا معزولًا، بل كانت أكبر دفعة مالية فردية تتلقّاها إثيوبيا في تاريخها بعد الحرب الباردة، وجاءت في توقيت سياسي بالغ الحساسية: قائد جديد، قاعدة سلطة هشّة، واقتصاد كان على شفا أزمة عملة.

تمدّدت حزمة الدعم لاحقًا لعلاقة اقتصادية أوسع شملت التجارة والاستثمار والمساعدة العسكرية والسياسية. ففي عام 2023 صعدت الإمارات لتصبح رابع أكبر وجهة للصادرات الإثيوبية، وفي الوقت نفسه تحوّلت إثيوبيا بسوقها الذي يفوق 126 مليون نسمة إلى متلقٍّ متنامٍ للصادرات الإماراتية. هذا التشابك جعل الاقتصاد الإثيوبي أكثر ارتباطًا بأبوظبي، ومنحها نفوذًا يتجاوز المال إلى الهيمنة على صناعة القرار كما سنبين في هذا التقرير.

القيمة الحقيقية لهذا الغطاء تظهر في توقيته، وديعة المليار دولار جاءت حين كان الاحتياطي عند الحضيض والدعم تجدّد لاحقًا في ذروة حرب تيغراي حين كانت الخزينة منهكة والضغوط الغربية والعقوبات تتصاعد وقوات دفاع تيغراي قلبت المعادلة وتقدمت نحو أديس أبابا، عندها وفرت أبوظبي لآبي ما لم يكن الغرب مستعدًا لتقديمه: سيولةً بلا شروط حقوقية، ودعمًا عسكريًا تمثل في مئات الشحنات وغطاءً يسمح له بمواصلة خياراته دون الخضوع لإملاءات المانحين التقليديين.

ففي نوفمبر/تشرين الثاني 2021 بدت سلطة آبي أحمد على وشك الانهيار، كانت قوات تيغراي تتقدّم نحو أديس أبابا حتى صارت على بُعد أقل من 200 كيلومتر من العاصمة، وبدأت سفارات أجنبية بإجلاء رعاياها، وقُدِّرت خسائر الجيش الإثيوبي بعشرات الآلاف، في تلك اللحظة الوجودية اتجه آبي أحمد إلى تعزيز ترسانته من المسيّرات عبر شبكة موردين على رأسها الإمارات (إلى جانب تركيا وإيران والصين) بهدف إنقاذ العاصمة من السقوط في قبضة جبهة تحرير تيغراي.

الدعم الإماراتي أنقذ نظام آبي أحمد من السقوط

رصدت تحقيقات استقصائية استنادًا إلى صور أقمار صناعية وبيانات تتبّع الطيران جسرًا جويًا كثيفًا بين قواعد عسكرية في الإمارات وقاعدة هرر مِيدا جنوب أديس أبابا. تحدّثت تقارير عن أكثر من 90 رحلة بين قاعدتي الظفرة وسويحان من جانب وإثيوبيا من الجانب المقابل خلال سبتمبر/أيلول وأكتوبر/تشرين الأول 2021، وعن أكثر من 50 رحلة شحن في 53 يومًا بين أغسطس/آب وسبتمبر/أيلول. 

نُفِّذ جانب كبير من هذه الإمدادات العسكرية المكثفة بطائرات شحن من طراز إليوشن-76 تشغّلها شركة مرتبطة بالإمارات. وبحسب خبراء وشهود عيان تحدثوا لصحيفة نيويورك تايمز، فإن مسيّرات «وينغ لونغ» الصينية الصنع التي تم توريدها عبر هذه القناة قلبت موازين المعركة وأوقفت زحف قوات تيغراي نحو أديس أبابا عبر استهداف خطوط إمدادهم، مما أدى إلى تراجع القوات إلى معاقلها الرئيسية في شمال البلاد.

الخلاصة التي يُجمع عليها كثير من المحللين العسكريين – بما في ذلك الذين تحدثوا لنيويورك تايمز – أنه وبدون المسيّرات والجسر الجوي الإماراتي، كان من المرجّح أن تسقط الحكومة في أديس أبابا أواخر 2021. أي أن بقاء آبي في السلطة وهو حجر الزاوية لمشروع أبوظبي في القرن الأفريقي تحدّد في تلك الأسابيع، ولذلك استماتت الإمارات في تقديم كافة أشكال الدعم له.

اللافت أن المسيّرات كانت قد انطلقت في مرحلة مبكرة من الحرب (نهاية 2020) من قاعدة عصب الإماراتية في إريتريا القاعدة نفسها التي استُخدمت لعمليات اليمن ثم اختفت مؤقتًا تحت ضغط إدارة بايدن قبل أن تعود. وهذا يكشف ترابط مسارح العمليات الإماراتية من اليمن إلى القرن الأفريقي عبر بوابة البحر الأحمر.

سيشهد #بايدن المزيد من التقوقع والتراجع في نفوذ وتأثير دولة #الإمارات على الصعيدين الإقليمي والدولي، فالانسحاب من قاعدة عصب في #إريتريا ليس المشهد الأخير
تقرير لـ @Moh_Gamea https://t.co/WyKIA9S3tx

— نون بوست (@NoonPost) February 21, 2021

دعم لتوجهات آبي أحمد تجاه صوماليلاند وإريتريا والسودان 

في الأول من يناير/كانون الثاني 2024 وقّع رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد مذكرة تفاهم مع رئيس أرض الصومال موسى عبدي تمنح إثيوبيا منفذًا بحريًا وحقّ استئجار نحو 20 كيلومترًا من الساحل الصوماليلاندي لمدة 50 عامًا لإقامة قاعدة بحرية، مقابل وعد إثيوبي بالاعتراف بأرض الصومال وحصة في الخطوط الجوية الإثيوبية. 

هذه الصفقة تخدم أبوظبي مباشرةً، فشركة موانئ دبي العالمية هي المساهم الأكبر في ميناء بربرة (باستثمار يقارب 442 مليون دولار وحصة 51%)، وصندوق أبوظبي للتنمية من أبرز ممولي «ممر بربرة» الذي يربط الميناء بالعمق الإثيوبي. أي أن منفذ آبي البحري المنشود يمرّ عمليًا عبر بنية تحتية إماراتية.

لكن مذكرة التفاهم بين إثيوبيا وصوماليلاند التي دعمتها الإمارات تم إجهاضها لاحقًا بضغط كبير من الاتحاد الأفريقي من خلال إعلان رفض دبلوماسي حازم مستند إلى القوانين والمواثيق التأسيسية للقارة، وشدد الاتحاد على التزامه القاطع بـ “مبدأ عدم المساس بالحدود الموروثة عند الاستقلال” (المقرر عام 1964). واعتبر الاتحاد أن أي محاولة للاعتراف بـ “صوماليلاند” ككيان مستقل تمثل انتهاكًا صارخًا لسيادة جمهورية الصومال الفيدرالية ووحدتها الترابية.

والإمارات كذلك هي التي رعت اتفاق السلام الإثيوبي- الإريتري عام 2018 الذي نال آبي عنه جائزة نوبل. لكن العلاقة مع أسمرة انقلبت لاحقًا، فمنذ أواخر 2023 صعّد آبي خطابه حول “حقّ” إثيوبيا التاريخي في ميناء عصب الذي لا يبعد سوى نحو 70 كيلومترًا عن الحدود بين البلدين، واصفًا فقدان المنفذ البحري بـ”الخطأ الذي يجب تصحيحه”، ومعتبرًا الوصول إلى البحر مسألة وجودية. 

ورغم تراجع آبي أحمد لاحقًا خطوة إلى الوراء وتصريحه أمام البرلمان بأن بلاده لا تنوي شن حرب أو غزو إريتريا، وأنها تبحث عن حلول دبلوماسية وسلمية لمسألة المنفذ البحري، فإنّ موقع ميدل إيست آي البريطاني نشر في فبراير/شباط الماضي تقريرًا حصريًا كشف فيه استنادًا إلى مصادر رفيعة المستوى، أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد كان على وشك شن حرب للسيطرة على ميناء عصب الإريتري العام الماضي، وذلك بدعم وتشجيع من دولة الإمارات.

يكتمل المشهد الإقليمي حين يوضع التحالف الإماراتي-الإثيوبي في سياق حرب السودان، فالإمارات المتّهمة على نطاق واسع بدعم قوات الدعم السريع، تبني عبر القرن الأفريقي شبكة موانئ وممرات وقواعد تمتدّ من عصب إلى بربرة، وإثيوبيا الجار الجنوبي للسودان تمثل حجر الزاوية والقوة الإقليمية الأكبر محورية في هذا النسيج.

أكدت تحقيقات صحفية مدعومة بصور الأقمار الصناعية أن إثيوبيا تستضيف معسكرًا سريًا في منطقة بني شنقول- جومز (بالقرب من الحدود السودانية) لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لقوات الدعم السريع، وذكرت التقارير أن بناء هذه المعسكرات وإدارتها اللوجستية وتوفير المدربين العسكريين يتم بتمويل كامل من دولة الإمارات وبضغط من أبوظبي التي أصبحت تتحكم في قرار إثيوبيا السيادي نتيجة لاعتماد حكومة آبي أحمد بشكل شبه كامل على المساعدات المالية والاستثمارات الإماراتية الضخمة لتفادي انهيار الاقتصاد إلى جانب حاجتها للدعم العسكري الإماراتي في الحروب الداخلية.

ومؤخرًا اتهم الجيش السوداني رسميًا إثيوبيا بالسماح بانطلاق طائرات مسيّرة متطورة من أراضيها لاستهداف مطار الخرطوم الدولي ومنشآت حيوية أخرى، قبل أن يعلن في 23 مايو/أيار الماضي مايو 2026 إسقاط طائرة مسيرة معادية اخترقت الأجواء الوطنية قادمة من الحدود الإثيوبية، وقد نفت وزارة الخارجية الإثيوبية الاتهامات السودانية واصفتها بأنها “لا أساس لها من الصحة”، وحاولت تحويل الأنظار باتهام الخرطوم بدعم جبهة تحرير تيغراي.

لماذا تراهن الإمارات على آبي أحمد؟

تتأسس المراهنة الإماراتية الشاملة على شخص آبي أحمد من منطلق تقييم دقيق للمصالح والفرص مقارنة بالبدائل الأخرى المتوفرة في دول الجوار، حيث تقدم إثيوبيا لأبوظبي حزمة من المزايا الإستراتيجية التي تفتقر إليها الدول الأخرى في المنطقة:

  • السوق والحجم: إثيوبيا ثاني أكبر دول أفريقيا سكانًا (أكثر من 126 مليون نسمة)، وسوق ضخم لاستثمارات وصادرات أبوظبي، ورافعةٌ لأمنها الغذائي عبر الأراضي الزراعية الإثيوبية. 
  • الموقع والممرات: إثيوبيا هي العمق البرّي الذي يمنح موانئ الإمارات (بربرة تحديدًا) جدواها الاقتصادية، ممرّ بربرة بلا ظهير إثيوبي يفقد قيمته.
  • حليف يدين بالبقاء: آبي يدرك أن سلطته نجت بفعل الدعم الإماراتي في لحظة الانهيار، ما يجعله شريكًا يصعب أن ينقلب وهذا أثمن ما تشتريه أبوظبي.
  • التموضع في البحر الأحمر: ضمن استراتيجية إماراتية أوسع للسيطرة على عقد الملاحة والموانئ من باب المندب إلى خليج عدن، في منافسة مع تركيا والسعودية وقطر ومصر.

والأهم من كل ذلك نموذج “القائد القوي” حيث تفضّل أبوظبي التعامل مع زعيم مركزي يقرّر منفردًا عبر صفقات شخصية، وهو نمط آبي القائم على الصفقات الثنائية بعيدًا عن مؤسسات الدولة التي اختزلها في شخصه، وكذلك حزبه السياسي الذي أسسه في عام 2019 على أنقاض ائتلاف الجبهة الديمقراطية الثورية للشعوب الإثيوبية (EPRDF) التاريخي، حيث قام بحله ودمج أحزابه في كيان واحد مركزي سماه “حزب الازدهار” (Prosperity Party)، ولا يعرف للحزب قادة أو مُنظرين سياسيين سوى آبي أحمد نفسه.

وبعد حل الائتلاف وتأسيس حزبه السياسي نجح في تفريغ البرلمان والمؤسسات القضائية من قيمتها المستقلة، وتحولت مشاريع الدولة الكبرى (مثل تطوير العاصمة أديس أبابا وبناء المنتجعات) إلى مشاريع شخصية يشرف عليها بنفسه ويطلقها باسم رؤيته لـ”الازدهار”.

صاغ آبي أحمد سياسته حول فكرة “القائد المنقذ”، حيث يذكر المقربون منه أنه نشأ على نبوءة من والدته بأنه سيكون “الملك السابع” لإثيوبيا، وهو ما ينعكس في أسلوب حكمه الذي يمزج بين الحداثة الرقمية والنزعة الملكية الإمبراطورية المعتمدة على الولاء المطلق لشخصه، إذ يسعى لإعادة تشكيل إثيوبيا وهيمنة القرن الأفريقي من خلال رؤية إمبراطورية، مستخدمًا تدشين المشاريع القومية لتعزيز قبضته على السلطة، وذلك وفق ما ذكرت مجلة ذي إيكونوميست في تقريرها الأخير عن الانتخابات الإثيوبية التي جرت يوم الاثنين 1 يونيو/حزيران، والتي يجمع المراقبون على أنها صورية لمنح شرعية شكلية لنظام آبي أحمد القائم على الاستبداد بعد أن قمع المعارضة وزج بقادتها في السجون ودفع العديد منهم إلى الهروب إلى المنافي.

لكل تلك العوامل مجتمعةً لن تجد الإمارات أفضل من آبي أحمد ليكون وكيلًا لمشروعها، إذ يمنحها كذلك عمقًا إستراتيجيًا يطوّق البحر الأحمر ويعزّز موقعها في القرن الأفريقي ومنطقة شرق أفريقيا الأوسع. فإثيوبيا آبي أحمد هي الجائزة الكبرى للإمارات والتي تمنح بقية القطع معناها من خلال الحجم والسوق والعمق البري الذي يحوّل الموانئ والقواعد من نقاط معزولة إلى منظومة متكاملة.

وبالنسبة لآبي، الإمارات ليست شريكًا بين آخرين، بل صمّام أمان متعدّد الوظائف: سيولة نقدية تُنقذ اقتصادًا مأزومًا دون شروط حقوقية أو سياسية، وشحنات سلاح خصوصًا المسيّرات لحسم حروبه الداخلية حين يعجز الغرب أو يمتنع، وغطاء دبلوماسي يخفّف عزلته الدولية في ذروة اتهامات تيغراي وأمهرة، ومنفذ بحري عبر بربرة يحقّق حلمه الاستراتيجي الأبرز.  باختصار، أبوظبي تمنح آبي ما تعجز عنه الشراكات الغربية المثقلة بالشروط: دعم سريع، مرن، وغير مشروط ظاهريًا.

مخاطر التحالف الإماراتي الإثيوبي

رغم كل المميزات المتبادلة للحليفين الوثيقين، فإن الرهان الإماراتي على آبي أحمد ينطوي على هشاشة بنيوية تجعله الحليف الأخطر لا الأقوى فحسب: فآبي يخوض حروبًا متعددة الجبهات تمرّد حركة فانو الأمهرية منذ عام 2023 والتي تسيطر على مساحات شاسعة في الأرياف كما تهاجم القوات الحكومية في المدن الكبرى بإقليم أمهرا كل حين وآخر، إلى جانب الاشتباكات واستمرار التوترات مع جبهة تحرير تيغراي وقوات الإقليم، فضلًا عن عنف جيش تحرير أورومو وهجماته على مناطق حول العاصمة أديس أبابا. هذه التوترات والصراعات الداخلية تهدد الاستثمار الإماراتي في نظام آبي أحمد بأكمله.

هذا إلى جانب فخّ ميناء عصب، إذ إن التفويض الانتخابي الكاسح والمرتقب لآبي أحمد في يونيو/حزيران الحالي قد يعجل باندفاعه نحو شن حرب على إريتريا للاستيلاء على ميناء عصب، ولا ننسى كذلك أن صفقة “أرض الصومال” أغضبت الصومال ومصر وجيبوتي، وربطت أبوظبي بطرفٍ يزعزع استقرار القرن الأفريقي ويغذّي خصومات إقليمية تتقاطع مع ملف سدّ النهضة والنيل. كما أن الإمارات ارتبطت بملف جرائم الحرب في تيغراي من خلال دعمها للجيش الإثيوبي ثم بالسودان عبر دعمها لقوات الدعم السريع، كل ذلك يراكم كلفة أخلاقية وقانونية قد تتحوّل إلى عبء سياسي دولي.

وأخيرًا يقوم المشروع الإماراتي على شخص آبي أحمد لا على مؤسسات الدولة مما يجعل المنظومة كلها رهينة مصيره السياسي، وهو نمط استثمار شديد التقلّب خاصة في ظل التوترات والصراعات التي أشرنا إليها.

رئيس دولة الإمارات ورئيس وزراء إثيوبيا

إمبريالية موانئ بالتنسيق مع “إسرائيل”

في مقطع فيديو، يكشف الدبلوماسي الإثيوبي السابق محمد حسن ما يصفه بمشروع “إمبريالية الموانئ” الذي يقوده محمد بن زايد، باعتباره استراتيجية جيوسياسية مدروسة تهدف إلى الهيمنة على الشرايين البحرية الحيوية في أفريقيا والشرق الأوسط. 

يعرض حسن، في مقابلة مع منصة Sovereign Media على منصة إكس، والتي تُعرّف نفسها بأنها معنية بـ”الإعلام من منظور السيادة الوطنية”، خطة إماراتية واسعة النطاق للسيطرة على الممرات البحرية الاستراتيجية. ويشير إلى أن الإمارات تسعى إلى بسط نفوذها على الموانئ الأفريقية الرئيسية الممتدة من مدينة بورتسودان السودانية شرقًا وصولًا إلى دار السلام في تنزانيا.

كما يمتد المشروع، بحسب وصفه، عبر الخليج ليشمل السيطرة على جميع الموانئ اليمنية حتى مدينة المكلا، ويرى حسن الذي خدم في وزارة الخارجية الإثيوبية سابقًا – المعروف بمواقفه المناهضة للإمبريالية ول”إسرائيل” أن الهدف النهائي من هذه الاستراتيجية هو تمكين دبي من تجاوز سنغافورة لتصبح المركز البحري الأول في العالم

ويربط الدبلوماسي الإثيوبي السابق بين مشروع “إمبريالية الموانئ” الإماراتي واتفاقيات أبراهام الخاصة بالتطبيع مع “إسرائيل”، مبينًا أن المكتب الثاني لجهاز الموساد يقع في دبي، ويعمل بالتنسيق مع المصالح الإسرائيلية والأميركية لضمان الهيمنة الإقليمية. وبناءً على ذلك، يرى محمد حسن أنه إذا نجحت الإمارات في إحكام سيطرتها على السواحل، فإنها ستتمكن من ترسيخ موقعها بوصفها البوابة المتحكمة في حركة ثلاث قارات.

وفي النهاية، نشير مجددًا إلى أن الانتخابات الإثيوبية التي جرت في الأول من يونيو/حزيران 2026 ستعزز قبضة آبي أحمد على السلطة إذ بات في حكم المؤكد أنها ستسفر بفوزٍ كاسح لحزب الازدهار في مشهد انتخابي وُصف بأنه محسوم سلفًا، في ظل وجود معارضة مفكّكة (نحو 40 حزبًا صوريًا)، ودوائر يخوضها الحزب الحاكم دون منافسة، واستبعاد للتصويت في تيغراي وفي أجزاء واسعة من أمهرة بذريعة “الظروف غير المواتية”.

فوز صوري كهذا يثبّت آبي شكليًا ويُبقي البوابة الإماراتية مفتوحة، لكنه لا يعالج مصادر الهشاشة بل يفاقمها. فهذه الشرعية ربما تشجع آبي للبحث عن إنجاز خارجي مدفوعًا بنشوة الفوز مثل المنفذ البحري، ما يرفع احتمال المقامرة باتجاه عصب وإشعال مواجهة مع إريتريا الأمر الذي قد يتسبب في اضطراب وعدم استقرار يهدّد المنظومة الإماراتية نفسها. 

من نبوءة والدته إلى صناديق الاقتراع التي صُنعت مقاساتها بعناية، يعيد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد إنتاج سلطته الفردية في انتخابات يونيو/حزيران 2026، ليتوج نفسه مجددًا حاكمًا مطلقًا للبلاد لخمسة أعوام أخرى، محاطًا برعاية مالية وعسكرية إماراتية كاملة تحوّل معها من مشروع زعيم وطني إلى وكيل إقليمي ينفذ أجندة أبوظبي وسياساتها التخريبية في المنطقة خاصة تجاه السودان وإريتريا والصومال.

علاماتأسباب الاستثمارات العربية والأجنبية في إثيوبيا ، أطماع الإمارات في إفريقيا ، أطماع الإمارات في المنطقة ، اقتصاد إثيوبيا ، الاستثمارات الأجبية في إثيوبيا
مواضيعالبحر الأحمر ، الشأن الإثيوبي ، الشأن الإماراتي ، سياسات الإمارات الخارجية

قد يعجبك ايضا

سياسة

تحت غطاء البيئة.. كيف تُجنّد “إيكو بيس” النخب العربية لصالح إسرائيل؟

سجود عوايص٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

خلف أزمة السفير.. ماذا تريد القاهرة من دمشق الجديدة؟

عماد عنان٣ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

رحلات مجانية وإقامات فاخرة.. كيف تُسوّق أيباك الرواية الإسرائيلية داخل الكونغرس؟

جيسون ويلسون٣ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑