تبدو بنت جبيل جنوب لبنان اليوم بلدةً مثقلة بالخراب، أحياء ممزقة، مبانٍ مهدمة، وشوارع فقدت شكلها المألوف تحت أثر القصف والتجريف الإسرائيلي.
في أكثر من موضع، لم يعد المشهد يوحي ببلدة خرجت من جولة قتال عابرة، بل بمكان تعرض لتدمير واسع غيّر نسيجه العمراني وتركه بين الركام والفراغ. فماذا تبقى من هذه البلدة الصغيرة وما حجم سيطرة جيش الاحتلال الإسرائيلي فيها ولماذا تبدو أكثر أهمية مقارنة بحجمها الجغرافي؟
ماذا تبقى من بنت جبيل؟
تعد ثاني أكبر بلدة في قضاء بنت جبيل وتقع على بعد نحو 122 كم من بيروت، بمتوسط ارتفاع حوالي 770 متراً عن سطح البحر، وتغطي نحو 8 كم² من التلال والسهول.
تتضارب التقديرات السكانية للبلدة، إذ يقدّرهم ملف قروي قديم بنحو 49,500 مع احتساب المهاجرين والنازحين، بينما يقدّر الموقع البلدي عدد السكان بنحو 30 ألف، ويشير إلى أن المقيمين شتاءً يقاربون 3,500 ويرتفعون صيفًا إلى نحو 7 آلاف.
وتضم البلدة ثلاثة مدارس رسمية، ومدرسة مهنية، وفرعًا لكلية العلوم في الجامعة اللبنانية، إلى جانب مستشفى حكومي وآخر خاص.
ومنذ اتساع الهجوم البري الإسرائيلي في منتصف أبريل/نيسان 2026، تعرضت أحياء البلدة لقصف جوي ومدفعي مكثّف، وخاصة حول ملعبها، ومدرسة السرايا، ومبنى البلدية، ومركز الشرطة وخزان المياه، فيما كان مركزها محاصرا بالكامل.
بعد أيام، دمّر جيش الاحتلال ملعب بنت جبيل واحتل مستشفى البلدة الحكومي، كما استهدفت ضرباته الجوية المسجد التاريخي فيها.
وأكد موقع “لوريان توديه” الإخباري أن القصف لم يقتصر على المنشآت العسكرية، فقد دمِّر مركز البلدة والأسواق القديمة، بيمنا أن “معظم أحياء بنت جبيل أصبحت ركاماً”.
وكانت الأمم المتحدة قد قدَّرت في فبراير/شباط 2025 أن حوالي 15 ٪ من الأبنية في قضاء بنت جبيل تعرضت لضرر أو تدمير، إلا أن الصور الفضائية منذ مارس/آذار 2026 تشير إلى أن الدمار أكبر من هذا المعدل بكثير.
وذكر تقرير لمكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية “أوتشا” مستندًا إلى تحليل “BBC Verify” أن أكثر من 1400 مبنى دُمّر عبر الجنوب منذ 2 مارس/آذار، وأن الهدم الممنهج الذي بدأته “إسرائيل” في 22 من نفس الشهر استُخدم لخلق منطقة عازلة.
ما حجم السيطرة الإسرائيلية في البلدة؟
التمييز بين الدمار العمراني والسيطرة الميدانية ضروري لفهم الوضع الراهن، فبينما يبدو مركز بنت جبيل منكوباً، تشير التقارير إلى أن جيش الاحتلال لم يفرض سيطرة كاملة على البلدة نفسها، بل ركز على تطويقها واحتلال نقاط استراتيجية فيها.
وذكر موقع لوريان توديه منتصف أبريل/نيسان أن قوات الاحتلال تمركزت قرب السوق الرئيسي، وأن مركز البلدة بقي محاصرًا، مع استمرار الاشتباكات داخلها وحولها.
وتوحي المعطيات الميدانية بأن التوغل الإسرائيلي داخل النسيج العمراني تركز في مواقع محددة، بينما ظل القتال مستمرًا في أجزاء أخرى من البلدة ومحيطها، وفي المقابل تعمل “إسرائيل” على فرض حيز سيطرة واسع حول البلدة.
وقال جيش الاحتلال إن “العملية في بنت جبيل” تقودها ثلاثة ألوية هي الفرقة 98 بمشاركة لواء المظليين ولواءي الكوماندوز وجفعاتي، وإنه قتل أكثر من 100 مقاتل في المنطقة.
ونشر خريطة لما أسماه “خط الدفاع المتقدم” التي تمتد من الناقورة غرباً إلى ما بعد الخيام شرقاً بعمق يتراوح بين 4 و10 كيلومترات شمال “الخط الأزرق”، وتشمل بلدات مثل شقر، عيتا الشعب، بنت جبيل وعديسة.
كما أعلن أن خمس فرق عسكرية تتمركز في وقت واحد “جنوب خط الدفاع الأمامي” في جنوب لبنان، بهدف “تفكيك مواقع البنية التحتية لحزب الله ومنع التهديدات المباشرة للمستوطنات في شمال إسرائيل”.
وقبلها بساعات، أعلن جيش الاحتلال الإسرائيلي تدشين ما سمّاه “الخط الأصفر” داخل جنوب لبنان، يمتد بين 6 و10 كيلومترات من الخط الأزرق الدولي، وتكمن خطورته في ضم ما لا يقل عن 55 قرية وبلدة.
ومنذ سبتمبر/أيلول 2025 كانت لـ”إسرائيل” نقاط احتلال عسكرية داخل القضاء، فقد كشفت وكالة الاتحاد الأوروبي للجوء (EUAA)، أن الجيش يحتفظ بموقعين دائمين على جبل بلات قرب رميّا وجال الدير جنوب عيترون في قضاء بنت جبيل، “يطلان على طرق يستخدمها حزب الله”.
هذه النقاط، مع ما رافقها من حفريات وسياج شائك، شكّلت أساساً لشبكة مراقبة وسيطرة جزئية قبل الهجوم الأخير.
وخلال الحرب الحالية توسعت هذه الشبكة لتشمل طرقًا وتلالًا أخرى، وأقامت “إسرائيل” حواجز ترابية ودمرت منازل حول الطرق لضمان مسالك مفتوحة لقواتها، ما يعني أن الحيز الذي تسيطر عليه حول بنت جبيل أكبر بكثير من مساحتها العمرانية.
ما الأهمية الاستراتيجية للبلدة؟
تحظى بنت جبيل بأهمية إستراتيجية فهي تقع عند تقاطع طريق تبنين – بنت جبيل الذي يربط القطاع الغربي للحدود بالقطاع الأوسط، وطريق عيناتا – مارون الراس – بنت جبيل الذي يربط القرى الجبلية بقرى رميش وعيتا الشعب، ما يسمح لجيش الاحتلال بربط قواته من عدة محاور.
وتبعد البلدة نحو 3 كم فقط من الخط الأزرق، ما يجعلها مطلة على الحدود وعلى مستوطنات الجليل الأعلى. كما أن ارتفاعها يمنحها إشرافاً على ما حولها، فيما تشكل العلاقة بين التلال والوديان ميزة دفاعية وتخزيناً طبيعياً للأسلحة.
ويعني ذلك أن السيطرة على البلدة تمنح “إسرائيل” قدرة نارية لحصار مناطق أخرى واستهداف أي تحرك فيها حتى دون دخول كامل إليها.
وتمنح السيطرة على هذه الطرق القدرة على قطع إمدادات حزب الله القادمة من القرى المجاورة أو المتجهة غرباً نحو صور، وتوفر ممرات للربط بين وحدات قوات الاحتلال المختلفة.
كما تقع بنت جبيل في منتصف منطقة الخط الأصفر الإسرائيلي الجديد، وبالتالي فإن السيطرة عليها تعني فرض شريط احتلالي حولها ومنع سكانها من العودة إليها.
وتعزز الأهمية الاقتصادية والاجتماعية للبلدة من قيمتها الاستراتيجية، إذ تضم بنت جبيل سوقاً تاريخياً يضم حوالي 120 محلاً مستأجراً من قبل البلدية، إضافة إلى مركز تعليمي وصحي للمنطقة بوجود ثلاثة مدارس رسمية وجامعة لبنانية ومستشفيين.
وتجذب هذه الخدمات سكان القرى الأخرى، ما يجعل البلدة نقطة تجمع يمكن أن يستخدمها أي طرف كقاعدة تعبئة أو لوجستية. ولذلك فإن تدمير هذه البنية أو السيطرة عليها يعني ضرب قدرة الجنوب على التعافي بعد الحرب.
وتضاعف الرمزية السياسية من أهمية الموقع، ففي عام 2000 أعلن الأمين العام السابق لحزب الله حسن نصر الله من ملعب بنت جبيل “انتصار المقاومة” بعد انسحاب “إسرائيل”.
وبعد اغتياله في 2024 بقي هذا المكان رمزاً في ذاكرة الحزب ومناصريه، ولذلك لم تكتف “إسرائيل” بالسيطرة على التلال، بل دمرت الملعب والمسجد ومركز الشرطة.
إضافة إلى ذلك، ترى “إسرائيل” في بنت جبيل بوابة لفرض “خط دفاع متقدم” يصل إلى نهر الليطاني، في وقت ذكرت تقارير إسرائيلية أن حكومة الاحتلال تنوي إنشاء “منطقة أمنية” بعمق 8–10 كم داخل لبنان.
وأوضحت صحيفة “يديعوت أحرونوت” أن الخط يمتد إلى جبل كريستوفيني بالقرب من طريق بيروت–دمشق.
وتقع بنت جبيل عند منتصف هذا الخط تقريباً، ولذلك فإن السيطرة عليها تساعد في تقسيم المنطقة إلى قطاعين، ما يجعلها حلقة وصل في أي خط انسحاب أو تقدم.
وإذا تمكنت “إسرائيل” من ربط محاور تقدمها عند بنت جبيل ببعضها، فستحظى بممر مستمر حتى نهر الليطاني، الأمر الذي يشكل تهديدًا وجوديًا للبنانيين ويعيد إلى الأذهان المنطقة التي احتلتها بين 1985 و2000.