يحكم دونالد ترامب الولايات المتحدة بمنطق الصفقات ومبدأ الربح والخسارة؛ وقد قاد هذا المنطق، خلال ولايتيه الأولى والثانية، إلى العديد من الأزمات السياسية والدبلوماسية التي وضعت علاقات الولايات المتحدة الدولية على المحك، حتى مع أقرب حلفائها، غير أن أكثر ما يميز ولايته الثانية هو اللجوء إلى خطوات عسكرية مباشرة في عدة ملفات عالقة تاريخيًا، على رأسها فنزويلا وإيران.
وفي ظل تزايد التقارير والتحقيقات حول الأرباح والصفقات المشبوهة التي يُقال إن الدائرة المقربة من ترامب حققتها من الحرب الدائرة مع طهران، والتي كلفت حتى الآن نحو 22 مليار دولار، بحسب تقرير لصحيفة الغارديان، عاد السؤال حول دوافع الحرب وأهدافها ليلاحق صُنّاع القرار في واشنطن. فكيف استفاد ترامب والمقربون منه من هذه الحرب؟ وما أبرز المجالات التي شهدت صفقات وتعاملات مشبوهة؟ ومن هي أبرز الأسماء المتورطة؟ وكيف سيتعامل الكونغرس مع التقارير والتحقيقات التي تسلط الضوء على هذا الجانب؟
مضاربات الموت: صدفة أم معلومات مسربة؟
أثار التداول فيما يُعرف بأسواق المضاربات، والتي كان بايدن قد جرّمها قبل أن تزدهر مجددًا في عهد ترامب، لغطًا في الأوساط الأمريكية، بعد أن لفت نمط المضاربة وتوقيتها، في ما يتعلق بتفاصيل الحرب على إيران، انتباه كثيرين إلى احتمال تسريب معلومات سرية من قبل شخصيات مقربة من إدارة ترامب، والتداول بناءً عليها لتحقيق ثروات سريعة وطائلة.
فقد وجّه السيناتور كريس مورفي، ممثل ولاية كونيتيكت في الكونغرس الأمريكي، أصابع الاتهام إلى إدارة ترامب، التي وصفها بالمستفيدة من الحرب والموت، في إشارة إلى تحركات مشبوهة في منصات أسواق المضاربات، وعلى رأسها منصة “بوليماركت”، جرت قبيل توجيه الضربة العسكرية لطهران أواخر فبراير الماضي.
كما أشارت تقارير صادرة عن شركة “ببلمابس”، المختصة بتحليل سوق العملات الرقمية، إلى أن ستة حسابات راهنت بمبلغ 1.2 مليون دولار على أن واشنطن ستهاجم طهران في 28 فبراير، وذلك خلال 24 ساعة تسبق تنفيذ الضربة، ما أثار شبهات حول مدى قرب أصحاب هذه الحسابات من صناع القرار، ومعرفتهم المسبقة بمخططات الإدارة.
JUST IN: 🇮🇷 🇺🇸 Six suspected insiders made $1.2M betting on a US strike on Iran
Most of these wallets:
• were funded in the last 24h
• specifically bet for February 28
• bought “yes” hours before the strike pic.twitter.com/n3G6OIEOXt— Bubblemaps (@bubblemaps) February 28, 2026
ليست هذه المرة الأولى التي يُتَّهم فيها سوق المضاربات “بوليماركت”، الذي يحافظ على سرية المتداولين فيه، بالتداول الداخلي المبني على معلومات استخباراتية حساسة، والمرتبط مباشرة بالضربات العسكرية لإدارة ترامب، إذ شهد يناير الماضي تحركًا مشبوهًا تمثّل في المضاربة بمبلغ 400 ألف دولار على الإطاحة بالرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، قبل ساعات فقط من الهجوم الأمريكي في كاراكاس.
وبعد المضاربة التي سبقت إعلان الهدنة الأخيرة من قبل إدارة ترامب في السابع من أبريل، لم يعد ثمة شك في وجود عناصر مقربة من الإدارة الأمريكية تستخدم معلومات حساسة في مضارباتها، نظرًا لتوقيت تلك العمليات ودقتها العالية التي تتجاوز منطق التوقعات العشوائية.
واستضافت هذه المنصات، التي باتت تُوصف بـ”أسواق الموت”، طوال الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رهانات تتعلق بمصير قادة إيرانيين، من بينهم آية الله علي خامنئي، ما أثار موجة من الإدانات، وفي الوقت ذاته حوّلها إلى مصدر معلومات لكثير من الصحفيين والمحللين، باعتبار أنها قد تستند إلى معطيات عسكرية غير معلنة للجمهور، وهو ما يفتح المجال أمام التلاعب بالرأي العام وممارسة تضليل ممنهج داخل الولايات المتحدة، يزيد المشهد ضبابية ويحول دون الوقوف على حقائق ما يجري.
ويتقدّم الآن سؤال المضاربة على منصة “بوليماركت” حول ما إذا كان النظام الإيراني سيسقط في 30 يونيو المقبل، بمبلغ يصل إلى ثلاثة ملايين دولار حتى الآن، وبنسبة تقديرية تبلغ 46%، ما يثير تساؤلات حول ما إذا كانت هذه الرهانات مبنية على معلومات استخباراتية مرتبطة بخطوات عسكرية أمريكية قادمة، أم أنها مجرد تكهنات قد تصيب أو تخطئ.
ودفعت هذه التحركات المشبوهة في منصات المضاربات بالممثل الديمقراطي عن ولاية نيويورك في مجلس النواب، ريتشي توريس، إلى تقديم مشروع قانون بعنوان “قانون النزاهة العامة في أسواق التنبؤ المالي لعام 2026″، يهدف إلى منع المسؤولين الحكوميين والدائرة المقربة من صناع القرار من الاستفادة وجني الأرباح من المعلومات الحكومية السرية والحساسة عبر التداول في أسواق المضاربات، مشيرًا إلى أهمية التدخل الحكومي لتنظيم هذه الأنشطة التي قد تشكل خطرًا على الأمن القومي الأمريكي إذا استمرت على هذا النحو دون رقابة.
التصريحات المتضاربة وسياسة التلاعب بالأسواق
أدارت الحكومة الأمريكية، خلال حربها مع إيران، حملة إعلامية قائمة على التلاعب والخداع، هدفت إلى تضليل الرأي العام وخلق حرب معلومات تخدم ليس فقط عملياتها العسكرية والميدانية، بل تؤثر أيضًا بشكل مباشر في مؤشرات أسواق الأسهم وأسواق النفط وأدائها العام.
فقد عُرف عن دونالد ترامب، خلال الشهرين الماضيين، تضارب تصريحاته بشأن إيران، بصورة أرهقت الصحفيين والمراسلين وغرف الأخبار، وخلقت فوضى أفادت منها دوائره المقربة لتحقيق إثراء سريع وكبير في أسواق الأسهم والطاقة. ويبدو أن التلاعب بالأسواق لم يقتصر على التصريحات المتضاربة للإدارة، وعلى رأسها ترامب، بشأن مواصلة العمليات العسكرية أو إنهائها، والتي أثّرت بشكل مباشر في تداولات الأسهم وأسعار النفط؛ بل تجاوز ذلك إلى استخدام مقربين من الإدارة الأمريكية معلومات سرية تتعلق بالهدنة والمواعيد النهائية التي منحها ترامب مرارًا لإيران.
وشكّل يوم 23 مارس المثال الأوضح على هذا النهج؛ ففي تمام الساعة 6:49 صباحًا بتوقيت الساحل الشرقي، أي قبل إعلان ترامب مهلة الخمسة أيام لطهران لتسوية النزاع وإنهاء الحرب على منصة “تروث سوشال” بخمس عشرة دقيقة فقط، شهدت أسواق العقود الآجلة نشاطًا مفاجئًا، إذ جرى تداول أكثر من ستة آلاف عقد نفطي، تزيد قيمتها على نصف مليار دولار أمريكي.
كما شهدت، في الدقائق نفسها، عقود “إس آند بي 500 إي-ميني” الآجلة، وعقود خام “غرب تكساس الوسيط” الآجلة، ارتفاعات كبيرة، بعد أن كانت قد سجّلت، طوال فترة الحرب، تراجعًا مستمرًا.
في بادئ الأمر، لم يكن مؤشر التداول يشير إلى ما إذا كانت العمليات بيعًا أم شراءً، لكن نمطًا سريعًا بدأ يتكشف؛ إذ لاحظ المتداولون أن جهة ما، أو مجموعة من الأشخاص، كانت تبيع عقود النفط الآجلة، ما يعني انخفاض سعر السلعة، وتشتري في المقابل عقود أسهم آجلة، ما يشير إلى تعافي سوق الأسهم، وهو نمط يرافق عادة فترات الهدن والسلام.
وما إن أعلن دونالد ترامب وقف الأعمال العدائية حتى هوت أسعار برميل النفط من 112 دولارًا إلى 97 دولارًا، أي بنسبة تقارب 10%، بينما قفزت عقود الأسهم الآجلة بنحو 2.5%، ما يعزز فرضية أن أطرافًا مقربة من ترامب كانت على دراية مسبقة بنية الإعلان، واستخدمت تلك المعلومات لتحقيق أرباح ضخمة وغير مشروعة في وقت وجيز.
وقد تكرر النهج ذاته قبيل العملية العسكرية لواشنطن في كاراكاس مطلع العام الحالي، وكذلك خلال حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترامب على دول عدة في بداية ولايته الحالية؛ إذ لوحظ أن 12 مسؤولًا في إدارته، من بينهم وزيرة العدل السابقة بام بوندي، باعوا حصصهم في شركات متنوعة خلال فترة وجيزة سبقت إعلان فرض رسوم جمركية تحت مسمى “يوم التحرير”، ما يعزز الشبهات حول استغلال التصريحات الإعلامية للتأثير في الأسواق صعودًا وهبوطًا.
وقد دفعت هذه التحركات خصوم ترامب السياسيين إلى توجيه اتهامات مباشرة له ولإدارته بالفساد وانعدام النزاهة، على أساس استغلال مواقعهم الحساسة لتحقيق منافع شخصية. وفي هذا السياق، نشر السيناتور الديمقراطي كريس مورفي على منصة “إكس” تغريدة تساءل فيها: “من كان وراء هذه التداولات؟ هل كان ترامب؟ أحد أفراد عائلته؟ موظف في البيت الأبيض؟ أياً يكن، هذا فساد… فساد مذهل”.
استثمارات الخليج: إعادة بناء ما هدمته الحرب
لمع اسم كل من جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في حرب إيران بصورة جلية، خاصة أنهما بنَيا مسيرتهما المهنية كاملة على خطاب يدعو إلى القضاء على إيران، متبنيَين أجندة بنيامين نتنياهو بالكامل، ودافعين بقوة نحو الخيار العسكري، بل ومتلاعبَين بمخرجات جولات التفاوض ومحاولات التوصل إلى حل للأزمة.
وقد أشارت تقارير إلى تضاعف استثمارات دول الخليج في شركات تابعة لكل من صهر دونالد ترامب، جاريد كوشنر، ومبعوثه للشرق الأوسط ستيف ويتكوف، إبان الحرب بين واشنطن وطهران.
إذ حصلت شركة “أفينيتي بارتنرز” التابعة لكوشنر على ملايين الدولارات من صناديق سيادية خليجية، بهدف إعادة تشكيل منطقة الخليج وترسيخ دعائم تحالف اقتصادي يضم المملكة العربية السعودية وقطر والإمارات العربية المتحدة إلى جانب إسرائيل، وهو هدف كانت إيران تقف في طريقه.
واستخدم كوشنر تلك الأموال التي جمعها من الخليج في استثمارات داخل مجموعة “شلومو”، وهي مجموعة إسرائيلية كبرى تمتلك استثمارات وحصصًا في قطاع الدفاع على وجه التحديد، إضافة إلى استثمارات شركته في “فونيكس هولدنجز”، إحدى أكبر شركات إدارة الأصول في إسرائيل، في حين تستعد شركة كوشنر حاليًا لإنشاء مراكز بيانات في قطاع غزة، على الأراضي التي احتلتها إسرائيل خلال حربها الأخيرة على القطاع.
منذ انطلاق حرب إيران، سعت شركة “أفينيتي بارتنرز” المملوكة لجاريد كوشنر، والتي حصلت سابقًا على مليوني دولار أمريكي من المملكة العربية السعودية، إلى زيادة استثماراتها في دول الخليج، وهو ما أثار الشكوك، خاصة أن كوشنر يُعد من أبرز المحرّضين على الحرب مع إيران، وأحد أهم المؤدّين إلى فشل المفاوضات بين واشنطن وطهران.
كما تزايدت استثمارات شركة ستيف ويتكوف وأبنائه “مجموعة ويتكوف” المتخصصة في مجال العقارات، والتي يديرها أليكس ويتكوف، في محاولة للالتفاف على السياسات الحكومية التي تمنع الاستفادة المباشرة من المنصب العام. وقد وسّعت المجموعة مؤخرًا من مشاريعها الاستثمارية في الشرق الأوسط، مستغلة حالة الفوضى والسعي لإعادة الإعمار.
وفي الوقت نفسه، كانت شركة ويتكوف الثانية، التي يديرها ابنه زاك وتعمل في مجال العملات الرقمية، والتي تملكها العائلة بالشراكة مع عائلة ترامب، منهمكة في تأمين صفقات بمليارات الدولارات في دول خليجية، على رأسها الإمارات العربية المتحدة؛ حيث تشير الأنباء إلى بيع ما نسبته 49% من الشركة للإمارات مقابل 500 مليون دولار أمريكي.
وقد توجّهت أصابع الاتهام مباشرة إلى ترامب في هذه الصفقات المشبوهة، بوصفه من أبرز المدافعين عن سوق العملات المشفّرة، حيث تملك عائلته إحدى أكبر شركاتها في الولايات المتحدة “World Liberty Financial”، والتي كانت طرفًا في صفقة بمليارات الدولارات مع الإمارات في سبتمبر الماضي، لتوريد مكوّنات حاسوبية أمريكية، مقابل شراء الإمارات لعملات مشفّرة من الشركة، في خلط سافر عرّض مصالح الأمن القومي الأمريكي للخطر.
كما أشارت صحيفة “ذا هيل” إلى وجود مخططات لإدارة ترامب للانخراط في مشاريع إعادة البناء، لا سيما في البنية التحتية للذكاء الاصطناعي والمكوّنات الحاسوبية ومراكز البيانات في الإمارات، وهي منشآت سبق أن ساهمت عائلة ترامب ومقرّبون منها في تأسيسها، قبل أن تتعرض للاستهداف خلال الضربات العسكرية الإيرانية الأخيرة. وقد أثارت هذه المخططات سخطًا عامًا، في ظل الدور الذي تلعبه الإدارة في توظيف استثماراتها في دول الخليج، والتي يُنظر إليها كـ”بقرة حلوب” لتمويل مشاريعها الاستثمارية المثيرة للجدل.
وزاد من حدة الجدل اتجاه ترامب، عبر شركاته العائلية، إلى السعي للاستفادة من الحرب الدائرة مع إيران، سواء عبر توسيع استثماراته في الشرق الأوسط، أو من خلال مضاعفة عوائد استثماراته الدولية، لا سيما في قطاعي الترفيه والعقارات.
فقد بلغت قيمة استثمارات مؤسسة ترامب العقارية في شبه الجزيرة العربية حتى الآن نحو 17 مليار دولار أمريكي، تركزت على تطوير المنتجعات الترفيهية والملاعب والشقق السكنية، واستفادت بشكل مباشر من صناديق سيادية في المنطقة، إضافة إلى ممولين من القطاع الخاص. وتستعد المؤسسة حاليًا لمضاعفة هذه الاستثمارات، بهدف الانخراط في مشاريع إعادة إعمار ما دمرته الحرب بين واشنطن وطهران.
وفي هذا السياق، تركز المؤسسة جهودها على إنشاء “برج ترامب” في دبي، والمقرر البدء بتنفيذه أواخر العام الحالي. ومن المتوقع أن تبلغ تكلفة البرج، الذي سيتكون من 80 طابقًا، نحو مليار دولار أمريكي، على أن يضم شققًا سكنية فاخرة قد تصل قيمة الواحدة منها إلى 20 مليون دولار، في موقع قريب من برج خليفة. ويُموَّل هذا المشروع من قبل مجموعة “الدار العالمية”، وهي شركة استثمار سعودية تربطها بترامب مشاريع متعددة في الشرق الأوسط.
فيما يتعلق باستثمارات المؤسسة في المملكة العربية السعودية، فإن مؤسسة ترامب تُجهّز لثلاثة مشاريع ضخمة بتكلفة تصل إلى 10 مليارات دولار أمريكي، تتركز في كل من الرياض وجدة، وتشمل منتجعات سياحية وملاعب جولف وأبراجًا تحمل اسم ترامب وعلامته التجارية.
كما استغلت صناعة الترفيه التابعة لترامب تراجع الاهتمام بدبي ودول الخليج، نتيجة الوضع الأمني، لا سيما في مجالي الترفيه والرياضة، لتعزيز حجوزاتها وإعادة توجيه دفة السوق لصالحها، فقد عمل منتجع “ترامب تيرنبيري” في اسكتلندا على رفع معدلات الحجوزات عبر التواصل مع منظمي الرحلات الترفيهية الموجّهة أساسًا إلى دول الخليج، وعرض مسارات بديلة نحو عقاراته، مستندًا إلى حالة عدم الاستقرار التي أضعفت جاذبية المنطقة سياحيًا.
وقد شهدت عقارات ترامب الترفيهية تضاعفًا في الأرباح وأعداد الحجوزات، نتيجة تغيير ترتيبات السفر في اللحظات الأخيرة، وفق هذا النهج.
View this post on Instagram
مقاولي الدفاع والاستثمار في الصناعة العسكرية
شهدت عقود شركات الدفاع الأمريكية طفرة هائلة في الاستثمارات، بوصفها أثرًا مباشرًا للعمليات العدائية ضد طهران؛ إلا أن اللافت كان حصول شركات مرتبطة بشركة “كابيتال 1789” المملوكة لترامب الابن على قرض بقيمة 620 مليون دولار أمريكي من وزارة الدفاع الأمريكية، وهو الرقم الأعلى في تاريخ الإقراض الحكومي لهذا القطاع.
وقد أقرّ ترامب الابن بهذا الخلط المثير للجدل بين المصلحتين العامة والخاصة، والذي تتلاشى فيه حدود الفساد والمحسوبية في إدارة دونالد ترامب، بقوله إن شركته تقوم على مبدأ “الرأسمالية الوطنية”، التي تصب في الصالح العام، حتى وإن أدّت “عرضًا” إلى الإثراء الشخصي.
كما قام كل من ترامب الابن وشقيقه إيريك ترامب بالاستثمار في شركة “باورَس”، وهي شركة صناعات عسكرية متخصصة في مجال الطائرات المسيّرة، سعت مؤخرًا إلى تلبية طلبات الشرق الأوسط، وبخاصة دول الخليج، لتطوير تقنيات اعتراض الطائرات المسيّرة القادمة من إيران.
أما المفاجأة الأكبر، فتمثلت في الكشف عن نية الشركة الاندماج مع الشركة القابضة لملعب الغولف المملوكة لترامب، تمهيدًا لطرح أسهمهما للاكتتاب العام، ما أثار شبهات حول اتفاق غير معلن يستغل الطلب العسكري المتصاعد في الشرق الأوسط لمضاعفة أرباح الشركات المرتبطة بترامب، والاستيلاء على المزيد من الشركات الواعدة ضمن اقتصاد الحروب.
جاءت هذه الاستثمارات وسط أنباء عن استثمارات مشابهة لإيريك ترامب في شركة إسرائيلية متخصصة في الطائرات المسيّرة، تُعرف بـ”تكاليف قتل متدنية”. ويأتي هذا الاستثمار في ظل توجه جديد لدى البنتاغون للسيطرة على صناعة الطائرات المسيّرة، وضخ ما يقارب 1.1 مليار دولار أمريكي لصالح الشركات العاملة في هذا القطاع؛ ما يعني أن استثمارات إيريك مرشّحة للازدهار قريبًا في ظل الحرب الدائرة مع إيران.
وترافقت هذه الاستثمارات للأخوين ترامب مع سياسة تبنّياها عقب تأسيسهما الشركة الأمريكية القابضة الجديدة “1”، والتي تهدف إلى إيجاد والاستفادة من شركات يمكنها الحصول على تحفيزات فيدرالية وولائية من الحكومة الأمريكية، على شكل عقود أو تخفيضات ضريبية أو منح أو مشتريات تفضيلية، وعلى رأسها شركات الأسلحة المتطورة، ما يعكس نمطًا من التجارة المعمّدة بالدم لعائلة ترامب.
وبينما لاحقت الشائعات محاولات الإثراء التي سعت وراءها أسماء بارزة في إدارة دونالد ترامب، برز اسم وزير الدفاع بيت هيغسيث، الذي كان من أكثر المتحمسين لحرب إيران، واعتبرها “إرادة الرب” وبداية لحرب هرمجدون، إلا أن الوقائع تشير إلى احتمال سعي محموم من هيغسيث لتحقيق مكاسب من حالة الاستنفار والفوضى التي شهدها قطاع الدفاع الأمريكي في أعقاب الحرب الخاطفة.
ففي تحقيق نشرته “فايننشال تايمز”، وُجّهت اتهامات لهيغسيث بمحاولة مضاعفة استثماراته في كبرى شركات الدفاع الأمريكية، وكذلك في صناديق المؤشرات المتداولة، عبر وكيله في مورغان ستانلي، بمبالغ طائلة بلغت عدة ملايين من الدولارات، وذلك خلال الأسابيع التي سبقت الحرب على إيران؛ ما أثار شبهات استخدام معلومات داخلية لتحقيق مكاسب مالية، وهو ما نفاه البنتاغون، غير أن الصحيفة عادت وأشارت إلى أن تلك الصفقات لم تُستكمل، بسبب عدم طرح الأسهم للتداول في ذلك الوقت، رغم محاولات الوزير.
وشملت هذه المحاولات المزعومة شراء أسهم في كل من لوكهيد مارتن ونورثروب غرومان، وهما من كبرى شركات الصناعات العسكرية؛ ما دفع مجموعة من المشرعين الديمقراطيين في الكونغرس إلى إطلاق تحقيق في هذا الشأن، بالتوازي مع تحقيق مماثل أطلقته لجنة الرقابة في مجلس النواب، في ما يبدو بداية لمسار أوسع من التدقيق في شبهات الإثراء غير المشروع المرتبطة بالحرب بين واشنطن وطهران.