رفعت إسبانيا وسلوفينيا وأيرلندا، في 17 نيسان/أبريل 2026، مستوى الضغط السياسي داخل الاتحاد الأوروبي عندما بعثت وزارات خارجيتها برسالة إلى الممثلة العليا للشؤون الخارجية كايا كالاس تطالب بفتح نقاش حول تعليق اتفاقية الشراكة بين كتلة بروكسل و”إسرائيل”.
استشهدت الرسالة بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان في لبنان وغزة وبقانون إقرار عقوبة الإعدام بحق الأسرى الفلسطينيين في الكنيست الإسرائيلي، وأكدت أن احترام حقوق الإنسان بند “أساسي” في الاتفاقية.
ورغم أن هذه المبادرة لن تفضي على الأرجح إلى تعليق فوري للاتفاقية، فإنها تعيد فتح ملف العلاقة القانونية التي تربط أوروبا بـ”إسرائيل” منذ ثلاثة عقود وتُظهر كيف يمكن للاتحاد أن يستخدم الأمر كورقة ضغط.
التقرير التالي يُفكِّك بنود الاتفاقية ويشرح مكاسب “إسرائيل” الفعلية منها، ويستعرض سيناريوهات تعليقها أو تجميدها وآثار ذلك على الاقتصاد الإسرائيلي وعلى مكانة “تل أبيب” كشريك لأوروبا.
ماهية اتفاقية الشراكة وبنودها الأساسية
اتفاقية الشراكة وُقِعَت في بروكسل في 20 نوفمبر/تشرين الثاني 1995، ثم دخلت حيز النفاذ في الأول من يونيو/حزيران 2000. وسبق النفاذ الكامل اتفاق مرحلي يتعلق بالتجارة جرى العمل به منذ عام 1996.
وتحدد المادة 1 أهداف الاتفاقية، ومنها توفير إطار للحوار السياسي وتعميق العلاقات التجارية والخدمية وتأسيس منطقة تجارة حرة وتتضمن تحريرًا تدريجيًا للخدمات وحق التأسيس والمدفوعات الجارية وحركة رؤوس الأموال، إضافة إلى التعاون الاقتصادي والاجتماعي.
لكن أبرز البنود التي تجعل الاتفاقية أداة نفوذ هي:
المادة 2 (شرط حقوق الإنسان): تنص على أن العلاقات بين الطرفين وجميع أحكام الاتفاقية تستند إلى احترام حقوق الإنسان والمبادئ الديمقراطية، وتعتبر هذا الشرط عنصرًا جوهريًا.
يعطي هذا النص الاتحاد الأوروبي أساسًا قانونيًا لاتخاذ “إجراءات مناسبة” عند حدوث انتهاكات، بما في ذلك إمكانية تعليق الاتفاقية.
وتوضح دراسة لخدمة البحوث البرلمانية الأوروبية أن خرق هذا الشرط يتيح للطرف المتضرر اتخاذ تدابير مناسبة بعد التشاور، لكن النص لا يحدد آلية تلقائية للتعليق.
المادة 79 (عدم التنفيذ): تلتزم الأطراف باتخاذ جميع التدابير لتحقيق أهداف الاتفاقية.
وإذا اعتبر أحد الطرفين أن الآخر أخفق في الوفاء بالتزاماته، يمكنه اتخاذ إجراءات مناسبة بعد إبلاغ مجلس الشراكة، مع إعطاء الأولوية للتدابير التي “تقلل قدر الإمكان من تعطيل الاتفاقية”، ولكن في حالات الطوارئ يمكن اتخاذ إجراءات فورية دون تشاور.
إطار الحوار السياسي: يحدد الباب الأول إنشاء حوار سياسي منتظم على مستويات متعددة (وزراء، مسؤولون كبار، اتصالات دبلوماسية) لتعزيز الأمن والاستقرار الإقليمي.
التجارة والسلع: ينص الباب الثاني على إقامة منطقة تجارة حرة تدريجية. ولدى الاتحاد الأوروبي و”إسرائيل” أيضًا اتفاق لتحرير التجارة الزراعية منذ عام 2010، ويُلزم كلا الطرفين بعدم فرض قيود غير مبررة على التجارة.
الطيران المدني: وقَّع الاتحاد و”إسرائيل” في 10 يونيو/حزيران 2013 اتفاق الطيران الأورومتوسطي الذي يسمح لجميع شركات الطيران الأوروبية والإسرائيلية بتسيير رحلات مباشرة بين أي مطار في الاتحاد و”إسرائيل”.
استثناء منتجات المستوطنات: تنص سياسة الاتحاد على أن المنتجات القادمة من المستوطنات الواقعة في الأراضي التي احتلتها “إسرائيل” في 1967 لا تحصل على معاملة تفضيلية، فهو يطلب تحديد منشأ البضائع في شهادات المنشأ ويستثني هذه المنتجات من التفضيلات الجمركية.
وتُظهر هذه البنود أن الأمر ليس مجرد اتفاق تجارة، بل إطار شامل يجعل احترام حقوق الإنسان شرطًا أساسيًا، ويتيح للاتحاد الأوروبي أدوات قانونية واقتصادية للتأثير على “إسرائيل”.
مكاسب “إسرائيل” من الاتفاقية
1- سوق أوروبية مفتوحة
يُعدّ الاتحاد الأوروبي أكبر شريك تجاري لـ”إسرائيل” عالميًا، بينما تحتل “تل أبيب” المرتبة الثالثة بين شركاء كتلة بروكسل التجاريين في منطقة المتوسط.
إذ شكل الاتحاد نحو 32 % من إجمالي تجارة السلع الإسرائيلية في 2024، فيما جاءت 34.2 % من واردات “إسرائيل” من كتلة بروكسل، و28.8 % من صادراتها اتجهت إلى السوق الأوروبية.
وبلغ حجم التجارة في السلع بين الجانبين 42.6 مليار يورو في 2024، حيث استورد الاتحاد سلعًا إسرائيلية بقيمة 15.9 مليار يورو – معظمها آلات ومعدات نقل (7 مليارات يورو أو 43.9 %)، ومواد كيميائية (2.9 مليار يورو أو 18 %).
في المقابل صدَّر الاتحاد إلى “إسرائيل” سلعًا بقيمة 26.7 مليار يورو، أبرزها الآلات ومعدات النقل (11.5 مليار يورو أو 43 %) والمواد الكيميائية (4.8 مليار يورو أو 18 %).
وتُعفي منطقة التجارة الحرة التي أنشأتها الاتفاقية معظم المنتجات الصناعية من الرسوم الجمركية وتمنح امتيازات زراعية.
ويشير تقرير المفوضية العامة للتجارة إلى أن واردات الاتحاد من المنتجات الصناعية الإسرائيلية بلغت 14.9 مليار يورو في 2024 (93.8 % من إجمالي الواردات)، بينما بلغت صادرات المنتجات الصناعية الأوروبية إلى “إسرائيل” 23.5 مليار يورو (88.3 %).
تبرز هذه الأرقام أن صناعات التكنولوجيا والمواد الكيميائية والطاقة في “إسرائيل” تعتمد على السوق الأوروبية لتصريف جزء كبير من إنتاجها والاستفادة من الإعفاءات الجمركية.
2- أدوية وتكنولوجيا
أُبرِم في 19 يناير/كانون الثاني 2013 بروتوكول المطابقة والقبول المتبادل للمنتجات الصناعية (ACAA) والذي يوفر اعترافًا متبادلًا بشهادات جودة الأدوية.
ووفق وثيقة “أسئلة وأجوبة” المنشورة من الاتحاد، يغطي البروتوكول المنتجات الدوائية النشطة والمكونات الدوائية ويسمح بالاعتراف المتبادل لشهادات التفتيش وممارسات التصنيع الجيدة دون إعادة الاختبار.
يسهل هذا الأمر دخول الأدوية الإسرائيلية إلى السوق الأوروبية ويمنح شركات مثل “تيفا” ميزة تنافسية.
3- طيران مفتوح وسياحة
فتح اتفاق الطيران الأورومتوسطي الأجواء بين “إسرائيل” ودول الكتلة، وجعل كل شركة طيران أوروبية أو إسرائيلية قادرة على تسيير رحلات مباشرة لأي مطار في الطرف الآخر.
وأدى التطبيق التدريجي للاتفاق بين 2013 و2018 إلى زيادة عدد الرحلات وخفض الأسعار وتشجيع السياحة في الاتجاهين، ما خلق فرص عمل في القطاعين السياحي والخدمي.
تعاون علمي وتمويلي
تعد الاتفاقية أساسًا للتعاون العلمي، إذ تشير صفحة المفوضية الأوروبية الخاصة بالتعاون البحثي إلى أن “إسرائيل” مرتبطة ببرامج البحوث في القارة منذ 1996 وأنها شاركت في برنامج “أفق 2020” (لتمويل البحث العلمي والابتكار) من خلال اتفاق وقّع في 2014.
في برنامج “أفق 2020″، شاركت “إسرائيل” في 1694 مشروعًا بحوالي 2105 مشاركة وحصلت على تمويل قدره 1.3 مليار يورو.
وفي نفس البرنامج المستمر حاليا (2021‑2027)، شاركت حتى أبريل/نيسان 2025 في 909 مشاريع ضمن 747 منحة، محققة 831 مليون يورو.
كما يغطي التعاون مجالات مثل الروبوتات والزراعة الذكية والذكاء الاصطناعي، ما يظهر أن الاتحاد الأوروبي مصدر رئيسي للتمويل والاعتراف العلمي لـ”إسرائيل”.
دعم مالي وسياسي
إضافة إلى التجارة والبحث، يحصل الاقتصاد الإسرائيلي على دعم غير مباشر من خلال برامج سياسة الجوار الأوروبية ومشاريع التعاون الإقليمي.
فعند اقتراح تعليق الامتيازات التجارية في سبتمبر/أيلول 2025 ذكر بيان رسمي للمفوضية أن الاتحاد سيجمّد دعمه الثنائي لـ”إسرائيل” – باستثناء الدعم للمجتمع المدني ومتحف ياد فاشيم – وهو ما يعني وقف التمويل في 2025‑2027 للمشاريع المؤسسية والتعاون الإقليمي.
يظهر هذا التجميد أن الاتفاقية تمنح “إسرائيل” إمكانية الحصول على دعم مالي وسياسي لا يقتصر على التجارة، بل يمتد إلى برامج التنمية والبحث والتعليم.
السيناريوهات وأثرها على “إسرائيل”
1. تعليق كامل للاتفاقية
التعليق الكامل يعني إلغاء منطقة التجارة الحرة وإيقاف الحوار السياسي والتعاون العلمي.
وتوضح دراسة خدمة البحوث البرلمانية أن تعليق اتفاقيات الشراكة يتطلب قرارًا بالإجماع من مجلس الاتحاد الأوروبي وفق المادة 218 (8) من معاهدة عمل الاتحاد، مما يجعله سيناريو صعبًا سياسيًا.
وتشير إلى أن الاتحاد لم يسبق أن فعّل بند حقوق الإنسان لتعليق اتفاقية شراكة بشكل كامل، وأنه في حالات سابقة تم الاقتصار على فتح مشاورات أو تعليق جزئي لبعض مجالات التعاون.
في حالة التعليق الكامل، ستُفرض على السلع الإسرائيلية رسوم جمركية كالمعمول بها مع الدول التي لا ترتبط باتفاقيات تجارة مع الاتحاد.
وفي حال اتخاذ هذا القرار، فإن صادرات “إسرائيل” التي ستتأثر تبلغ نحو 5.8 مليار يورو، ما سيؤدي إلى إضافة نحو 227 مليون يورو سنويًا من الرسوم، وفق رويترز.
كما سيُهدد هذا السيناريو صورة “إسرائيل” كشريك طبيعي لأوروبا ويؤثر على ثقة المستثمرين في قطاع التكنولوجيا الإسرائيلي، خصوصًا أن الاتحاد يمثل أكبر سوق لصادراتها الصناعية.
إلا أن الإجماع المطلوب يجعل هذا السيناريو غير مرجح في المدى المنظور، وهو ما تؤكده تصريحات دبلوماسيين أوروبيين بعدم وجود توافق واسع على التعليق.
2. تعليق جزئي أو تجميد امتيازات محددة
الخيار الأكثر طرحا هو تعليق جزئي لبعض أعمدة الاتفاقية، إذ تتيح المادة 79 للطرف المتضرر اتخاذ إجراءات مناسبة بعد التشاور مع مجلس الشراكة، مع إعطاء الأولوية للتدابير الأقل إضرارًا.
وفي سبتمبر/أيلول 2025، اقترحت المفوضية الأوروبية تعليق الامتيازات التجارية لـ”إسرائيل” بعد أن خلصت مراجعة للمادة 2 إلى أنها خالفت حقوق الإنسان.
يتضمن الاقتراح تعليق أحكام التجارة الأساسية مما يحرم “إسرائيل” من المعاملة التفضيلية ويعيد فرض الرسوم الجمركية، ويحتاج القرار إلى أغلبية مؤهلة (55 % من الدول تمثل 65 % من السكان).
وأفادت رويترز بأن الدول المعارضة – خصوصًا ألمانيا – تجعل تمرير القرار غير محتمل، لكن الاقتراح ذاته يظهر قدرة الاتحاد على استهداف التجارة دون تعليق شامل.
وهناك إجراء آخر يتمثل بتجميد التعاون العلمي، ففي يوليو/تموز 2025 اقترحت المفوضية تعليق مشاركة الكيانات الإسرائيلية في مسرّع المجلس الأوروبي للابتكار (آلية تمويل أوروبية ضمن برنامج أفق أوروبا).
ويستند هذا التجميد إلى ارتباط البرامج البحثية بشرط حقوق الإنسان، ويُعد ضربة للقطاع التقني الناشئ، لكنه إجراء محدد يمكن اعتماده بأغلبية مؤهلة دون الحاجة للإجماع.
وقد يلجأ الاتحاد الأوروبي أيضًا إلى تجميد الدعم المالي لبعض البرامج أو فرض قيود على السفر، مثل فرض عقوبات على وزراء أو مستوطنين متشددين.
3. الاستخدام كورقة ضغط سياسية
حتى في حال عدم تنفيذ أي تعليق، يُعد فتح النقاش حول الاتفاقية ورقة ضغط بحد ذاتها. فمراجعة المادة 2 التي أطلقتها المفوضية في مايو/أيار 2025 تمثل الخطوة الأولى لإطلاق مشاورات مع “إسرائيل” حول الالتزام ببنود حقوق الإنسان التي تنص عليها.
وتشير تقارير الدبلوماسيين إلى أن مجرد التهديد بتعليق الامتيازات يدفع “إسرائيل” إلى الاستجابة لضغوط إنسانية، مثل السماح بإدخال مساعدات إلى غزة. كما أن عريضة شعبية جمعت أكثر من مليون توقيع تطالب بتعليق الاتفاقية أظهرت أن الشارع الأوروبي يرى فيها أداة للضغط.
وبالتالي، يمتلك الاتحاد الأوروبي أدوات قانونية واقتصادية يمكن استخدامها تدريجيًا: من مراجعة الحقوق الإنسانية إلى تعليق جزئي للتجارة أو البحث، وصولًا إلى التعليق الكامل.
ويُستبعد تأييد التعليق الكامل لاتفاقية الشراكة في عدة دول وعلى وجه الخصوص ألمانيا وإيطاليا والمجر، لكن استمرار الدعوات لاتخاذ الخطوة يكشف عن الهوة بين خطاب الاتحاد حول القيم وواقع تطبيقها.
كما يُبرز أن “إسرائيل”، رغم قوتها العسكرية، تعتمد اعتمادًا كبيرًا على السوق الأوروبية وعلى التمويل العلمي الأوروبي، ما يمنح بروكسل أدوات يمكن أن تكون فاعلة إذا توافرت إرادة جماعية لاستخدامها.