• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

التصدع داخل الدعم السريع.. ماذا يكشف انشقاق النور قبة؟

عماد عنان٢١ أبريل ٢٠٢٦

في تطور قد يفتح الباب أمام موجة واسعة من التكهنات بشأن مآلات الحرب السودانية، أعلن اللواء النور أحمد آدم، المعروف بـ”النور قبة”، أحد أبرز القادة داخل قوات الدعم السريع، انشقاقه بشكل رسمي وانضمامه إلى الجيش الوطني السوداني.

وجاء هذا الإعلان متزامنًا مع وصوله إلى مدينة دنقلا في الولاية الشمالية، الأحد 19 أبريل/نيسان الجاري، حيث كان في استقباله رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش عبد الفتاح البرهان، الذي رحب به مؤكدًا أن أبواب القوات المسلحة تظل مفتوحة أمام كل من يختار إلقاء السلاح والانحياز إلى ما وصفه بمسار البناء الوطني.

ويُنظر إلى “النور قبة”، الذي يحمل رتبة لواء، بوصفه أعلى رتبة عسكرية تنشق عن صفوف الدعم السريع حتى الآن، وإن لم يكن أول من يسلك هذا المسار، إذ سبقه عدد من القادة، من أبرزهم قائد قوات درع السودان، أبو عاقلة كيكل، الذي أعلن انشقاقه في أكتوبر/تشرين الأول 2024.

وقد أعاد انشقاق رتبة بهذا الحجم طرح جملة من التساؤلات حول ما تنطوي عليه هذه الخطوة من مؤشرات ودلالات، وما إذا كانت تعكس تصدعات داخلية آخذة في التوسع داخل صفوف الدعم السريع بما قد يربك حساباته ويزيد من حالة استنزافه، أم أنها تظل في حدود التحركات الفردية التي لا تترك أثرًا حاسمًا في موازين الصراع، وما يمكن أن يترتب على ذلك كله من انعكاسات على مستقبل حرب الجنرالات في السودان.

رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية يلتقي المنشق من مليشيا آل دقلو الإرهابية القائد النور القبة

الولاية الشمالية – ١٩ أبريل ٢٠٢٦م

التقى السيد رئيس مجلس السيادة القائد العام للقوات المسلحة السودانية الفريق أول ركن عبدالفتاح البرهان اليوم اللواء النور القبة… pic.twitter.com/TT5K8vh5wq

— القوات المسلحة السودانية (@SudaneseAF) April 19, 2026

من هو النور قبة؟

يُعد اللواء النور قبة من أبرز القيادات الميدانية التي ارتبط اسمها تاريخيًا بصراعات إقليم دارفور غربي السودان، إذ ظل واحدًا من أكثر الشخصيات حضورًا وتأثيرًا في معادلات التوازن القبلي والعسكري هناك، لا سيما في المرحلة السابقة على اندلاع حرب الجنرالات في أبريل/نيسان 2023.

وفي عهد الرئيس المعزول عمر البشير، تمتع الرجل بمكانة لافتة داخل المنظومة الأمنية، حيث شغل عددًا من المناصب الرفيعة في قوات حرس الحدود، قبل أن تُدمج هذه القوات لاحقًا ضمن البنية التنظيمية لقوات الدعم السريع، التي يُعد النور قبة من بين المؤسسين الأوائل لها.

كما لعب دورًا بارزًا في الحصار الذي فرضته ميليشيا الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول 2025، مستفيدًا من معرفته الدقيقة بتضاريس الإقليم وتشابكاته القبلية، إلى جانب صلاته الوثيقة بقيادة الدعم السريع، وفي مقدمتها محمد حمدان دقلو “حميدتي” وشقيقه عبد الرحيم. وقد ارتبط ذلك الحصار باتهامات واسعة بوقوع انتهاكات جسيمة بحق المدنيين، وثقتها جهات حقوقية محلية ودولية.

وبحسب ما أوردته وكالة “أسوشيتد برس” نقلا عن صحيفة “سودان تريبيون”، فإن أسباب انشقاقه عن قوات الدعم السريع تعود إلى خلافات متصاعدة مع قيادتها، خصوصًا بعد عدم اختياره لتولي القيادة العسكرية في ولاية شمال دارفور، عقب سيطرة الدعم السريع على مدينة الفاشر في أكتوبر/تشرين الأول الماضي، وهي المدينة التي كانت تمثل آخر معاقل الجيش السوداني في الإقليم.

أي مؤشرات يحملها هذا الانشقاق؟

يحمل هذا الانشقاق في طياته جملة من المؤشرات المباشرة، في مقدمتها أن النور قبة، رغم ثقله العسكري والرمزي، لم يغادر وحده، بل اصطحب معه عددًا من المقاتلين ومعدات عسكرية، وهو ما يضفي على الخطوة طابعًا يتجاوز القرار الشخصي أو الموقف الفردي، ويفتح الباب أمام احتمال تكرارها في دوائر أخرى، بما يوحي بوجود حالة تململ أوسع داخل بعض التشكيلات الميدانية التابعة لقوات الدعم السريع.

ومن المؤشرات اللافتة كذلك أن الانشقاق لم يأتِ من فراغ، بل ارتبط، وفق المعطيات المتداولة، بخلافات مع قيادة الدعم السريع حول التعيينات ومراكز النفوذ، بما يكشف عن صراع مكتوم داخل بنية هذه القوات بشأن توزيع الأدوار وتقاسم السلطة الميدانية، فضلًا عن وجود تباين في المعايير المعتمدة للترقية والتكليف، وهي تباينات تبدو، على ما يظهر، أبعد من أن تكون محل توافق أو رضا كامل داخل الصف الداخلي، الأمر الذي يعزز فرضية اتساع دائرة الغضب والتنافس المكتوم.

وفي المحصلة، لا تكمن أهمية هذه الخطوة في الرتبة العسكرية التي يشغلها النور قبة فحسب، بل في طبيعة الفعل السياسي والعسكري الذي تمثله، فإقدام قيادي بارز، يُعد أحد الأضلاع المؤثرة داخل البنية الميدانية للدعم السريع، على الانشقاق في هذه المرحلة، يعكس بوضوح أن الشروخ الداخلية لم تعد محصورة في المستويات الدنيا أو الهوامش الطرفية، بل بدأت تلامس مستويات قيادية أكثر تأثيرًا، بما قد يحمل دلالات أعمق على مستوى تماسك القوة ومستقبلها في سياق الحرب الدائرة.

مجموعة من ميليشيا الدعم السريع تعلن استسلامها وتسلم نفسها للجيش السوداني في أحد محاور القتال جنوب مدينة الأبيض. pic.twitter.com/3TgyXIRKiH

— نون بوست (@NoonPost) February 13, 2026

خلل في بنية الدعم.. ما الأسباب؟

لم تكن الانشقاقات المتكررة داخل صفوف قوات الدعم السريع وليدة المصادفة، ولا مجرد حوادث معزولة بلا سياق، بل تبدو في جوهرها نتيجة طبيعية لتراكم جملة من العوامل التي أفضت تدريجيًا إلى إحداث تصدعات داخل بنيتها التنظيمية والميدانية،  في مقدمتها الضغوط المتزايدة التي باتت تواجهها القوات، خصوصًا على المستوى الخارجي، مع تصاعد العقوبات الأمريكية التي استهدفت مؤخرًا بعض شبكات الإسناد والحلفاء، بما أسهم، ولو جزئيًا، في تضييق هامش الحركة عليها وزيادة عزلتها.

ويضاف إلى ذلك ما تكبدته من خسائر ميدانية متلاحقة على يد الجيش السوداني، وهي خسائر لا تتوقف آثارها عند حدود الميدان، بل تترك أيضًا انعكاسات نفسية ومعنوية داخل الصفوف، عبر بث رسائل إحباط واهتزاز في الثقة، خاصة حين تتزامن مع تراجع أو انكفاء بعض دوائر الدعم الخارجي تحت وطأة الضغوط الدولية الرامية إلى وقف الإسناد الذي يُنظر إليه بوصفه أحد العوامل الرئيسية في إطالة أمد الحرب وتعقيد فرص التسوية الدبلوماسية.

وقد أفضى هذا التراكم، بدرجات متفاوتة، إلى زيادة عزلة ميليشيا الدعم السريع، وهي عزلة من الطبيعي أن تنعكس على درجة تماسكها الداخلي ووحدة بنيتها، ومما يزيد من حساسية هذا الوضع الخطاب الاحتوائي الذي يتبناه الجيش السوداني، من خلال إعلانه المتكرر فتح الأبواب أمام الراغبين في العودة إلى صفوفه من عناصر الدعم السريع من دون ملاحقة أو محاسبة، وهو خطاب يحمل في طياته إغراءً سياسيًا ونفسيًا واضحًا، وقد يدفع مزيدًا من القادة والعناصر إلى التفكير في اتخاذ المسار نفسه الذي سلكه النور قبة.

تصدع لا انهيار

لا يمكن إنكار الأثر الذي تتركه انشقاقات قيادات بهذا الوزن على تماسك ميليشيا الدعم، فهي في جوهرها مؤشر واضح على وجود تصدعات وخلافات داخلية، وتحمل دلالة لا يمكن التقليل من شأنها بوصفها جرس إنذار مبكر قد يربك الحسابات ويكشف عن خلل في البنية الداخلية،  ومع ذلك، فإن القراءة المتوازنة تقتضي في الوقت نفسه عدم تحميل هذه الخطوات أكثر مما تحتمل، أو القفز بها مباشرة إلى استنتاجات حاسمة بشأن قرب انهيار هذه القوات.

فالتحليلات التي تذهب إلى أن الدعم السريع بات على حافة السقوط بسبب هذه الانشقاقات وحدها تبدو بعيدة عن الواقع إلى حد كبير، إذ إن هذه ليست السابقة الأولى من نوعها، حتى وإن كانت الحالة الراهنة تتعلق بشخصية أعلى رتبة وأكثر تأثيرًا، لكن، وفي جميع الأحوال، تبقى هذه الانشقاقات، مهما كانت دلالتها، غير كافية بمفردها لإحداث انهيار كامل في بنية معقدة ومتشعبة مثل بنية الدعم السريع.

القوات المسلحة السودانية تحرر منطقة مقجة بالنيل الأزرق وتكبد مليشيا آل دقلو خسائر فادحة في الأرواح والعتاد.

الدمازين – ٢٠ أبريل ٢٠٢٦م

تمكنت القوات المسلحة السودانية – قوات الفرقة الرابعة مشاة – أسود النيل الأزرق والقوات المساندة لها من تحرير منطقة "مقجة" .. وكبدت المليشيا… pic.twitter.com/vwZ1HrMjPP

— القوات المسلحة السودانية (@SudaneseAF) April 20, 2026

ذلك أن الوصول إلى لحظة الانهيار يتطلب توافر مسارات عدة ومتوازية، من بينها بطبيعة الحال تصاعد التصدعات الداخلية، لكن أيضًا استمرار الضغوط الخارجية، وتفاقم الخسائر الميدانية، ورفع الغطاء عن شبكات الدعم والإسناد الخارجي، بالتوازي مع تكثيف الدعم السياسي والعسكري للجيش السوداني، وعند اجتماع هذه العوامل معًا، يمكن حينها الحديث عن بيئة قد تسرّع من سقوط حميدتي وقواته أو تدفعها إلى مرحلة أكثر حرجًا.

على الجانب الآخر، فإن صمت قوات الدعم السريع حتى الآن، وعدم صدور أي تعليق أو موقف رسمي منها بشأن هذا الانشقاق، يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول طبيعة رد الفعل الذي قد تبديه قيادتها إزاء هذه الظاهرة المتكررة، وما إذا كانت تمتلك القدرة على احتوائها ومنع تمددها، أم أن هذا الصمت قد يكون مقدمة لفتح المجال أمام المزيد من الانشقاقات والتآكل الداخلي في المرحلة المقبلة.

في الأخير، وبينما تدخل الحرب السودانية عامها الرابع، لا تبدو في الأفق حتى الآن أي مؤشرات جدية على انفراجة قريبة أو مسار قادر على انتشال البلاد من أزمتها المتفاقمة، وفي وقت ينشغل فيه الجنرالات بتوسيع هوامش النفوذ وتعزيز مكاسب السيطرة، يظل ملايين السودانيين معلّقين على حافة مصير غامض، يدفعون وحدهم الكلفة الأفدح لحرب لا يملكون قرارها، تحت وطأة ثلاثية قاسية تختصر المشهد كله، القتل، الجوع، والنزوح.

علاماتأزمات السودان ، الأحزاب السودانية
مواضيعالحرب في السودان ، الشأن السوداني

قد يعجبك ايضا

سياسة

خرائط توضيحية.. “إسرائيل” تبتلع مياه لبنان وتهدد “ثروته” الدفينة

نون إنسايت٢١ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

مضيق هرمز.. سلاح الردع الذي اكتشفته إيران خلال الحرب 

آلان آير٢١ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

بغداد في حسابات طهران.. ماذا وراء زيارة قاآني الخاطفة؟

عماد عنان٢٠ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑