كشفت الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي، أن إيران استخدمت بنوكًا وشركات مقرها في الإمارات العربية المتحدة وسلطنة عُمان وهونغ كونغ لمعالجة وغسل أموال لا تقل قيمتها عن 9 مليارات دولار، متجاوزة بذلك منظومة العقوبات الدولية المشددة المفروضة عليها.
وأكدت وثيقة صادرة عن وزارة الخزانة الأمريكية أن طهران تمكنت، خلال عام 2024، من تسهيل تحويل هذه المبالغ الضخمة عبر “حسابات مراسلة” في الولايات المتحدة، مستخدمة في ذلك “بنوك ظل” وشبكة معقدة من الشركات الوهمية والممارسات الخداعية للالتفاف على النظام المالي العالمي.
وأشارت الوثيقة صراحةً إلى أن هذه العمليات نُفذت بشكل رئيسي عبر كيانات تتخذ من هونغ كونغ ودولة الإمارات وسلطنة عُمان مقار لها، بهدف إخفاء هوية المستفيد الحقيقي وتمويل أنشطة وصفتها الخزانة بأنها “إرهابية”. كما وجهت الوزارة الأمريكية تحذيرًا شديد اللهجة إلى المؤسسات المالية والجهات الرقابية في الإمارات وهونغ كونغ والسلطنة، مؤكدة أن جزءًا كبيرًا من هذه المعاملات المليارية مر عبر بنوك تخضع لإشراف مباشر من دول حليفة.
وطالبت واشنطن هذه الجهات بممارسة “أقصى درجات اليقظة”، والتعرف الفوري على أي أنشطة مرتبطة بإيران ووقفها، محذرةً من أن التساهل قد يعرض تلك البنوك والمؤسسات لعقوبات أمريكية قاسية، وأن استمرارها في تسهيل معاملات لصالح طهران قد يضعها في مواجهة مباشرة مع الإجراءات العقابية الأمريكية.
تصعيد غير مسبوق
تعد رسالة الخزانة الأمريكية تصعيدًا غير مسبوق تجاه حليف إقليمي قوي مثل أبو ظبي، فواشنطن لم تكتفِ فيها بطلب التعاون، بل لوحت بعقوبات مباشرة على بنوك إماراتية، كما لوحت عزل المؤسسات المالية التي تسهل هذه التدفقات عن نظام السويفت (SWIFT) العالمي للتعاملات البنكية، مما يضرب سمعة الإمارات كمركز مالي عالمي.
والرسالة جاءت قبل انتهاء صلاحية إعفاءات بيع النفط الإيراني في 19 أبريل/نيسان 2026، ما يعني أن واشنطن تريد إغلاق كل منافذ الهروب المالي قبل بدء الحصار البحري والاقتصادي الكامل على إيران. وبالنسبة للإمارات فإن التحدي هو موازنة دورها كمركز تجاري للمنطقة مع متطلبات الامتثال الأمريكي الصارم لتجنب “تسونامي” عقوبات قد يهز ثقة المستثمرين.
لم ترد الإمارات بشكل مباشر على تحذير الخزانة الأمريكية، ولكن يبدو أنها اختارت الرد بطريق غير مباشر، إذ كشفت صحيفة “وول ستريت جورنال” يوم الاثنين 20 أبريل/نيسان أن محافظ مصرف الإمارات المركزي خالد محمد بالعمي اشتكى من آثار الحرب على إيران وأضرارها على اقتصاد بلاده، وقدم فكرة إنشاء خط لتبادل العملات مع وزير الخزانة الأمريكي سكوت بيسنت ومسؤولين من الوزارة ومجلس الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأمريكي) لتعويض استنزاف الدولار.
الإمارات تستغيث بترامب وأمريكا .. طلبت دعم دولاري عاجل لإنقاذ الاقتصاد من خسائر الحرب ضد إيران pic.twitter.com/NKDk8Aiu1O
— Osama Gaweesh (@osgaweesh) April 20, 2026
وفكرة “خط مقايضة عملات” (Swap Line) التي طرحتها الإمارات هي آلية تسمح للدولة بالحصول على الدولار بأسعار ميسرة لتعزيز احتياطيات النقد الأجنبي ومواجهة أي نقص مفاجئ في السيولة، حيث أكد الجانب الإماراتي أنه نجح في تجنب أسوأ تداعيات الحرب إلا أن المخاطر لا تزال قائمة، ما يستدعي الاستعداد لسيناريوهات أكثر تعقيدًا، وفق الصحيفة الأمريكية.
وذكرت “وول ستريت جورنال” أن القلق الإماراتي لا ينبع من تطورات عسكرية وحسب، بل من تهديد مباشر لمكانة الدولة باعتبارها مركزًا ماليًا عالميًا، فقد تسببت الحرب بأضرار في البنية التحتية للطاقة، وأعاقت تصدير النفط عبر مضيق هرمز، ما حرم البلاد من مصدر أساسي للإيرادات بالدولار.
الإمارات تلوح باستخدام العملة الصينية
مع تزايد مخاطر هروب رؤوس الأموال وتقلبات الأسواق، باتت الضغوط على الدرهم الإماراتي “المرتبط بالدولار”، أكثر وضوحًا رغم دعمه باحتياطيات ضخمة تُقدر بنحو 270 مليار دولار، ورغم أن طلب الإمارات لم يُقدم رسميًا بعد، جاء الطرح بصيغة استباقية، مع رسائل غير مباشرة مفادها أن استمرار الضغوط قد يدفع أبو ظبي إلى استخدام عملات بديلة، مثل اليوان الصيني، في تجارة النفط والمعاملات الدولية، وخطوة كهذه إن حدثت قد تشكل تحديًا ضمنيًا لهيمنة الدولار الأمريكي على سوق الطاقة العالمية.
لكن الحصول على هذا النوع من الدعم ليس سهلًا، بحسب الصحيفة التي أوضحت أن خطوط المبادلة التي يديرها الاحتياط الفيدرالي تُمنح عادة لدول ترتبط بشكل وثيق بالأسواق الأمريكية، مثل بريطانيا واليابان ومنطقة اليورو، وغالبًا ما تُستخدم في أوقات الأزمات العالمية الكبرى.
وتشير تقديرات “وول ستريت جورنال” إلى أن فرص الإمارات في الحصول على مثل هذا الترتيب عبر الفيدرالي تبقى محدودة، ما قد يدفعها إلى البحث عن بدائل عبر وزارة الخزانة الأميركية، التي سبق أن وفرت ترتيبات مشابهة لدول أخرى.
في السياق ذاته، قال كبير المستشارين الاقتصاديين للرئيس دونالد ترامب كيفين هاست إن الولايات المتحدة مستعدة لتقديم المساعدة لدولة الإمارات في حال أدت الحرب على إيران إلى تدهور وضعها الاقتصادي، لكنه اتفق مع ما ذكرته “وول ستريت جورنال” بأن خط مقايضة العملات لن يكون ضروريًا على الأرجح.
وعندما سُئل كيفين هاست، مدير المجلس الاقتصادي الوطني عن تقرير “وول ستريت جورنال”، فقال في مقابلة مع قناة “سي إن بي سي”: “لقد كانت الإمارات حليفًا قيمًا للغاية طوال هذه الجهود، وأنا على ثقة من أن وزير الخزانة سكوت بيسنت سيبذل قصارى جهده لمساعدتها، إذا لزم الأمر”، مشيرًا، في الوقت نفسه، إلى تقييم ترامب السابق بأن المحادثات الأميركية الإيرانية “تسير بشكل إيجابي للغاية”. وأضاف هاست: “أعتقد أنه (خط مقايضة العملات) لن يكون ضروريًا على الأرجح”، موضحًا أنه لم يتحدث مع وزير الخزانة بيسنت حول هذا الموضوع.
انتقادات إماراتية ضمنًا لترامب
لكن الطلب الإماراتي المغلف بشكل دبلوماسي لا يخلو من إشارات تتضمن تحميل قرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بمهاجمة إيران مسؤولية جر المنطقة والعالم إلى هذا الصراع، إذ حذر الجانب الإماراتي من أنه في حال استمرار استنزاف احتياطيات الدولار، قد تجد الدولة نفسها مضطرة للجوء إلى “اليوان الصيني” أو عملات بديلة أخرى لتسوية مبيعات النفط وإدارة معاملاتها التجارية الدولية، في إشارة قد تثير قلق صناع القرار في واشنطن حول مستقبل هيمنة الدولار بسبب استخدامه شبه الحصري في تجارة النفط فيما يعرف بمسمى “البترودولار”، حيث يُعاد استثماره في سندات الخزانة والأسهم والأصول العالمية ويساهم في ترسيخ مكانة الدولار كعملة احتياط عالمية.
ومع ذلك، فاجأ المقترح الإماراتي بعض المحللين نظرًا لثراء الدولة الخليجية وامتلاكها احتياطيات ضخمة؛ إذ تُقدر أصول جهاز أبو ظبي للاستثمار بنحو تريليون دولار أمريكي، إضافة إلى احتياطيات تُقدر بنحو 270 مليار دولار بفعل صادرات النفط.
وشكك براد سيتسر، الخبير السابق في وزارة الخزانة الأمريكية والباحث حاليًا في مجلس العلاقات الخارجية، في الطلب الإماراتي قائلًا إنه مستغرب بالنظر إلى قوة البنك المركزي والصناديق السيادية الإماراتية، مرجحًا أن إدارة ترامب لن تستجيب له، ومعتبرًا أنه لا يوجد ما يبدو “أمريكا أولًا” في تقديم شريان مالي لأحد أغنى مشيخات النفط، فقط لتجنب الاقتراض من الأسواق أو بيع الأصول.
وفي تعليقٍ له على حسابه الشخصي بمنصة إكس، قال سيتسر إنه يعتقد أن الطلب الإمارات بخط مبادلة أو دعم دولاري يُفهم كـ “إشارة سياسية مالية” موجهة لواشنطن أكثر من كونه طلب إنقاذ. بمعنى أن أبو ظبي تريد تنازلات واضحة (ضمان سيولة، مرونة تنظيمية، سقف ضغط محسوب) وليس فقط التكيف مع ضغط رسالة الخزانة الأمريكية التي أشرنا إليها بالأعلى.
The UAE has a ton of options —
1) It has a ton of bills (natural source of liquidity), over $50b
2) It can use the Fed’s repo facility (“FIMA repo”, something I advocated for in the past) to borrow cash v its Treasuries
3) Abu Dhabi (the largest emirate) can borrow infinite… https://t.co/g7BxjNb9aZ— Brad Setser (@Brad_Setser) April 20, 2026
ويشير الباحث إلى أن الإمارات، ولا سيما أبوظبي، تمتلك بدائل سيولة داخلية قوية، تتمثل في أذون وأصول سائلة، وإمكانية استخدام آلية البيع والشراء مع الاحتياطي الفيدرالي، فضلًا عن قدرة اقتراض شبه غير محدودة عبر كياناتها السيادية؛ ما يعني عدم وجود أزمة نقدية حقيقية داخل الدولة.
لكن عالِم الاقتصاد الأمريكي البارز ستيف هانكي يفترض أن طلب الإمارات ليس مجرد تفاوض لأزمة حالية أو قصيرة المدى، بل مؤشر إنذار مبكر على أن آثار الحرب على اقتصاد الإمارات أعمق مما تم الإعلان عنه، سواء عبر اضطراب مضيق هرمز وضرب السياحة خاصة في دبي وارتفاع كلفة التأمين والشحن، أو تذبذب تدفقات النفط والسيولة. هذا يتسق مع تقديرات هانكي الأوسع بأن الحرب ستُحدث تحولات اقتصادية عميقة وغير محسوبة بالكامل.
The WSJ reports that the UAE has requested a US financial backstop.
As a former member of the UAE’s Financial Advisory Council (2008–14), it’s clear to me that the UAE’s request signals that the collateral damage from the US-Israeli war on Iran is much greater than reported. pic.twitter.com/6ipwF1JG3c
— Steve Hanke (@steve_hanke) April 20, 2026
والروايتان لا تتناقضان بقدر ما تكشفان عن مستويين متوازيين، إذ توجد أزمة سيولة حالية، لكن في المقابل هناك تخوف إماراتي من صدمة قادمة مرتبطة بالتصعيد مع إيران، ما يجعل الطلب على دعم دولاري تموضعًا استباقيًا قبل أن تتحول المخاطر إلى أزمة فعلية، وفقًا لرؤية هانكي. في المقابل، يركز سيتسر على امتلاك أبوظبي أدوات وسيولة نقدية، إضافة إلى قدرة اقتراض مرتفعة، ما يجعل الحاجة الفورية محدودة؛ وبالتالي يمكن قراءة هذا الطلب بوصفه إشارة تفاوضية تهدف إلى انتزاع تنازلات، مثل ضمان تدفق الدولار، أو مرونة تنظيمية، أو حتى تخفيف ضغوط الخزانة الأمريكية.
مستشار سابق لترامب يهاجم الإمارات
بالعودة إلى تصريحات مدير المجلس الاقتصادي الوطني في الولايات المتحدة، كيفن هاسِت، التي تعهد فيها بمساعدة الإمارات إذا احتاجت إلى دعم مالي، فإننا نجد أنها أثارت حفيظة بعض أنصار الرئيس ترامب ودائرته المقربة؛ إذ هاجمها حليفه وصديقه ستيف بانون بشدة خلال برنامجه “وور روم”، منتقدًا ما اعتبره تحمل المواطن الأمريكي العادي كلفة نمط حياة النخب في دبي، ومعتبرًا أن دافعي الضرائب “يدفعون ثمن ذلك” بينما هم خارج هذه الدائرة.
خلال البرنامج وصف المستشار السابق لترامب المسؤولين الإماراتيين بـ”الحثالة”، مضيفًا “الإمارات تدخل على وزارة الخزانة وتطلب خط ائتمان بلا فائدة، وبلا ضمانات. وفي المقابل، الطبقة الوسطى الأمريكية تم تدميرها في 2008، ولم يأتِ أحد لنجدتها. أبناؤكم منتشرون ضمن قوات في عُمان لحماية هؤلاء، بينما هم يقضون وقتهم في حفلات بدبي بملابس السباحة. أنتم مجرد كادحين تدفعون ثمن كل هذا”.
BANNON: The UAE walks into Treasury and wants a credit line. No interest. No collateral. Meanwhile, the American middle class got wiped out in 2008, and nobody came. Your kids are on strike forces in Oman protecting these people, and they’re partying in Dubai in bikinis. You’re… pic.twitter.com/4trR5mluTr
— Bannon’s WarRoom (@Bannons_WarRoom) April 20, 2026
الفاصل الزمني بين رسالة وزارة الخزانة الأمريكية، وما تضمنته من تهديد بفرض عقوبات مباشرة على بنوك إماراتية وعزلها عن نظام “سويفت” العالمي للتعاملات البنكية، وبين تسريبات صحيفة “وول ستريت جورنال” بشأن طلب الإمارات دعمًا ماليًا أمريكيًا، لم يتجاوز أسبوعًا واحدًا، وهو ما يرجح أن الأمر لم يكن محض صدفة.
ويرجح أن التوقيت والترابط الوظيفي بين الحدثين يعكسان ضغطًا تنظيميًا أمريكيًا مزدوجًا؛ يلوح باستهداف بنوك إماراتية ورفع كلفة الوصول إلى الدولار، بما في ذلك التهديد بالعزل عن نظام “سويفت”، في مقابل تسريب يضع على الطاولة طلب أبوظبي شبكة أمان دولارية أمريكية. وقد حظي هذا التسريب بانتشار إعلامي واسع منذ نشرته الصحيفة.
بالمقابل، يكشف تقرير لـ”ميدل إيست آي” عن فجوة عميقة داخل الإدارة الأمريكية، فبينما يرى الجناح الدبلوماسي مثل مدير المجلس الاقتصادي الوطني كيفين هاست ضرورة منح القرض لضمان بقاء الإمارات في الفلك الأمريكي ومنع تحولها إلى اليوان الصيني، يتبنى جناح الصقور مثل ستيف بانون لغة عدائية تصف الإماراتيين بـ “الحثالة”، معتبرًا أن حماية الحلفاء يجب ألا تكون مجانية أو بتمويل أمريكي.
أخيرًا، التسريبات الإعلامية والانقسام داخل إدارة ترامب وحلفائه يمكن أن يضعا صانع القرار الإماراتي في كماشة حقيقية؛ إما القبول بشروط الخزانة القاسية التي تعني عمليًا تسليم رضوخ الرقابة المصرفية لواشنطن وتحمل كلفة خسارة تدفقات تجارية ضخمة، أو الرهان على تنويع العملات والتقارب مع بكين، وهو خيار محفوف بمخاطر الانتحار المالي في حال نفذت واشنطن التهديد بعزل جزء من بنوكها عن الدولار.