• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

كيف تستخدم واشنطن الشحنات الدولارية للتأثير على المشهد السياسي في العراق؟

عماد عنان٢٣ أبريل ٢٠٢٦

علّقت إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب شحنة جوية تُقدّر بنحو 500 مليون دولار من عائدات مبيعات النفط العراقي كانت متجهة إلى بغداد، بالتزامن مع قرار تجميد تمويل برامج التعاون الأمني مع الحكومة العراقية، وذلك وفق ما أوردته صحيفة “وول ستريت جورنال“.

وبحسب ما نقلته الصحيفة، برّرت وزارة الخارجية الأمريكية هذه الخطوة بما وصفته بـ”إخفاق” الحكومة العراقية في كبح هجمات الفصائل المسلحة الموالية لإيران، معتبرة أن هذا الإخفاق ينعكس سلبًا على طبيعة العلاقة بين واشنطن وبغداد، كما أشارت إلى أن جهات مرتبطة بالحكومة العراقية ما تزال توفّر، وفق التقدير الأمريكي، غطاءً سياسيًا وماليًا وعملياتيًا لتلك الفصائل.

– علقت الولايات المتحدة إرسال طائرات شحن الأموال التي تحمل عائدات النفط العراقي من حسابات البنك المركزي في الاحتياطي الفيدرالي بنيويورك.

– منع مسؤولو الخزانة الأمريكية تسليم شحنة تقدر بنحو 500 مليون دولار نقدًا.

– تهدف واشنطن من هذه الخطوة إلى تجفيف منابع السيولة عن الأحزاب… pic.twitter.com/fm374WxaK6

— نون بوست (@NoonPost) April 22, 2026

ويأتي هذا التحرك في توقيت إقليمي وسياسي بالغ الحساسية، إذ يتزامن مع تصاعد المواجهة الأمريكية–الإسرائيلية مع إيران، فضلًا عن حالة الجمود السياسي داخل العراق بشأن اختيار رئيس للحكومة، وهو ما يفتح الباب أمام قراءة الخطوة في سياق أوسع، يتجاوز البعد المالي إلى توظيف ورقة الدولار مجددًا كأداة ضغط مؤثرة في المعادلة السياسية العراقية، خاصة وأن هذه السياسة ليست بالجديدة على الولايات المتحدة.

وفي ظل المخاوف المتزايدة من انعكاسات هذه السياسات على الداخل العراقي، يبرز تساؤل جوهري حول أهداف واشنطن من تعليق هذه الشحنة في هذا التوقيت، وما إذا كان ذلك يشير إلى مرحلة جديدة من استخدام الأدوات الاقتصادية لإعادة تشكيل توازنات المشهدين السياسي والأمني في العراق.

بداية.. ما المقصود بالشحنات الدولارية الأمريكية للعراق؟

منذ عام 2003، اعتمدت الولايات المتحدة إطارًا ماليًا خاصًا لإدارة عائدات النفط العراقي، يقوم على إيداع إيرادات بيع النفط في حسابات خارجية لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، وقد عُرفت هذه الآلية في بدايتها بـ”صندوق تنمية العراق”، قبل أن تتحول لاحقًا إلى حسابات يديرها البنك المركزي العراقي ضمن المنظومة المالية الدولية.

وبموجب هذا الترتيب، تُحوَّل عائدات النفط إلى العراق على شكل دفعات وشحنات دولارية دورية -غالبًا شهرية- في إطار ما تُقدّمه واشنطن باعتباره نظامًا يهدف إلى تعزيز الشفافية، والحد من الفساد، ومراقبة حركة الدولار بما يمنع تسربه إلى جهات غير رسمية، وعلى رأسها الفصائل المسلحة، لاسيما تلك المرتبطة بإيران.

ويعتمد الاقتصاد العراقي بدرجة كبيرة على هذه التدفقات الدولارية في تسيير مفاصله الحيوية، إذ يقوم البنك المركزي العراقي باستلام الدفعات بداية كل شهر، وضخها في السوق المحلية لتمويل التجارة، وتأمين الرواتب، وتلبية الاحتياجات المالية للدولة، بما يضمن قدرًا من الاستقرار النقدي.

غير أن هذه الآلية، رغم كونها تُدير أموالًا عراقية خالصة ناتجة عن صادرات النفط، تضع تدفّقها الفعلي في أيدي الأمريكان، حيث لا يمتلك العراق حرية كاملة في سحبها أو التحكم بتوقيتها، ومن ثم وفي ظل أي توتر سياسي أو أمني، يمكن لواشنطن إبطاء أو تعطيل هذه التحويلات، وهو ما يحوّل الأداة المالية إلى ورقة ضغط مؤثرة قد تضع بغداد أمام تحديات اقتصادية حقيقية.

أي تأثير محتمل لتعليق تلك التدفقات؟

يعتمد الاقتصاد العراقي بصورة شبه كاملة على عائدات النفط في تمويل الموازنة العامة، إذ تمثّل هذه الإيرادات المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية اللازمة لتغطية متطلبات الاستيراد، فضلًا عن كونها الركيزة الأساسية للوفاء بالالتزامات المالية الداخلية والخارجية للدولة.

وتؤدي التدفقات الدولارية الدورية، القادمة من حسابات البنك المركزي العراقي لدى الاحتياطي الفيدرالي الأمريكي في نيويورك، دورًا حاسمًا في دعم الاستقرار النقدي، حيث تُستخدم في تمويل الرواتب والأجور، وضخ السيولة في السوق المحلية، وتغطية النفقات التشغيلية لمؤسسات الدولة.

وفي ضوء هذا الاعتماد الهيكلي، فإن أي تعطيل أو إبطاء لهذه التدفقات لا يقتصر تأثيره على الجانب المالي فحسب، بل يمتد ليطال مجمل النشاط الاقتصادي، بما قد يدفع نحو اختلالات حادة في سوق الصرف، وتراجع قيمة العملة المحلية، وتفاقم الضغوط المعيشية.

كما أن استمرار مثل هذه الاضطرابات يحمل في طياته مخاطر أوسع على الاستقرار الداخلي، بما قد ينعكس على الأمنين الاقتصادي والاجتماعي في البلاد، ومن هنا، تبرز حساسية ورقة التدفقات الدولارية الشهرية بوصفها أحد أبرز محددات التوازن الاقتصادي في العراق، وأداة يمكن أن تتحول -في سياقات التوتر- إلى عامل ضغط بالغ التأثير على الدولة والمجتمع على حد سواء.

واشنطن وورقة الدولار

ليست هذه السابقة الأولى التي تلجأ فيها الولايات المتحدة إلى تعليق شحنات الدولار المتجهة إلى العراق، إذ غالبًا ما تأتي مثل هذه الخطوات في سياق توترات سياسية أو أمنية بين واشنطن وبغداد، حيث توظّف الإدارة الأمريكية الأدوات الاقتصادية بوصفها وسيلة ضغط سريعة وفعّالة لإيصال رسائلها إلى الداخل العراقي.

وفي هذا الإطار، تسعى واشنطن من خلال تعليق هذه الشحنات إلى تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها الحد من تدفّق التمويل إلى الفصائل المسلحة الموالية لإيران، وعلى رأسها الحشد الشعبي، وذلك خشية تسرب الدولار عبر قنوات غير رسمية إلى الحرس الثوري الإيراني كأحد طرق الالتفاف على العقوبات الغربية المفروضة على طهران.

زيارة يوم واحد فقط كانت كافية لتقول الكثير:#إيران ما زالت هنا، و #العراق لم يخرج من حساباتها، وأي استحقاق سياسي في #بغداد لا يزال يمر عبر ميزان النفوذ الإقليمي.
📌 بغداد في حسابات طهران.. ماذا وراء زيارة #قاآني الخاطفة؟#الحرب_الأمريكية_ضد_إيران#مضيق_هرمز#إسلام_أباد#ترامب…

— نون بوست (@NoonPost) April 20, 2026

كما تمثل هذه الخطوة أداة ضغط مباشرة على الحكومة العراقية، عبر الإيحاء بقدرة أمريكا على التأثير في استقرار الاقتصاد الوطني من خلال التحكم في تدفقات العملة الصعبة، بما قد ينعكس سريعًا على السوق المحلية، كما تحمل رسالة ضمنية مفادها أن استقرار المشهد الاقتصادي يرتبط بدرجة التنسيق مع السياسات الأمريكية، في حين أن الابتعاد عنها قد يقود إلى مزيد من الضغوط.

ولا تقتصر دلالات القرار على الداخل العراقي فحسب، بل تمتد أيضًا إلى إيران، إذ تعكس رغبة واشنطن في التأكيد على امتلاكها نفوذًا مؤثرًا داخل العراق، لا سيما في المجال الاقتصادي، بما يمكّنها من التأثير على مجمل التوازنات، بما في ذلك القوى القريبة من طهران،  ومن خلال هذه الأداة، توجّه الإدارة الأمريكية رسالة مزدوجة إلى كل من بغداد وطهران مفادها أن ورقة الاقتصاد -وتحديدًا تدفقات الدولار- تبقى أحد أبرز عناصر النفوذ القادرة على إعادة تشكيل موازين القوة داخل العراق.

ماذا عن اختيار رئيس الحكومة؟

أثار توقيت القرار بدوره تساؤلات واسعة، إذ لم يُنظر إليه كإجراء تقني معزول، بل كخطوة ذات أبعاد سياسية واضحة، جاءت متزامنة مع أزمة داخلية يعيشها العراق تتعلق بحسم ملف رئاسة الحكومة، ففي ظل حالة الجمود السياسي التي تخيّم على بغداد، وتصاعد التجاذبات غير المعلنة بين واشنطن وطهران، بدا القرار وكأنه جزء من سياق أوسع لإعادة تشكيل موازين القوى.

وجاء تعليق الشحنة الدولارية بعد أيام قليلة من زيارة قائد فيلق القدس إسماعيل قاآني إلى بغداد، والتي تزامنت تقريبًا مع تحركات أمريكية موازية، من بينها زيارة المبعوث الأمريكي توم باراك، هذا التزامن يعكس سعي كل طرف إلى التأثير في مسار المشهد السياسي العراقي وفق مقاربته الخاصة.

في هذا السياق، كانت قوى الإطار التنسيقي القريبة من إيران قد استقرت مؤخرًا على ترشيح زعيم ائتلاف دولة القانون، نوري المالكي، لرئاسة الحكومة، وهو خيار قوبل بتحفظات أمريكية واضحة، ما أضاف تعقيدًا إلى عملية التوافق، ودفع طهران إلى تكثيف تحركاتها لإعادة ترتيب البيت السياسي الشيعي في مواجهة الضغوط الخارجية.

انطلاقًا من ذلك، يمكن قراءة ورقة الدولار كأداة ضغط موجهة للتأثير في مسار الاختيار السياسي، عبر الإيحاء بأن أي مرشح لا يحظى بقبول أمريكي قد يواجه بيئة اقتصادية مضطربة، نتيجة تعطيل أو تقييد التدفقات الدولارية، بما ينعكس مباشرة على الاستقرار الداخلي.

ولا تقتصر تداعيات هذا الضغط على الحكومة وحدها، بل تمتد إلى الفصائل القريبة من إيران، التي تشكّل جزءًا من معادلة النفوذ السياسي في العراق، إذ إن أي تضييق على تدفق الدولار قد يؤثر، بشكل أو بآخر، على قدرتها المالية وحضورها داخل المشهد، وهو ما قد ينعكس بدوره على توازنات اختيار رئيس الحكومة، ويضع طهران أمام تحديات إضافية في إدارة نفوذها داخل الساحة العراقية.

لم يعد خافيًا على أحد ملامح المقاربة الأمريكية تجاه العراق، فهي ليست محلّ التباس ولا شك، ولا تحتاج لإعادة تقييم ودراسة، إذ يبدو أن كافة الإدارات الأمريكية، أيًا كانت هويتها، تلتزم ذات النهج؛ حيث استخدام ورقة الدولار كرافعة ضغط سياسي وأداة ابتزاز مؤثرة في توجيه القرارات الحكومية، والتدخل في الشأن العراقي بمنتهى السفور والتغول، حتى لو كان الثمن وضع حياة أكثر من 46 مليون عراقي على المحك.

علاماتالاقتصاد العراقي ، السياسة الأمريكية ، الشأن العراقي ، العلاقات الأمريكية العراقية ، ترامب رئيسًا للمرة الثانية
مواضيعاحتلال العراق ، الاقتصاد العراقي ، الانتخابات العراقية ، السياسة الأمريكية ، الشأن العراقي

قد يعجبك ايضا

سياسة

بالصور: كيف تتغلغل النزعة العسكرية المفرطة في حياة الإسرائيليين؟

نيسي بيلي٢٣ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

سلوان وخارطة التهويد الكبرى في القدس

علي حسن إبراهيم٢٢ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

جمود على الطاولة وتصعيد على الأرض.. ماذا تفعل “إسرائيل” في درعا والقنيطرة؟

حسام المحمود٢٢ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑