• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

حرب السودان.. سوق مفتوحة للسلاح ومختبر للطائرات المسيّرة

عماد عنان٧ يونيو ٢٠٢٦

دبابة عسكرية متضررة في أم درمان، السودان، أبريل/نيسان 2024. الطيب صديق / رويترز

تُعد الحروب والأزمات واحدة من أكثر البيئات ملاءمة لازدهار سوق تجارة السلاح؛ فكلما اشتعلت جبهة، انتعشت معها خزائن شركات التصنيع العسكري، واتسعت هوامش الربح لدى الدول المنتجة للسلاح، وفي مثل هذه السياقات، لا تبقى البلدان المنكوبة بالحروب مجرد ساحات صراع محلية، بل تتحول تدريجيًا إلى أسواق مفتوحة لتصريف السلاح، أو إلى حقول اختبار ميدانية لتجريب منظومات قتالية جديدة تحت شروط حرب حقيقية.

يأتي السودان اليوم كأحد أكثر النماذج وضوحًا لهذه الظاهرة، فمنذ اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وميليشيا الدعم السريع في أبريل/نيسان 2023، تحوّل هذا البلد المنهك اقتصاديًا وسياسيًا إلى ساحة مفتوحة لتدفق عشرات الأنواع من الأسلحة المتطورة، ومسرح مستباح لاختبار أنظمة تسليحية حديثة، في حرب تجاوزت حدود الصراع الداخلي إلى ما يشبه سوقًا دولية مصغّرة للسلاح والنفوذ.

وقد وثقت منظمات دولية وتقارير بحثية عديدة كيف أصبح السودان، خلال هذه الحرب، ساحة تنافس بين قوى وشبكات تصنيع وتوريد السلاح، حيث تتقاطع مصالح الدول، والوسطاء، والشركات، والفاعلين الإقليميين، دون اعتبار حقيقي للكلفة الإنسانية الهائلة، ليدفع المواطن السوداني البسيط، الذي يفتقر للأمن والغذاء والدواء، ثمن هذا السباق المسلح، ويجد نفسه وحده يسدد فاتورة استباحة أرضه من قبل أباطرة السلاح وأصحاب الأجندات المتصارعة.

منافذ السلاح السوداني

هناك ثلاثة مسارات رئيسية لتدفق السلاح داخل السودان خلال الحرب الدائرة حاليًا، وهي مسارات تكشف حجم التشابك بين الموروث العسكري الداخلي، وشبكات التهريب الإقليمية، والتدخلات الخارجية التي غذّت الصراع ووسّعت نطاقه وأطالت أمده.

يتمثل المسار الأول في مخزونات الجيش السوداني القديمة، وهي الأسلحة المتراكمة منذ سنوات داخل ترسانة الدولة ومعسكراتها ومخازنها العسكرية، ويُعد هذا المصدر الأكثر حضورًا في ميدان القتال، سواء لدى الجيش بحكم امتلاكه الطبيعي لهذه الترسانة، أو لدى ميليشيا الدعم السريع بعد سيطرتها منذ بداية الحرب على عدد من المواقع والمعسكرات والمخازن العسكرية، وتضم هذه المخزونات في الغالب أسلحة خفيفة ومتوسطة، وذخائر، وبعض المدفعيات، والمدرعات، والعربات القتالية.

– تشهد ولاية "جونقلي" شمال العاصمة جوبا مواجهات عسكرية حامية منذ كانون الأول/ ديسمبر الماضي بين الجيش الحكومي بقيادة الرئيس سلفا كير، والقوات الموالية لنائبه السابق رياك مشار، مما يهدد بتقويض اتفاق السلام الهش المبرم عام 2018.

– أدت المعارك إلى نزوح أكثر من 180 ألف شخص ومقتل… pic.twitter.com/vifAXhip33

— نون بوست (@NoonPost) January 26, 2026

أما المسار الثاني، فيرتبط بالسوق غير النظامية للسلاح، عبر الحدود المفتوحة وشبكات التهريب والجماعات المسلحة وسماسرة السلاح في الداخل والخارج، ويبدو هذا المسار أكثر ارتباطًا بميليشيا الدعم، بحكم علاقاتها الممتدة مع شبكات عابرة للحدود في مناطق الهشاشة الإقليمية، خصوصًا القادمة من تشاد وجنوب السودان وجمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا، وتكمن خطورة هذا المسار في أنه لا يخضع لأي رقابة رسمية، ويجعل استمرار الحرب مرتبطًا باقتصاد تهريب واسع يصعب تفكيكه سريعًا.

ثم يأتي المسار الثالث، وهو الأحدث والأكثر حساسية، ويتمثل في الأسلحة الأجنبية حديثة الصنع التي دخلت الميدان منذ اندلاع حرب الجنرالات، سواء عبر قنوات رسمية أو غير رسمية، وتشمل هذه الفئة أسلحة نوعية ومتطورة، دخلت عن طريق نوافذ مختلفة تتأرجح بين الصين والإمارات وروسيا وتركيا والسعودية ومصر وبعض الدول الأوروبية.

أنواع التسليح

ينقسم السلاح المستخدم في الحرب السودانية الحالية إلى ثلاثة مستويات رئيسية، المستوى الأول، ويشمل الأسلحة الخفيفة والتقليدية، مثل البنادق الهجومية، الرشاشات المتوسطة والثقيلة، القاذفات المحمولة، المسدسات، وذخائر الأسلحة الصغيرة، وتُعد هذه الفئة الأكثر انتشارًا في ساحات القتال، خصوصًا داخل المدن والقرى وعلى الطرق السريعة.

كما يشمل هذا المستوى العربات رباعية الدفع المسلحة، المدرعات، ناقلات الجنود، والعربات التكتيكية المستخدمة في المعارك المفتوحة والتحرك السريع، إلى جانب المدفعية التقليدية كالقذائف الهاون، المدافع المقطورة، راجمات الصواريخ متعددة الفوهات، والصواريخ أرض – أرض قصيرة المدى، فضلاً عن الطائرات الحربية والمروحيات التي يمتلكها الجيش السوداني.

– كشفت صور الأقمار الصناعية التي حللها مختبر جامعة ييل عن وجود طائرة استطلاع مسيّرة صينية حديثة من طراز "BZK-005E" في مطار نيالا بجنوب دارفور، في حين يُعد هذا أول ظهور موثق لهذا السلاح المتقدم بحوزة ميليشيا الدعم السريع.

– ربطت تحقيقات الباحثين مسار هذه الطائرة بمجموعة… pic.twitter.com/60b0qBodb9

— نون بوست (@NoonPost) June 3, 2026

أما المستوى الثاني، فيضم الأسلحة المتطورة، مثل الصواريخ المضادة للدروع، وأنظمة الدفاع الجوي المحمولة، والتي وثقت منظمات حقوقية مثل هيومن رايتس ووتش وصولها إلى ميليشيا الدعم السريع عبر منافذ عدة، إلى جانب أنظمة التشويش والاتصالات المشفرة، ومعدات المراقبة والاستطلاع، والتي تمثل أدوات رئيسية في تعزيز القدرة العملياتية والتكتيكية للأطراف غير الرسمية.

يتركز المستوى الثالث من التسليح في الحرب السودانية على الطائرات المسيرة، التي تحولت في الأشهر الأخيرة إلى السلاح الأكثر تأثيرًا والورقة الأهم في حسم كثير من المعارك، وقد تنوع استخدام هذه الطائرات بين الاستطلاع، وتحديد الأهداف، وتنفيذ الضربات الدقيقة، بالإضافة إلى الهجمات الانتحارية.

ولوحظ مؤخرًا أن ميليشيا الدعم السريع استعانت بهذا السلاح في استهداف البنية التحتية للعديد من المناطق السودانية، ما أعاد سياسة “الأرض المحروقة” التي اتبعها محمد حمدان دقلو (حميدتي) منذ بداية الحرب، وأدى إلى عودة موجات النزوح وتكرار المشهد البشري الكارثي في مناطق النزاع.

اللافت أن كلا الطرفين، الجيش السوداني وقوات الدعم، استعانا بهذا السلاح، البداية كانت للجيش بقيادة عبدالفتاح البرهان، الذي استخدم الطائرات المسيرة في تحرير مناطق واسعة من قبضة ميليشيا حميدتي، قبل أن يستعيد الأخير بعد حصوله على نوعيات متطورة من هذه الطائرات القدرة على استعادة بعض المناطق المحررة، وتحقيق توازن نسبي في المعركة، بعد أن كانت على بعد أمتار قليلة من الحسم لصالح الجيش.

مصادر السلاح

تتنوع مصادر السلاح في السودان بحسب أطراف الحرب ومسارات النفوذ المرتبطة بكل طرف، حيث يبدو المشهد التسليحي منقسمًا إلى ثلاثة محاور رئيسية، مصادر مرتبطة بالجيش السوداني، وأخرى بميليشيا الدعم، وثالثة عابرة للحدود أو ذات طبيعة إقليمية مشتركة، في تشابك يكشف حجم الاختراق الذي تعرضت له الساحة السودانية، ليس فقط على مستوى تدفق السلاح، بل أيضًا على مستوى الأجندات الخارجية التي وجدت في الحرب بابًا واسعًا لتعزيز نفوذها وإعادة تشكيل موازين القوة داخل البلاد.

أولًا: مصادر سلاح الجيش السوداني: يعتمد الجيش السوداني في تسليحه بالأساس على الترسانة الرسمية للدولة، وهي ترسانة تراكمت على مدار عقود طويلة، وشكلت العمود الفقري لقدراته العسكرية منذ بداية الحرب، فقد امتلك الجيش، بحكم كونه المؤسسة العسكرية النظامية، مخزونًا واسعًا من الأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، إلى جانب المدرعات والمدفعية والطيران الحربي والذخائر.

ومع تطور الصراع واتساع رقعته، دخلت مصادر أخرى على خط دعم الجيش، أبرزها إيران من خلال المسيّرات والصواريخ والذخائر، وتركيا عبر المسيّرات الهجومية والاستطلاعية المتطورة، فضلًا عن مصر التي برز حضورها في الدعم اللوجستي والاستخباراتي، إلى جانب واردات أو قنوات تسليح محدودة من الصين وروسيا ودول أخرى، استهدفت تعزيز قدرة الجيش على الصمود واستعادة زمام المبادرة في عدد من الجبهات.

ثانيًا: مصادر سلاح ميليشيا الدعم السريع: يمثل هذا المسار الجانب الأكثر تعددًا وتشابكًا في خريطة التسليح داخل السودان، فقد اعتمدت ميليشيا الدعم السريع، منذ بداية الحرب، على عدة مصادر متوازية، في مقدمتها مخازن الجيش السوداني التي استولت عليها خلال المعارك الأولى، وما وفرته لها من أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية مكّنتها من توسيع حضورها الميداني.

إلى جانب ذلك، استفادت الميليشيا من شبكات تهريب إقليمية عابرة للحدود، تمر عبر الساحل والصحراء، وتمتد من ليبيا وتشاد إلى جمهورية إفريقيا الوسطى وجنوب السودان، وهذه الشبكات وفرت للدعم  مسارات إمداد مرنة، يصعب ضبطها أو إخضاعها للرقابة، ما جعلها عنصرًا أساسيًا في استمرار الحرب واتساع نطاقها.

"الإمارات تسلّح الدعم السريع لمواصلة الحرب الوحشية".. الصحفي جوني هاريس، يستعرض أدلة على إرسال الإمارات أسلحة لقوات الدعم السريع في السودان تحت غطاء المساعدات الإنسانية للاجئين#السودان pic.twitter.com/t14tEwe5ub

— نون بوست (@NoonPost) September 13, 2024

وتأتي الإمارات في مقدمة الأطراف الأكثر حضورًا في ملف تسليح الدعم السريع، إذ وثقت تقارير عدة دور أبو ظبي في تسهيل وصول أسلحة متطورة صينية الصنع وأنظمة فرنسية إلى الميليشيا، وهو ما ساهم في بقائها داخل الميدان وقدرتها على إعادة ترتيب صفوفها في أكثر من مرحلة، وقد اتهمت الحكومة السودانية الإمارات رسميًا، في محافل دولية، بتأجيج الصراع عبر دعم الميليشيا بالسلاح.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ تشير تقارير أخرى إلى وجود شبكات مرتبطة بمجموعة فاغنر الروسية، فضلًا عن جماعات تهريب ومقاتلين أو وسطاء من كولومبيا وبعض الدول الإفريقية، وهو ما نقل الحرب السودانية من مستوى الصراع الداخلي إلى مستوى أكثر اتساعًا وتدويلًا.

ثالثًا: الحضور الأوروبي وشركات التسليح: كان لأوروبا أيضًا حضور لافت في هذا السباق التسليحي، ليس بالضرورة عبر دعم مباشر معلن، بل من خلال ظهور معدات وأنظمة مرتبطة بشركات تسليح أوروبية داخل ميدان الحرب، فقد وثقت تقارير وجود أسلحة ومكونات من شركات أوروبية، من بينها أسلحة لشركة “هيكلر أند كوخ” الألمانية، إلى جانب أنظمة دفاع فرنسية ومحركات ومعدات بريطانية متقدمة.

في المحصلة تتضح الصورة بشكل لا يحمل التأويل،  لقد حولت حرب الجنرالات السودان إلى ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات وتجريب النفوذ الدولي والإقليمي، حيث تتقاطع مصالح القوى الكبرى وشركات تصنيع السلاح على أرض الواقع، ما يطيل أمد النزاع ويعقد أي مسار للسلام، ليبقى المواطن السوداني وحده، في خضم هذا السباق العسكري والسياسي، من يدفع ثمن هذا الصراع المحموم، بعدما باتت بلاده ضحية لأجندات خارجية ومصالح متصارعة، أكثر مما هي طرف في صراع داخلي.

مواضيعالتسليح ، الحرب في السودان ، السودان من الداخل ، الشأن السوداني

قد يعجبك ايضا

سياسة

هل يمهد انشطار حزب الشعب الجمهوري لتمرير الدستور الجديد؟

زيد اسليم٧ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

بعد حرب إيران.. 6 خرائط تعيد رسم طرق النفط العراقي إلى العالم

نون إنسايت٧ يونيو ٢٠٢٦
سياسة

البنتاغون يعتبر التجسس الإسرائيلي تهديدًا متزايدًا 

إريك شميدت٧ يونيو ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑