• الرئيسية
  • سياسة
  • اقتصاد
  • مجتمع
  • ثقافة
  • ملفات
  • معمقة
  • بودكاست

الدبلوماسية متعددة المستويات.. استراتيجية تركيا لبناء حضور عالمي

رغد الشماط٢٥ أبريل ٢٠٢٦

لفتت تحركات وزير الخارجية التركي هاكان فيدان الأنظار إلى الدبلوماسية التركية والتي تصنف اليوم كأحد أكثر الدبلوماسيات النشطة حول العالم، وكانت أنقرة قد انخرطت بفعالية في مساعي التهدئة وحل الأزمة بين إيران والولايات المتحدة بعد أن عملت لفترة طويلة قبل ذلك على تقريب وجهات النظر بين البلدين والتوصل لاتفاق يمنع اندلاع الحرب. 

في السنوات الأخيرة، أصبح الخطاب التركي الرسمي يقدم الدبلوماسية بوصفها أداة مركزية في إدارة السياسة الخارجية ووسيلة من وسائل تثبيت الموقع الإقليمي والدولي لتركيا. وتصف وزارة الخارجية الدولة التركية بأنها وريثة “تقليد دبلوماسي راسخ” ممتد من التجربة العثمانية إلى الجمهورية، وتربط بين الموقع الجغرافي لتركيا وسعة شبكتها الخارجية ومصالحها الأمنية والاقتصادية، وبين الحاجة إلى دبلوماسية ذات قدرة عالية على المناورة والاستباق.

وترى الأدبيات الصادرة عن الخارجية أن السياسية الخارجية لتركيا جزء من منظومة الأمن القومي، وأنها تحتاج إلى حضور “قوي على الطاولة وفي الميدان”، أي إلى دبلوماسية لا تنفصل عن أدوات التأثير الأخرى وتعمل معها في مسار واحد.

هذا التحول مهم لأنه يغير نقطة الانطلاق في فهم السياسة التركية، فحين تتحدث أنقرة عن الدبلوماسية بهذه اللغة، فهي لا تقتصر على التفاوض وإدارة الخلافات أو تمثيل الدولة في المحافل الرسمية، بل تتعداه إلى توسيع القدرة على التأثير وبناء السردية وإدارة الحضور الخارجي عبر أدوات متعددة.

لذلك نرى أن الدبلوماسية التركية أصبحت منظومة متعددة المستويات: مستوى رسمي يتحرك عبر الوساطة والانخراط في الملفات الإقليمية، ومستوى ناعم يعمل عبر الثقافة والتعليم والمساعدات التنموية، ومستوى مجتمعي شبابي يفتح مساحات للتدريب والتجربة المبكرة. ومن هنا تحديدًا يمكن فهم لماذا تعطي تركيا أهمية واضحة للدبلوماسية، وكيف تستثمر فيها مجتمعيًا أيضًا.

شارك حوالي 6400 شخص في منتدى أنطاليا الدبلوماسي في نسخته الخامسة هذا العام، وكان من بينهم 23 رؤساء دول وحكومات ونواب برلمانيون ووزراء وممثلين عن منظمات دولية.

بناء القدرات كجزء من النفوذ (أكاديمية الدبلوماسية)

تُعنى المقاربة التركية في إدارة العلاقات الخارجية ببناء القدرات الدبلوماسية، وهنا تبرز أكاديمية الدبلوماسية التابعة لوزارة الخارجية بوصفها جزءًا من هذا التصور، لا سيما إذا علمنا أن نشاط الأكاديمية دولي وعابر للحدود حسب ما تشير تقاريرها ووثائقها. 

إن تدريب دبلوماسيين من دول مختلفة أو إشراكهم في برامج تركية، يندرج ضمن مسار يهدف إلى نقل الخبرة التركية وتعزيز فهم الخارج لموقع تركيا ودورها وتقديم صورة “صحيحة” عنها، وهو ما يضع التدريب نفسه داخل وظيفة ترتبط بالدبلوماسية العامة، ما تسعى له أنقره هو بناء بيئة دبلوماسية أوسع، تشمل الكادر الرسمي والتدريب الذي لا يتوقف عند موظيفها، وأن تكون هذه البيئة كحقل للتهيئة والتشكيل وبناء النخب.

صورة تضم المتدربين الدبلوماسيين من البوسنة والهرسك مع ممثلين عن الأكاديمية الدبلوماسية.

الدبلوماسية العامة: كيف تخاطب أنقرة العالم خارج الحكومات

المستوى الثاني من الدبلوماسية والذي يفسر المشهد الجديد للخطاب التركي هو ما تسميه تركيا صراحة kamu diplomasi أي الدبلوماسية العامة. وفيه تنتقل الدبلوماسية من مخاطبة الحكومات فقط إلى مخاطبة المجتمعات والرأي العام والنخب الصاعدة ووسائل الإعلام والمنصات الرقمية.

تشرح رئاسة الاتصال التركية هذا المفهوم في منشوراتها ووثائقها باعتباره أداة لإيصال أطروحات تركيا إلى المجتمع الدولي وتعزيز صورتها في الخارج وضمان وصول معلومات “صحيحة وسليمة” عنها. وهذا التوجه يعكس قناعة أنقرة بأنها لم تعد ترى المعركة الدولية في مستوى القرارات فقط بل في مستوى السرديات أيضًا.

وفي هذا الإطار تنتقل تركيا من موقع رد الفعل إلى موقع المبادرة، إذ تسعى إلى بناء رواية متكاملة ومسبقة عن نفسها وتوجهها إلى جمهور دولي متنوع، وذلك بدلًا من الاكتفاء بالرد على الانتقادات أو الاتهامات في ملفات مثل السياسة الإقليمية أو حقوق الإنسان، ما يعني أن الإعلام والمنصات الرقمية والعلاقات مع الصحفيين والمؤسسات الفكرية أصبحت أدوات مركزية في السياسة الخارجية.

شبكة تيكا حول العالم

وتوسع وثيقة استراتيجية الدبلوماسية العامة التركية 2024–2029 مفهوم الدبلوماسية العامة ليشمل مجالات تتجاوز القنوات الرسمية التقليدية مثل المؤسسات الثقافية مثل معهد يونس إمره والمساعدات الإنسانية التي تنفذها تيكا TIKA إلى جانب المنح التعليمية وغير ذلك مما يستخدم كأدوات لبناء حضور تركي مستمر في الخارج، ويركز هذا الحضور بشكل أساسي على استهداف المجتمعات خصوصًا فئة الشباب والنخب الصاعدة.

ومن أبرز ملامح هذه الاستراتيجية أيضًا ربط الدبلوماسية العامة بإدارة الأزمات، إذ ترى أنقرة في الأزمات الإقليمية والدولية فرصة لتعزيز صورتها كوسيط أو فاعل إنساني وهو ما ظهر في أدوارها في الوساطات الدولية أو في الاستجابة للكوارث إذ تجد أنقرة في هذه الوساطات مساحة لإعادة تقديم نفسها على المستوى الدولي.

وتطرح بعض مراكز الأبحاث التركية مثل SETA ما يُعرف بـ”الدبلوماسية الاقتصادية” بوصفها امتدادًا عمليًا للسياسة الخارجية، حيث يكون الاقتصاد أداة لتوجيه السياسة، وتتحول التجارة والاستثمار والشراكات التنموية إلى وسائل لفتح قنوات تواصل وتخفيف التوتر وبناء مصالح مشتركة بين الدول، وهكذا تصبح إدارة الأسواق وتدفقات التجارة جزءًا من إدارة النفوذ حيث تسعى أنقرة إلى تعزيز حضورها الدولي عبر ربط المصالح الاقتصادية بالتحرك الدبلوماسي.

جمعية الدبلوماسيين الشباب Genç Diplomasi Derneği

تبرز جمعية الدبلوماسيين الشباب أو “الدبلوماسية الفتية” كما في الترجمة الحرفية، كواحدة من أحدث المبادرات التي تعكس توجه أنقرة لنقل الدبلوماسية من نطاقها المؤسسي التقليدي إلى فضاء مجتمعي أوسع تقوده فئة الشباب.

تأسست الجمعية في تموز/يوليو 2025 مع تكثيف أنقرة لاستثماراتها في الدبلوماسية العامة، وتطرح رؤية تقوم على إشراك جيل جديد في فهم العلاقات الدولية والمساهمة فيها بدل الاكتفاء بتلقيها كسياسات جاهزة.

صورة على هامش منتدى البوسفور تجمع الرئيس أردوغان مع رئيس الجمعية سلمان بيلير ومساعده حفيد الرئيس عمر طيب  أردوغان

دخلت الجمعية منذ تأسيسها مباشرة في تنظيم فعاليات ذات طابع دولي، أبرزها منتدى البوسفور الدبلوماسي Bosphorus Diplomacy Forum، الذي بات منصة تجمع سياسيين ودبلوماسيين وباحثين من دول مختلفة، إلى جانب طلاب وشباب أتراك وأجانب، باللغات التركية والإنجليزية والعربية، ويعكس هذا المزج بين النخب التقليدية والفاعلين الجدد تصورًا واضحًا للدبلوماسية بوصفها عملية إنتاج معرفة وتواصل مستمر.

وتروج الجمعية لما تسميه “vicdan temelli diplomasi” أي “دبلوماسية قائمة على الضمير”، وهو تعبير يحمل بعدًا أخلاقيًا يُراد له أن يميز الخطاب التركي عن مقاربات أكثر براغماتية في العلاقات الدولية.

ومن الجدير بالذكر أن الفعاليات التي تنظمها هذه الجمعية أو تكون جزء منها تحظى بحضور رسمي على مستويات رفيعة، بما في ذلك كلمات ومداخلات على مستوى الرئاسة التركية خلال منتدى البوسفور على سبيل المثال، هذا الحضور يقدم الجمعية بوصفها جزءًا من منظومة أوسع تعمل على إعادة تشكيل أدوات التأثير الخارجي لتركيا، حيث يتم الاستثمار في بناء كوادر شابة قادرة على تمثيل السردية التركية في المحافل الدولية، سواء بصفتها أكاديمية أو إعلامية أو حتى دبلوماسية مستقبلية.

“صرح أردوغان بأن منتدى دبلوماسية البوسفور تميز بمحتواه وشكله، وهنأ جميع أعضاء جمعية الدبلوماسية الشابة، الذين نجحوا في تنظيم المنتدى مرة أخرى هذا العام، وكل من ساهم في البرنامج.”

في التغطيات الصحفية التركية، يتم تقديم الجمعية باعتبارها منصة تمنح الشباب “تجربة دبلوماسية” مبكرة، عبر المحاكاة والنقاشات والانخراط المباشر في قضايا دولية راهنة، هذا البعد التدريبي لا يقل أهمية عن البعد السياسي لأنه يشير إلى محاولة منهجية لصناعة نخب جديدة تتقاطع مع أولويات الدولة ولكن عبر مسارات تبدو أقل رسمية وأكثر مرونة، وفي تصريحات لرئيسها سلمان بيلير قال إن الهدف هو “إعداد جيل يفهم العالم ويستطيع التأثير فيه”.

تتجه أنقرة نحو تكثيف حضورها الدبلوماسي في ملفات ساخنة لتصبح لاعبًا رئيسيًا في رسم ملامح النظام الدولي القادم، وكان نشاط أنقرة واضحًا في ملفات هامة مؤخرًا مثل ملف غزة، حيث حاولت تركيا تثبيت دورها كفاعل دبلوماسي وجمعت بين العمل الإنساني والتحرك عبر القنوات الدولية.

وتدرك أطراف أخرى، وفي مقدمتها “إسرائيل”، وزن هذا الحضور وتسعى في المقابل إلى تقليصه أو إبعاده عن مسار التأثير المباشر سواء في غزة أو سوريا.

في موازاة ذلك، تتعامل أنقرة مع التوترات الأوسع مثل الحرب والتصعيد بين إيران والولايات المتحدة، بوصفها ساحات اختبار لقدرتها على المناورة الدبلوماسية والحفاظ على توازن دقيق بين أطراف متعارضة دون الانزلاق إلى محاور مغلقة، وينسجم هذا النمط من التحرك مع رؤية تركية أوسع تقوم على تنويع الشراكات وبناء تحالفات مرنة.

ويبرز دور هاكان فيدان وزير الخارجية التركي بوصفه أحد أبرز وجوه هذه الدبلوماسية النشطة، حيث يقود تحركات مكثفة على أكثر من ملف، من الشرق الأوسط إلى أوروبا، في محاولة لإعادة تموضع تركيا كلاعب يسعى إلى المبادرة وصياغة المسارات وملء الفراغ.

أما في الملف السوري، الذي يشكل ساحة مركزية للسياسة الخارجية التركية، فإن هذه المقاربة تظهر بوضوح في الجمع بين المسارات الأمنية والإنسانية والسياسية، في محاولة للوصول إلى صيغة استقرار ستنعكس إيجابيًا على تركيا بالطبع في شتى المجالات.

الشرع وفيدان يحتسيان القهوة على قمة جبل قاسيون بعد أيام من سقوط الأسد (وكالة الأناضول)

يتجه الدور التركي نحو مزيد من الحضور مستندًا إلى شبكة واسعة من الأدوات، من المؤسسات الرسمية إلى المبادرات المجتمعية والرصيد الذي يملكه لدى مجتمعات واسعة خارج الحدود التركية في محاولة لترسيخ موقعه في النظام الدولي الذي يتشكل من جديد.

علاماتأردوغان في تركيا ، الدبلوماسية ، السياسة التركية ، السياسة التركية اتجاه الملف السوري ، السياسة التركية الخارجية
مواضيعالدبلوماسية ، السياسة التركية ، الشأن التركي ، العلاقات السورية التركية ، تركيا

قد يعجبك ايضا

سياسة

تهديدات ترامب من إسبانيا إلى فوكلاند.. إلى أين يتجه الناتو؟

عماد عنان٢٥ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

هل تسعى “إسرائيل” لإشعال حرب أهلية في لبنان؟

إيليا أيوب٢٥ أبريل ٢٠٢٦
سياسة

هل تشعل صلوات الحريديم في المغرب موجة جديدة لمناهضة التطبيع؟

عبد الحكيم الرويضي٢٥ أبريل ٢٠٢٦

بعض الحقوق محفوظة تحت رخصة المشاع الإبداعي

↑